warsbut
17-06-2007, 09:19 PM
في ذكري نياحة رائد الموسيقي والألحان القبطية
الأستاذ الدكتور راغب حبشي مفتاح الحارث الأمين علي التراث الروحي لألحان وتسابيح الكنيسة القبطية الأرثوذكسية
تحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في السابع عشر من يونية بتذكار نياحة العالم القبطي الجليل والحارس الأمين علي تراث الألحان والموسيقي القبطية الكنسية الأستاذ الدكتور راغب حبشي مفتاح الذي تنيح بشيبة صالحة عن عمر يناهز 103 أعوام 1998 - 2001 في يوم الأحد الموافق 17 يونية 2001م (10 بؤنة 1717ش). وقد نعاه قداسة البابا شنودة الثالث _ أطال الله حياته ومتعه بوافر الصحة _ في جريدة الأهرام بتاريخ 2001/6/18 واصفا إياه بالعبارات التالية: '..... الذي كرس حياته للكنيسة حافظا التراث اللحني القبطي سليما علي مدي قرابة خمسة وسبعين عاما خادما لهذه الرسالة المجيدة مبقيا للأجيال الصاعدة والقادمة تسجيلات تراثية تخليدا للحن القبطي وأشرف بكل إخلاص علي خورس المعهد والكلية الإكليريكية واستحق أن ينال الكثير من الشهادات وأوجه التكريم من جامعات عالمية ومحافل دولية .....'. كما أن قداسة البابا شنودة الثالث قام بالصلاة علي جثمان الراحل الكريم الدكتور راغب مفتاح بالكاتدرائية المرقسية الكبري بالعباسية وألقي عظة بلغة استعرض فيها أعمال الدكتور راغب مفتاح وتفانيه في حفظ تراث الألحان والموسيقي القبطية من العبث والضياع حيث ذكر الآتي: '..... كان قد ورث عن والده الكثير من الأراضي الزراعية لكي يستثمرها. أما الله فأراد أن يستثمره هو, يستثمر ما فيه من مواهب. ففي وجود راغب مفتاح في أوربا بدأ يدرس القبطيات: التاريخ القبطي, واللحن القبطي, والموسيقي القبطية. وانشغل بهذا الأمر أكثر من الانشغال بدراسة الزراعة. أما أرضه, فأراد أن يستثمرها في خدمة الكنيسة, ولم يفهم استثمار ماله في أن يزيد, وإنما في أن ينفقه في مشروع نافع, وبذلك يكنز له كنوزا في السماء'.
لقد تتلمذ المتنيح الدكتور راغب مفتاح علي الكتاب المقدس وتعاليم الآباء الرسل الأطهار وتقليد الكنيسة الأرثوذكسية, كما تتلمذ علي آباء الكنيسة وكتاباتهم في نضالهم ضد الهرطقات حفاظا علي الإيمان المستقيم للكنيسة. هذه المدرسة الروحية التي تتلمذ عليها الدكتور راغب مفتاح شكلت شخصيته. وفي مناسبة تذكار نياحته أود أن أستعرض ثلاثة جوانب من شخصيته:
1- آبائية الدكتور راغب مفتاح: يشكل آباء الكنيسة للقرون الأولي للمسيحية ركنا أساسيا في تعاليم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية, ولقد تذوق الدكتور راغب مفتاح كتابات آباء الكنيسة وكان يقتني مجموعة من كتابات الآباء, واتخذ من بعضهم قدوة في منهج حياته أمثال آباء مدرسة الإسكندرية: القديس كليمنضس والقديس أثناسيوس الرسولي والقديس ديديموس الضرير والقديس كيرلس عمود الدين, وتعلم منهم كيفية الثبات في الإيمان والحرص علي سلامة العقيدة الأرثوذكسية, وكان ذلك واضحا في حياته, فعندما بدأ في مشروع تجميع وتسجيل وتدوين الألحان القبطية عام 1928م تعرض لضغوط ومضايقات لتثبيط عزيمته في العمل الذي كرس حياته وماله من أجله. ثبت أمام هذه المضايقات وجاهد في الحفاظ علي هذا التراث الفني الكنسي. ففي إحدي الرسائل التي كتبها بخط يده وتحمل عنوان 'كلمة إلي شباب هذا الجيل' ذكر الآتي: 'كلمة إلي شباب هذا الجيل عن عمل وجهاد استمر ما ينيف علي الستين سنة للحفاظ علي أعرق وأجمل تراث صوتي كنسي في العالم. وهبت حياتي بكل وجداني وإمكاناتي للحفاظ علي هذا التراث .......'. ثم يستكمل حديثه عن أهمية هذا التراث من الوجهة الآبائية فيقول: 'لقد كنت ومازلت منذ قبل عام 1920 علي اقتناع تام أن سائر طقوس الكنيسة الموسيقية القبطية هي روحية وغنية وعميقة, فكل طقس منها يعبر في أحاسيس قوية عن الجو الروحي لنصوصه وتأثيراته وخاصة إذا تليت بصوت روحي موهوب, فيحيط القديسين بجو سمائي ويدفع الخاطيء إلي التوبة والندامة. فمنذ بدء المسيحية أدرك آباء الكنيسة العظام كل هذه الحقائق بإرشاد من العناية الإلهية فوضعوا لكل كلمة ونص يتلي في الكنيسة نغمات وألحان......'.
وفي غيرة صادقة للحفاظ علي الألحان الكنسية من الاندثار, أصدر عام 1955 مع بداية إنشاء معهد الدراسات القبطية نشرة بعنوان 'دعونا نحيي أمجاد كنيستنا' وذكر فيها: '..... بما أن الفن ركن من أهم أركان العبادة فهو القوة السائلة التي تجري إلي أعماق النفس وتملأها بمحبة الله وترفعها إلي السماوات, فالله كله محبة وجمال والفن كله محبة وجمال. فطن الأقدمون لهذه الحقيقة منذ فجر المسيحية ومن ثم آلت إلي كنيستنا المحبوبة موسيقي روحية عميقة هي تراث بعيد من مجد الآباء أيام انبثق نور الفلسفة المسيحية من هذه الكنيسة إلي العالم أجمع......... إن القديسين والشهداء الذين بنوا بروحياتهم وعلومهم وفنونهم هذه الكنيسة تفرغوا روحا ونفسا لذلك, وتجردوا عن العالميات والماديات ومازال للكثير منهم قدما ثابتة في التاريخ العالمي'. وبناء علي هذه النشرة كتب العالم الأب يعقوب مويزر كلمة عن أهمية ما يقوم به الدكتور راغب مفتاح: 'كيف لا أرحب اليوم ترحيبا خالصا بظهور نشرة مهمة قيمة يتناول فيها الأستاذ راغب مفتاح صاحب الأيدي البيضاء علي الألحان القبطية البحث الجلي والصافي في أصلها وخصائصها ومكانتها وتاريخها منذ عشرين جيلا. إن شأن هذه الألحان مثل شأن طقوس الكنيسة القبطية الجميلة الزاخرة المعاني الروحية التي تبعث في قلوب الشعب المؤمن أعمق الشعور الدينية وتقربه إلي الله عز وجل. إنها لا تقل عن هذه الطقوس في القيمة كما وأنها مرتبطة بها أشد الارتباط. إن شأنها كشأن شقيقها الفن القبطي في كل أقسامه ونواحيه وأهدافه الرفيعة. بمعني إن قل الاهتمام بهما تعرض التراث القبطي لخطر الاختفاء بل للضياع. وإن زادت العناية بهما تمكنت الحضارة القبطية من أن تحفظ كيانها وتظهر معالمها الجليلة وتبهر العيون وتشنف الآذان وتسير مزهوة مرفوعة الرأس في موكب الحضارات الأخري ذات التاريخ العريق والمجد التالد'.
2- الدكتور راغب مفتاح والحياة الرهبانية: كانت له صداقات روحية خاصة مع بعض رهبان الأديرة ومتوحدي الجبال, وبالطبع أثرت هذه الصداقة في حياته وجعلته وهو في العالم يتجرد من كل مديح ولا يسعي للمجد والشهرة. ففي إحدي مذكراته تحدث عن كيفية تدوين الألحان الكنسية منذ عام 1928 وحتي عام 1936 من المعلم ميخائيل البتانوني, وكيف استطاع الفنان نيولاند سميث تدوين هذه الألحان في ستة عشر مجلد, وكم تكلفت مبالغ طائلة تم الإنفاق عليها من ماله الخاص, فقال: 'ها هي المجلدات فهل لكم أيها الأقباط أن تنشروها, لا أريد منها شيئا ولا أريد أن يكون أي ذكر لاسمي عليها'. وفي إحدي النشرات التي أصدرها للإعلان عن التسجيلات الصوتية للألحان الكنسية التي نشرها قسم الألحان والموسيقي القبطية علي هيئة أشرطة, قال: '.....إني لا أريد من كل ما عملت ربحا ولا شكرا بل أقدمه هدية للأمة القبطية ..... وكل ما يأتي كإيراد لهذا العمل يصرف علي هذه النواحي من المشروع, ونصيحتي إلي الأقباط أن يوجهوا كل الاهتمام إلي جواهر فنهم ودرر تراثهم ولا يقل هذا المجهود عن بناء الكنائس فهذا العمل هو البناء الحقيقي للكنيسة'. لم يسع الدكتور راغب مفتاح. بل هي التي تبعته وأرشدت الناس إليه كما يقول القديس مار إسحق السرياني. فعندما بدأ علماء الموسيقي في الغرب التعرف علي الألحان القبطية, أتوا من أنحاء المسكونة لمقابلة الحارس الأمين علي تراث الألحان القبطية والاستماع إلي تعاليمه عن روحانية اللحن القبطي. كما أنه نال التكريم من قداسة البابا شنودة الثالث, الذي أقام له حفلا خاصا بمناسبة بلوغ الدكتور راغب مفتاح المائة عام.
يذكر الدكتور راغب مفتاح أنه كانت تربطه صداقة روحية بالمتنيح القديس الراهب أبونا عبد المسيح الحبشي, فيقول في إحدي مذكراته: 'بدأت علاقتي مع المتنيح الناسك أبينا عبدالمسيح الحبشي في الثلاثينيات حيث كنت أزور دير البراموس مرارا وكان هو راهبا داخل الدير. وعلي ما أظن أنه حينما جاء من بلاد الحبشة إلي دير البراموس كانت معه رتبة كهنوتية, ولكنه أنكر نفسه إنكارا تاما حيث كان يقول بين الرهبان كلمات احتقارا لنفسه. ترك الدير وذهب للتوحد في مغارة علي بعد نحو ساعة سيرا علي الأقدام من الدير, وهناك عاش عيشة في منتهي النسك حيث كان يحضر مرة واحدة في الأسبوع يوم الأحد لحضور القداس الإلهي ويأخذ نصف صفيحة ماء وكسر الخبز المتبقية من الرهبان. فكان يأكل مرة واحدة عند الغروب. وكنت أتردد علي مغارته في كل زيارة له, وكان عندما يحتاج إلي شيء يخبرني به لأحضره له, وقد عرف الناس هذا السر فكان كل من يزوره يحضر له شيء ويقول له هذا من عند الأستاذ راغب, فكان يرفض استلامها قائلا إنني لم أخبره بأن يرسل هذه لي. وحدث مرة أن إمبراطور الحبشة زار الدير مع البطريرك البابا يؤانس التاسع عشر, فترك الإمبراطور فروجية من الصوف الثقيل هدية لأبينا عبدالمسيح الحبشي, وبعد ذلك زاره أحد الرهبان وقال له إن الإمبراطور زار مصر وترك لك هذه الفروجية, فمسك المقص وقطعها'.
3- الدكتور راغب مفتاح وأصالته القبطية: ينحدر من عائلة لها بصمات واضحة علي تراث الكنيسة, فمؤسس هذه العائلة هو روفائيل مفتاح الذي عاش في أوائل القرن السابع عشر الميلادي كما جاء في المخطوط رقم 75 بالمتحف القبطي المؤرخة في 30 برمهات 1329ش 1713م, وهذه المخطوطة تحتوي علي البشائر الأربع بالعربية. كما أن أحد أجداده هو يوسف أفندي جرجس مفتاح الذي كان ناظرا للكنيسة الكبري البطريركية في عهد البابا بطرس السابع وحتي البابا كيرلس الرابع. أما القمص بطرس مفتاح فكان أحد رهبان دير أنبا أنطونيوس وكان عالما زاهدا وألف كتابا نفيسا في نظام الرهبنة وتنيح عام .1875 ومن أشهر أجداده نذكر عالم القبطيات الجليل عريان بك مفتاح الذي ساهم في الحفاظ علي اللغة القبطية وألف كتاب 'الدرة البهية والأسرار الربية' والذي أودعت بعض مقتنياته من المخطوطات والكتب النادرة بقسم 'الكتب النادرة' بمكتبة الجامعة الأمريكية بالقاهرة. أما عن والده حبشي بك مفتاح فكان عضوا في مجلس إدارة الجمعية الخيرية, كما كان أحد مؤسسي جمعية التوفيق.
عاش المتنيح الدكتور راغب مفتاح طوال حياته بين أحضان الكنيسة وتعاليمها وطقوسها وألحانها, وساعده في ذلك النشأة الصالحة, فقدم حياته رائحة بخور, وأخيرا استراحت نفسه من ثقل الجسد بعد أن ترك لنا تراثا روحيا أوصانا أن نحافظ عليه كما هو بدون عبث مدي العمر. والآن ها هو يشارك جموع السمائيين سكني كنيسة الأبكار مسبحين وساجدين أمام الحي إلي أبد الآبدين.
-----------------------
* رئيس قسم الألحان والموسيقي القبطية
بمعهد الدراسات القبطية
الأستاذ الدكتور راغب حبشي مفتاح الحارث الأمين علي التراث الروحي لألحان وتسابيح الكنيسة القبطية الأرثوذكسية
تحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في السابع عشر من يونية بتذكار نياحة العالم القبطي الجليل والحارس الأمين علي تراث الألحان والموسيقي القبطية الكنسية الأستاذ الدكتور راغب حبشي مفتاح الذي تنيح بشيبة صالحة عن عمر يناهز 103 أعوام 1998 - 2001 في يوم الأحد الموافق 17 يونية 2001م (10 بؤنة 1717ش). وقد نعاه قداسة البابا شنودة الثالث _ أطال الله حياته ومتعه بوافر الصحة _ في جريدة الأهرام بتاريخ 2001/6/18 واصفا إياه بالعبارات التالية: '..... الذي كرس حياته للكنيسة حافظا التراث اللحني القبطي سليما علي مدي قرابة خمسة وسبعين عاما خادما لهذه الرسالة المجيدة مبقيا للأجيال الصاعدة والقادمة تسجيلات تراثية تخليدا للحن القبطي وأشرف بكل إخلاص علي خورس المعهد والكلية الإكليريكية واستحق أن ينال الكثير من الشهادات وأوجه التكريم من جامعات عالمية ومحافل دولية .....'. كما أن قداسة البابا شنودة الثالث قام بالصلاة علي جثمان الراحل الكريم الدكتور راغب مفتاح بالكاتدرائية المرقسية الكبري بالعباسية وألقي عظة بلغة استعرض فيها أعمال الدكتور راغب مفتاح وتفانيه في حفظ تراث الألحان والموسيقي القبطية من العبث والضياع حيث ذكر الآتي: '..... كان قد ورث عن والده الكثير من الأراضي الزراعية لكي يستثمرها. أما الله فأراد أن يستثمره هو, يستثمر ما فيه من مواهب. ففي وجود راغب مفتاح في أوربا بدأ يدرس القبطيات: التاريخ القبطي, واللحن القبطي, والموسيقي القبطية. وانشغل بهذا الأمر أكثر من الانشغال بدراسة الزراعة. أما أرضه, فأراد أن يستثمرها في خدمة الكنيسة, ولم يفهم استثمار ماله في أن يزيد, وإنما في أن ينفقه في مشروع نافع, وبذلك يكنز له كنوزا في السماء'.
لقد تتلمذ المتنيح الدكتور راغب مفتاح علي الكتاب المقدس وتعاليم الآباء الرسل الأطهار وتقليد الكنيسة الأرثوذكسية, كما تتلمذ علي آباء الكنيسة وكتاباتهم في نضالهم ضد الهرطقات حفاظا علي الإيمان المستقيم للكنيسة. هذه المدرسة الروحية التي تتلمذ عليها الدكتور راغب مفتاح شكلت شخصيته. وفي مناسبة تذكار نياحته أود أن أستعرض ثلاثة جوانب من شخصيته:
1- آبائية الدكتور راغب مفتاح: يشكل آباء الكنيسة للقرون الأولي للمسيحية ركنا أساسيا في تعاليم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية, ولقد تذوق الدكتور راغب مفتاح كتابات آباء الكنيسة وكان يقتني مجموعة من كتابات الآباء, واتخذ من بعضهم قدوة في منهج حياته أمثال آباء مدرسة الإسكندرية: القديس كليمنضس والقديس أثناسيوس الرسولي والقديس ديديموس الضرير والقديس كيرلس عمود الدين, وتعلم منهم كيفية الثبات في الإيمان والحرص علي سلامة العقيدة الأرثوذكسية, وكان ذلك واضحا في حياته, فعندما بدأ في مشروع تجميع وتسجيل وتدوين الألحان القبطية عام 1928م تعرض لضغوط ومضايقات لتثبيط عزيمته في العمل الذي كرس حياته وماله من أجله. ثبت أمام هذه المضايقات وجاهد في الحفاظ علي هذا التراث الفني الكنسي. ففي إحدي الرسائل التي كتبها بخط يده وتحمل عنوان 'كلمة إلي شباب هذا الجيل' ذكر الآتي: 'كلمة إلي شباب هذا الجيل عن عمل وجهاد استمر ما ينيف علي الستين سنة للحفاظ علي أعرق وأجمل تراث صوتي كنسي في العالم. وهبت حياتي بكل وجداني وإمكاناتي للحفاظ علي هذا التراث .......'. ثم يستكمل حديثه عن أهمية هذا التراث من الوجهة الآبائية فيقول: 'لقد كنت ومازلت منذ قبل عام 1920 علي اقتناع تام أن سائر طقوس الكنيسة الموسيقية القبطية هي روحية وغنية وعميقة, فكل طقس منها يعبر في أحاسيس قوية عن الجو الروحي لنصوصه وتأثيراته وخاصة إذا تليت بصوت روحي موهوب, فيحيط القديسين بجو سمائي ويدفع الخاطيء إلي التوبة والندامة. فمنذ بدء المسيحية أدرك آباء الكنيسة العظام كل هذه الحقائق بإرشاد من العناية الإلهية فوضعوا لكل كلمة ونص يتلي في الكنيسة نغمات وألحان......'.
وفي غيرة صادقة للحفاظ علي الألحان الكنسية من الاندثار, أصدر عام 1955 مع بداية إنشاء معهد الدراسات القبطية نشرة بعنوان 'دعونا نحيي أمجاد كنيستنا' وذكر فيها: '..... بما أن الفن ركن من أهم أركان العبادة فهو القوة السائلة التي تجري إلي أعماق النفس وتملأها بمحبة الله وترفعها إلي السماوات, فالله كله محبة وجمال والفن كله محبة وجمال. فطن الأقدمون لهذه الحقيقة منذ فجر المسيحية ومن ثم آلت إلي كنيستنا المحبوبة موسيقي روحية عميقة هي تراث بعيد من مجد الآباء أيام انبثق نور الفلسفة المسيحية من هذه الكنيسة إلي العالم أجمع......... إن القديسين والشهداء الذين بنوا بروحياتهم وعلومهم وفنونهم هذه الكنيسة تفرغوا روحا ونفسا لذلك, وتجردوا عن العالميات والماديات ومازال للكثير منهم قدما ثابتة في التاريخ العالمي'. وبناء علي هذه النشرة كتب العالم الأب يعقوب مويزر كلمة عن أهمية ما يقوم به الدكتور راغب مفتاح: 'كيف لا أرحب اليوم ترحيبا خالصا بظهور نشرة مهمة قيمة يتناول فيها الأستاذ راغب مفتاح صاحب الأيدي البيضاء علي الألحان القبطية البحث الجلي والصافي في أصلها وخصائصها ومكانتها وتاريخها منذ عشرين جيلا. إن شأن هذه الألحان مثل شأن طقوس الكنيسة القبطية الجميلة الزاخرة المعاني الروحية التي تبعث في قلوب الشعب المؤمن أعمق الشعور الدينية وتقربه إلي الله عز وجل. إنها لا تقل عن هذه الطقوس في القيمة كما وأنها مرتبطة بها أشد الارتباط. إن شأنها كشأن شقيقها الفن القبطي في كل أقسامه ونواحيه وأهدافه الرفيعة. بمعني إن قل الاهتمام بهما تعرض التراث القبطي لخطر الاختفاء بل للضياع. وإن زادت العناية بهما تمكنت الحضارة القبطية من أن تحفظ كيانها وتظهر معالمها الجليلة وتبهر العيون وتشنف الآذان وتسير مزهوة مرفوعة الرأس في موكب الحضارات الأخري ذات التاريخ العريق والمجد التالد'.
2- الدكتور راغب مفتاح والحياة الرهبانية: كانت له صداقات روحية خاصة مع بعض رهبان الأديرة ومتوحدي الجبال, وبالطبع أثرت هذه الصداقة في حياته وجعلته وهو في العالم يتجرد من كل مديح ولا يسعي للمجد والشهرة. ففي إحدي مذكراته تحدث عن كيفية تدوين الألحان الكنسية منذ عام 1928 وحتي عام 1936 من المعلم ميخائيل البتانوني, وكيف استطاع الفنان نيولاند سميث تدوين هذه الألحان في ستة عشر مجلد, وكم تكلفت مبالغ طائلة تم الإنفاق عليها من ماله الخاص, فقال: 'ها هي المجلدات فهل لكم أيها الأقباط أن تنشروها, لا أريد منها شيئا ولا أريد أن يكون أي ذكر لاسمي عليها'. وفي إحدي النشرات التي أصدرها للإعلان عن التسجيلات الصوتية للألحان الكنسية التي نشرها قسم الألحان والموسيقي القبطية علي هيئة أشرطة, قال: '.....إني لا أريد من كل ما عملت ربحا ولا شكرا بل أقدمه هدية للأمة القبطية ..... وكل ما يأتي كإيراد لهذا العمل يصرف علي هذه النواحي من المشروع, ونصيحتي إلي الأقباط أن يوجهوا كل الاهتمام إلي جواهر فنهم ودرر تراثهم ولا يقل هذا المجهود عن بناء الكنائس فهذا العمل هو البناء الحقيقي للكنيسة'. لم يسع الدكتور راغب مفتاح. بل هي التي تبعته وأرشدت الناس إليه كما يقول القديس مار إسحق السرياني. فعندما بدأ علماء الموسيقي في الغرب التعرف علي الألحان القبطية, أتوا من أنحاء المسكونة لمقابلة الحارس الأمين علي تراث الألحان القبطية والاستماع إلي تعاليمه عن روحانية اللحن القبطي. كما أنه نال التكريم من قداسة البابا شنودة الثالث, الذي أقام له حفلا خاصا بمناسبة بلوغ الدكتور راغب مفتاح المائة عام.
يذكر الدكتور راغب مفتاح أنه كانت تربطه صداقة روحية بالمتنيح القديس الراهب أبونا عبد المسيح الحبشي, فيقول في إحدي مذكراته: 'بدأت علاقتي مع المتنيح الناسك أبينا عبدالمسيح الحبشي في الثلاثينيات حيث كنت أزور دير البراموس مرارا وكان هو راهبا داخل الدير. وعلي ما أظن أنه حينما جاء من بلاد الحبشة إلي دير البراموس كانت معه رتبة كهنوتية, ولكنه أنكر نفسه إنكارا تاما حيث كان يقول بين الرهبان كلمات احتقارا لنفسه. ترك الدير وذهب للتوحد في مغارة علي بعد نحو ساعة سيرا علي الأقدام من الدير, وهناك عاش عيشة في منتهي النسك حيث كان يحضر مرة واحدة في الأسبوع يوم الأحد لحضور القداس الإلهي ويأخذ نصف صفيحة ماء وكسر الخبز المتبقية من الرهبان. فكان يأكل مرة واحدة عند الغروب. وكنت أتردد علي مغارته في كل زيارة له, وكان عندما يحتاج إلي شيء يخبرني به لأحضره له, وقد عرف الناس هذا السر فكان كل من يزوره يحضر له شيء ويقول له هذا من عند الأستاذ راغب, فكان يرفض استلامها قائلا إنني لم أخبره بأن يرسل هذه لي. وحدث مرة أن إمبراطور الحبشة زار الدير مع البطريرك البابا يؤانس التاسع عشر, فترك الإمبراطور فروجية من الصوف الثقيل هدية لأبينا عبدالمسيح الحبشي, وبعد ذلك زاره أحد الرهبان وقال له إن الإمبراطور زار مصر وترك لك هذه الفروجية, فمسك المقص وقطعها'.
3- الدكتور راغب مفتاح وأصالته القبطية: ينحدر من عائلة لها بصمات واضحة علي تراث الكنيسة, فمؤسس هذه العائلة هو روفائيل مفتاح الذي عاش في أوائل القرن السابع عشر الميلادي كما جاء في المخطوط رقم 75 بالمتحف القبطي المؤرخة في 30 برمهات 1329ش 1713م, وهذه المخطوطة تحتوي علي البشائر الأربع بالعربية. كما أن أحد أجداده هو يوسف أفندي جرجس مفتاح الذي كان ناظرا للكنيسة الكبري البطريركية في عهد البابا بطرس السابع وحتي البابا كيرلس الرابع. أما القمص بطرس مفتاح فكان أحد رهبان دير أنبا أنطونيوس وكان عالما زاهدا وألف كتابا نفيسا في نظام الرهبنة وتنيح عام .1875 ومن أشهر أجداده نذكر عالم القبطيات الجليل عريان بك مفتاح الذي ساهم في الحفاظ علي اللغة القبطية وألف كتاب 'الدرة البهية والأسرار الربية' والذي أودعت بعض مقتنياته من المخطوطات والكتب النادرة بقسم 'الكتب النادرة' بمكتبة الجامعة الأمريكية بالقاهرة. أما عن والده حبشي بك مفتاح فكان عضوا في مجلس إدارة الجمعية الخيرية, كما كان أحد مؤسسي جمعية التوفيق.
عاش المتنيح الدكتور راغب مفتاح طوال حياته بين أحضان الكنيسة وتعاليمها وطقوسها وألحانها, وساعده في ذلك النشأة الصالحة, فقدم حياته رائحة بخور, وأخيرا استراحت نفسه من ثقل الجسد بعد أن ترك لنا تراثا روحيا أوصانا أن نحافظ عليه كما هو بدون عبث مدي العمر. والآن ها هو يشارك جموع السمائيين سكني كنيسة الأبكار مسبحين وساجدين أمام الحي إلي أبد الآبدين.
-----------------------
* رئيس قسم الألحان والموسيقي القبطية
بمعهد الدراسات القبطية