عرض الاصدار الكامل : الإيمان بين الفلسلفة واللاهوت : بقلم المتنيح القمص أيوب مسيحة
warsbut
07-01-2007, 10:16 PM
الإيمان بين الفلسلفة واللاهوت
بقلم المتنيح القمص أيوب مسيحة
المقدمة:الإيمان من المواضيع المهمة التي عليه تشاد الديانة الحقة وهو الشرط الأول والوحيد في قبول المسيحية.وعلي ذلك قلما يخلو كتاب ديني من التحدث عن الإيمان,وما من صحيفة تتصل بالدين أوتمت إليه بصلة القربي إلا والإيمان هو القطب الذي تدور حوله.ولو أملنا أذننا نحو المنابر وما أكثرها لسمعنا الحديث عن الإيمان يتخلل المواعظ المتنوعة والخطب المتعددة.
وحقا إننا في حاجة إلي التحدث عن الإيمان لأننا مازلنا نشعر بأن إيماننا علي شيء كثير من الضعف والوهن رغما عما قرأناه وفضلا عما سمعناه وكان الواجب أن يكون لمثل تلك المعلومات أثرها الفعال في نفوسنا التي نلومها كل اللوم علي هذا النقص المعيب والفتور المشين.
والآن ونحن نتحدث عن الإيمان يهمنا أن نلقي في ذهن القاريء العزيز أننا سنضع بين يديه أدق الأبحاث وأعمق الآراء والأفكار مستقاة من أعذب الأعين وأصفاها وأطيب المصادر وأنقاها وسنصل بقرائنا الأعزاء إلي دار الإيمان العامرة عابرين أبعد الطرق وأقربها سالكين أسهل السبل واصعبها,ولن نقتنع بالقليل الذي لايروي من ظمأ أو يشبع من جوع بل سنقدم للقراء الأعزاء طعاما دسما وشرابا طهورا فسنعمل علي إيضاح الإيمان وصلته بالعقل وموضوعه وعلته ومعلوله وفعله الباطن والظاهر.وضرورته للخلاص وحاجته إلي الأعمال إلي غير ذلك من المواضيع التي لها مساس بالإيمان وأننا بنعمة الله وإرشاد روحه القدوس لنأمل في أن نطرق ما غلق من هذه الأبواب لنصل إلي العلم الذي يشبع النفس ويروي عطشها.
0 تعريف الإيمان
لقد أفرد الرسول بولس أصحاحا كاملا للحديث عن الإيمان ورجاله جاء في مطلعه تعريفا شاملا له إذ قال:وأما الإيمان فهو الثقة بما يرجي والإيقان بأمور لاتري(عب11:1) فهو والحالة هذه إيقان وتصديق بحقائق مأمولة وأشياء مرجوة لم تحدث بعد فبالإيمان تقوم الزراعة فإن من لايؤمن بأنه سيجني الأثمار لايصبر علي الأتعاب وبالإيمان يسلك الناس البحار فإنهم يأتمنون بخشبة صغيرة ويعتاضون بحركة الأمواج المتقلبة عن الأرض الثابتة مسلمين أنفسهم لآمال غير وثيقة ومتخذين الإيمان كواسطة مؤتمنة أكثر من كل مرساة.
ولزيادة الإيضاح يمكننا أن نستعين ببعض الأمثلة تبيانا لهذا التعريف العام .
1- عندما سأل السيد المسيح رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ وقال لهم معمودية يوحنا من السماء كانت أم من الناس,فتآمروا فيما بينهم قائلين إن قلنا من السماء يقول لماذا لم تؤمنوا به وإن قلنا من الناس فجميع الشعب يرحموننا لأنهم واثقون أن يوحنا نبي (لو20:3) ففكر أولئك الناس ومن علي شاكلتهم يقال له ارتياب وهو تردد بين طرفين دون ترجيح أحدهما.
2- عندما كان السيد المسيح في ضيافة الفريسي الذي دعاه ليأكل معه وجاءت إليه المرأة الخاطئة ووقفت عند قدمه من ورائه باكية خامر الفريسي شك من جهة السيد وقال في نفسه لو كان هذا نبيا لعلم من هذه المرأة التي تلمسه أنها خاطئة (لو7:36) فهذا الرأي ومن كان علي شاكلته يقال له ظن وهو ترجيح أحد الطرفين دون جزم لدليل ضعيف.
3- عندما شفي السيد المسيح عيني الأعمي منذ ولادته وحاول الفريسيون أن يلفقوا تهمة الأبراء في السبت علي السيد المسيح دعوا أبوي ذلك الأعمي وسألوهما قائلين أهذا ابنكما الذي تقولان أنه ولد أعمي فكيف يبصر الآن.أجابهم أبواه وقالا نعلم أن هذا ابننا وأنه ولد أعمي وأما كيف يبصر الآن فلا نعلم أو من فتح عينيه فلا نعلم هو كامل السن أسألوه فهو يتكلم عن نفسه,قال أبواه هذا لأنهما كانا يخافان من اليهود (يو 9:1) فهذا الإقرار يقال له رأي وهو ترجيح أحد الطرفين مع خوف من الآخر.
warsbut
19-01-2007, 08:17 PM
الإيمان بين الفلسفة واللاهوت
بقلم المتنيح القمص أيوب مسيحة
-4- عندما سأل السيد المسيح تلاميذه قائلا من يقول الناس أني أنا ابن الإنسان فقالوا قوم يوحنا المعمدان وآخرون إيليا وآخرون أرميا وواحد من الأنبياء قال لهم وأنتم من تقولون أني أنا فأجاب سمعان بطرس وقال أنت هو المسيح ابن الله الحي(مت16:13) فإقرار بطرس هذا وما شابهه يقال له يقين وهو ترجيح أحد الطرفين مع الجزم وهذا هو الإيمان الحقيقي.
ألا أن لهذا اليقين مراحل ثلاث
-1- يقين طبيعي.وهو الحاصل من المشاهدة ومثاله ماحدث للتلميذين اللذين أرسلهما يوحنا ليسألا السيد المسيح هل أنت هو الآتي أم ننتظر آخر.فأجاب يسوع وقال لهما اذهبا أخبرا يوحنا بما تسمعان وتنظران العمي يبصرون والعرج يمشون والبرص يتطهرون والصم يسمعون والموتي يقومون والمساكين يبشرون (مت11:2) وهذا هو الإيمان المبني علي المشاهدة.
-2- يقين عقلي.وهو الحاصل بالبرهان ومثاله ما حدث من الحوار البليغ بين الأعمي الذي فتح عينيه السيد المسيح وبين الفريسيين الذين حاولوا نكران هذه المعجزة العظيمة فأجابهم الأعمي بقوله إن في هذا عجبا أنكم لستم تعلمون من أين هو وقد فتح عيني ونعلم أن الله لايسمع للخطاة ولكن إن كان أحد يتقي الله ويفعل مشيئته فلهذا يسمع منذ الدهر لم يسمع أن أحدا فتح عيني مولد أعمي لو لم يكن هذا من الله لم يقدر أن يفعل شيئا (يو9:20)وتلك أقوال كلها براهين لاتدحض علي أن ذاك الذي فتح عيني الأعمي لبس هو إلا نبي عظيم كما كان إيمان ذلك الأعمي في السيد المسيح.
-2- يقين أدبي.كالحاصل من شهادة الأشخاص الذين لاشك في صدقهم كما كان الحال لدي السامريين الذين آمنوا بالسيد المسيح من أجل كلام المرأة السامرية كما قيل عنهم فأمن به من تلك الكورة كثيرون من السامريين بسبب كلام المرأة التي كانت تشهد إنه قال لي كل ما فعلت (يو4:39) وكما كان الحال لدي الخصي الحبشي مع فيلبس الرسول(أع8:36).
ولأن هذا هو أفضل أنواع الإيمان فقد قال بصدده السيد المسيح في صلاته لأجل تلاميذه لست أسأل من أجل هؤلاء فقط بل أيضا من أجل الذين يؤمنون بكلامهم (يو17:20) وللإيمان الناشئ عن اليقين الأدبي هذا درجاته ومراتبه التي تختلف بعضها عن بعض بسبب المعرفة والثقة وهذا يتدرج بحسب هذه المراتب.
-1- إيمان المحبة.وهو الإيمان الناشيء عن المحبة المتبادلة بين المؤمن وإلهه كما يثق الولد بأبيه ثقة لاحد لها حتي إذا كان الوالد هذا فقيرا.وهذا ما جعل راعوث المؤابية تقول لحماتها لاتلحي علي أن أتركك وأرجع عنك لأنه حيثما ذهبت وحيثما بت أبيت,شعبك شعبي وإلهك إلهي حيثما مت أموت وهناك اندفن إنما الموت يفصل بيني وبينك(را1:16)وهنا نري أن محبة راعوث لحماتها جعلتها تضحي بقوميتها وديانتها في سبيل إرضاء حماتها وهذا بعينه كان تصريح توما الرسول(يو11:16)وبولس الرسول أيضا(أع21:13).
-2- إيمان المعرفة اليقينية.وهو الإيمان الصادر من النمو في النعمة والتقدم في الفضيلة وهو إيمان يصدق بالله لأنه يعرفه عن ثقة ويتكل عليه لأن أمانته قد تبرهنت له برهانا لاشبهة فيه.وهذا ما كان من أمر كالب أحد الذين ذهبوا للتجسس في أرض كنعان إذ بينما أصحابه قد أشاعوا مذمة الأرض إذ به يقول لموسي النبي قول الواثق المتيقن إننا نصعد ونمتلكها لأننا قادرون عليها (عدد13:30) وكما قال الفتية لنبوخذ نصر (دا3:17).
-3- إيمان الثقة بالغير.وهو ما يتكل به إنسان علي غيره لاركانه إلي سمو مدارك ذلك الإنسان وأفضليتها كما يعتمد الأعمي علي دليله لمعرفته إن ذلك الدليل يبصر فيسير بهذا الاتكال إلي حيث يقوده الدليل كما كان الحال لدي الخصي الحبشي مع فيلبس الرسول.
-4- إيمان التجربة والاختبار.وهو الإيمان المبني علي تجارب واختبارات سابقة كما هو الحال لدي الفلاح الذي يأخذ الحبوب ويدفنها بين الأتلام واثقا إنها تنبت وتأتيه بالغلال الوفيرة وما ذلك إلا لأنه رأي الحصاد مرارا فتوقع غيره فبذر الحبوب بهذا الإيمان.
وعلي ذلك قال الله تعالي قديما هاتوا جميع العشور إلي الخزانة ليكون في بيتي طعام وجربوني..بهذا قال رب الجنوب إن كنت لا أفتح لكم كوي السموات وأفيض عليكم بركة حتي لاتوسع(ملا3:10) وهذا بعينه ما شهد به النبي القائل كنت فتي وقد شخت ولم أر صديقا تخلي عنه ولاذرية له تلتمس خبزا(مز37:25).
-5- إيمان العجائب والمعجزات.وهو الإيمان المبني علي عمل الآيات والمعجزات كما كان الحال لدي الشعب الذي شاهد المعجزة التي صنعها الله علي يدي إيليا النبي مع أنبياء البعل حتي أن الشعب بعد مشاهدتهم إياها سقطوا علي وجوههم وقالوا الرب هو الله الرب هو الله (1مل18:39) وبناء علي ذلك سمعنا قوما من الكتبة يقولون للسيد المسيح يا معلم نريد أن نري منك آية(مت12:38) كما أنه قال مرة صدقوني أني في الآب والآب في ولاتصدقوني لسبب الأعمال نفسها(يو14:11)كما قيل عن بعض من الناس إن المسيح بعد ما مضي إلي عبر بحر الجليل تبعه جميع كثير لأنهم أبصروا آياته التي كان يصنعها في المرضي(يو6:1).
-----
تلك هي الحلقة الأولي من موضوع الإيمان نقدمها إلي حضرات القراء الأفاضل علي صفحات الإيمان مصوغة من أثمن المعادن وأقيمها محلاة بأصفي الأحجار وأكرهها وعسي أن نكون قد أوضحنا المعني المراد من الإيمان الذي نريد بنعمة الله أن نواصل حديثنا عنه.ونظن أننا وصلنا إلي نقطة قد يحسن لديها الوقوف قليلا فوداعا وإلي اللقاء في العدد القادم إذا أراد الرب وعشنا.
warsbut
21-01-2007, 11:08 AM
الإيمان بين الفلسفة واللاهوت -3-
بقلم : المتنيح القمص أيوب مسيحة
نشر في مجلة الإيمان عام 1938
عرفنا في مقالنا السابق ما هو الإيمان.وبعد أن استعرضنا البيانات الكثيرة التي أوردناها أمكننا أن نحكم أين كل منا من الإيمان الكامل الذي يهمنا أن نكون من رجاله.ونريد الآن أن ننتقل إلي الحلقة الثالثة من موضوعنا ونري أنه من المناسب جدا أن نبين كيفية الابتداء في الإيمان تمهيدا لتعمقنا في دراستنا هذه قلنا إن الإيمان هو تصديق وإذ عان فكيف ياتري نربي في نفوسنا هذا التصديق وذلك الإذعان.وكيف السبيل إلي التمسك بالإيمان والحياة فيه إلي النهاية وهل يستطيع الإنسان أن يبتديء في الإيمان ويثبت فيه بمثابرته واجتهاده أو هو هبة من الله وعطية من عطاياه تعالي.
هذا هو المعني المراد من الابتداء في الإيمان,وهذا ما نريد أن نتحدث عنه الآن.
..أن تعليم الكتاب عن الإيمان ينسب لله عملا ضروريا لتحريك البشر وايقاظهم ليرجعوا إليه بحرية إرادتهم من دون إرهاب أو إرغام كما وإنه أيضا ينسب للإنسان عملا ضروريا تابعا للتحريك الإلهي,ولايتم هذا الإيمان إلا باتحاد هذين العملين أي التحريك الإلهي وخضوع الإنسان بإرادته لله.ويعتبر الإنسان مسئولا أمام الله إن لم يقم بما يطلب منه من أمر الرجوع إليه بالتوبة والإيمان..ففعل الروح القدس في قلب الإنسان ضروري كما وأن خضوع الإنسان لعمل الروح القدس وتصديق ما أعلن له ضروري أيضا.فالله يعمل الوسائط للإنسان والإنسان مكلف بأن يقبل هذه الوسائط ويستعملها لخلاصه ويأتي بالأثمار المطلوبة كما يتضح ذلك من قول السيد المسيح له المجد عن الشجرة العقيمة أنقب حولها وأضع زبلا فإن صنعت ثمرا وإلا ففيما بعد نقطعها (لو13:8) وقول إشعياء النبي كان لحبيبي كرم علي أكمة خصبة فنقبه ونقي حجارته وغرسه كرم سورق فانتظران يصنع عنبا فصنع عنبا رديا.ماذا يصنع لكرمي وأنا لم أصنعه(إش5:2).
ولإيضاح ذلك لنتأمل كلا من أعمال الله الشاخصة نحو الإنسن ثم موقف الإنسان بإزاء هذه الأعمال.
أولا:أعمال الله.وتنقسم أعمال الله إلي قسمين
1- الكرازة بالإنجيل بواسطة خدام الكلمة حسب أمر المسيح القائل اذهبوا وأكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها (مر16:15) وتلمذوا جميع الأمم(مت28:19).
2- مرافقة الروح القدس للكلمة لتؤثر في النفوس وتأتي بالفائدة لكل من يسمعها-فالإنجيل ينادي به علي مسامع الناس في الخارج والروح القدس يكلمهم في الداخل ويقنعهم بحقيقتها ويسوقهم إليها وينير عقولهم ويحرك ضمائرهم ويرهبهم من جهنم ويرغبهم في السماء وذلك الروح يتخذ كلمة الله آلة لتليين القلوب.فمن يقتنع بحاله الساقطة ويخضع لروح الله برجوعه عن طريقه ويؤمن بكلام الله ينل فيض النعمة وقوة بها يقدرأن يسير مع الله كما يتضح من قوله تعالي.ارجعوا عند توبيخي ها أنذا أفيض لكم روحي(أم1:23).
ثانيا:موقف الإنسان
وللإنسان موقفان لاثالث لهما فهو إما أن يطيع فينال النعمة أو يعصي فيحرم منها.فقديما قدم الله الدعوي لليهود للدخول في أرض الموعد بعد أن أخرجهم من أرض مصر ولكن لكونهم لم يطيعوه تعالي ولم يتبعوه تماما قد رفضهم وأدخل الذين أطاعوه.كقوله لن يري الناس الذين صعدوا من مصر الأرض لأنهم لم يتبعوني تماما ما عدا كالب بن يفنه ويشوع بن نون لأنهما اتبعاني تماما (عد32:12) ولاغرابة في ذلك إذا رأينا يهوذا الرسول ينبهنا إلي هذه الحقيقة الراهنة بقولهفأريد أن أذكركم ولو علمتم هذا مرة أن الرب بعدما خلص الشعب من أرض مصر أهلك أيضا الذين لم يؤمنوا(يهوذا6).
وحديثا قدم الله لليهود أيضا دعوة للدخول إلي حظيرة الإنجيل كما قال السيد لتلاميذه إلي طريق أمم لاتمضوا وإلي مدينة للسامريين لاتدخلوا بل اذهبوا بالحري إلي خراف بيت إسرائيل الضالة(مت10:5) ولكن لكونهم رفضوه ولم يقبلوا دعوته بل تهاونوا بها فهو أيضا قد رفضهم ولم يقبل منهم إلا الذين أطاعوه وآمنو بالمسيح كما يؤيد ذلك يوحنا الرسول بقوله.إلي خاصته جاء وخاصته لم تقبله وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنين باسمه(يو1:11).
وفي الكتاب المقدس عبارات تظهر لنا لأول وهلة أن الإيمان عمل من أعمال الإنسان قد يصدر عن إرادته التي هو مالكها ومتسلط عليها ولابأس من أن نورد بعضا من هذه الأقوال لنقف علي حقيقتها ومايراد بها.
1- قد ينسب الكتاب أركان الخلاص الأولي وبعبارة أوضح الإيمان والابتداء فيه إلي الإرادة البشرية كقوله اسألوا تعطوا أطلبوا تجدوا اقرعوا يفتح لكم(لو11:9)ولكي يتبين لنا أن المسألة ليست قاصرة علي إرادتنا البشرية المجردة نري الرسول يعرفنا أننا خلو من الروح القدس لانعرف كيف نصلي أو ماذا نطلب كما قال.وكذلك الروح أيضا يعين ضعفنا لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لاينطق بها(رو8:26).
2- قد ينسب الكتاب الابتداء في الإيمان إلي الله تعالي كما قيل عن ليدية بائعة الأرجوان ففتح الرب قلبها لتصغي إلي ما كان يقوله بولس (أع16:14)وللوقوف علي الحقيقة المنشودة يجب أن نعلم أن ليدية هذه التي فتح الرب قلبها لم تكن عاصية في ذلك الوقت وغير خاضعة والرب جذبها وفتح قلبها بالرغم عن إرادتها بل يقول الكتاب إنها كانت متعبدة لله..وبما أنها كانت متعبدة لله فلا ريب أنها كانت تريد من كل قلبها أن تسمع تعاليم بولس الجديدة عن المخلص الذي كان يكرز به علي مسامعها.ولكونها كانت تصغي ولها رغبة أن تعرف عن التعليم الجديد فلهذا السبب فتح الرب قلبها أي ذهنها لتفهم عن المسيح الذي صنع الفداء لكل أحد من البشر لكي تؤمن به كما سبق وعمل المسيح مع تلاميذه كذلك إذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب(لو24:45).
3- قد ينسب الكتاب الابتداء في الإيمان إلي أعمال البشر الصالحة كما جاء عن كرنيليوس القائد الوثني (أع10) ولكي تتضح لنا الحقيقة يجب أن نعلم أن كرنيليوس هذ استرشد أولا بنور الطبيعة الذي له ولكونه كان راغبا في معرفة الله نال مساعدة النعمة التي بها قدرأن يترك أوثانه ويتقي الله مدة طويلة حتي أنه قضي أربعة أيام صائما متذللا أمام الله قاصدا بذلك طلب المعونة الإلهية.ولذلك لما رأي الله رغبته وشوقه أرسل له ملاكا يخبره أن صلاته وخدماته صعدت تذكارا أمام الله وكان ذلك قبلما يعرف المسيح ولهذا أخبره الملاك أن يستدعي بطرس ليعرفه عن المسيح لكي يؤمن به.ولما أتي بطرس قال له بالحق أنا أجد أن الله لايقبل الوجوه بل في كل أمة الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده(أع10:34).
warsbut
28-01-2007, 11:16 AM
الإيمان بين الفلسفة00واللاهوت -4-
بقلم المتنيح القمص أيوب مسيحة
عرفنا أن الإيمان هو الثقة بما يرجي والإيقان بأمور لاتري (عب11:1) وعرفنا في الحلقات السابقة ما هي الثقة وأدركنا كيف يكون الإيقان.ونريد الآن أن نعرف ماذا يراد بالأمور التي ترتجي وتلك التي لاتري.وهذا هو المراد بموضوع الإيمان.إذ أن التصديق شيء وما يراد تصديقه والثقة به شيء آخر.
وللإلمام بهذا الموضوع علينا أن نتبع هذه الملاحظات.
أولا-الموضوع وماذا يراد به- إن موضوع كل فضيلة يتضمن أمرين
-1- ما يدرك إدراكا ماديا وهو بمنزلة الموضوع المادي
-2- ما به يحصل الإدراك وهو علة الموضوع الصورية.
فالطب مثلا له موضوعه الخاص وهو الشفاء كما أن له المواد التي بها يحصل هذا الشفاء وهي العقاقير الطبية التي تعتبر علة الشفاء الصورية.
وهكذا الشأن في الإيمان فموضوعه المادي هو الله وليس سواه كما قال السيد المسيح لتلاميذه:ليكن لكم إيمان بالله (مر11:22),أما ما يحصل به الإيمان هذا فهو أشياء أخري كثيرة قد تكون الشريعة وكتبها كما قال المسيح له المجد لليهود لأنكم لو كنتم تصدقون موسي لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عني فإن كنتم لستم تصدقون كتب ذاك فكيف تصدقون كلامي(يو5:46) وكما قال بولس الرسول في احتجاجه أمام الوالي.ولكنني أقر لك بهذا أنني حسب الطريق الذي يقولون له شيعة هكذا أعبد إله آبائي مؤمنا بكل ما هو مكتوب في الناموس والأنبياء(أع24:14).
وقد يكون الإنجيل كما قال السيد المسيح قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل (مر1:15)وقد تكون المواعيد الإلهية كما قيل عن الآباء القدماء في الإيمان مات هؤلاء أجمعون وهم لم ينالو المواعيد بل من بعيد نظروها وصدقوها(عب11:13) وقد تكون شيئا آخر غير ذلك الذي مهما يكن من أمره فإننا نؤمن به لأنه موحي من الله أو من حيث نسبته إليه تعالي.
ثانيا: الموضوع وإدراكه بالحواس.
إن تعريف الإيمان بأنه الثقة بما يرجي والإيقان بأمور لاتري من شأنه أن يحقق لنا بأن موضوع الإيمان لايمكن أن يدرك بالحواس.ولكن في الكتاب عبارات ترينا بأن هذا الموضوع كثيرا ما يكون شيئا مدركا بالحواس,فقد قال السيد المسيح لتوما لأنك رأيتني ياتوما آمنت طوبي للذين آمنوا ولم يروا(يو20:29).
وقال الرسول أيضا الإيمان بالخبر والخبر بكلمة الله(رو10:17) ومن ذلك وغيره كثير يتبين لنا أن الأمور الإيمانية قد تكون منظورة أو مسموعة كما رأينا.
ولكن يتبين لنا أن الإيمان لايخضع لشهادة الحواس علينا أن نعرف أن حلول الإيمان هو تصديق العقل بما نؤمن به والعقل يصدق بشيء متحركا إليه من ناحيتين.
-1- من الموضوع المعلوم بنفسه فنحن نسلم بوجود الشمس مثلا بمجرد مشاهدتنا إياها.
-2- من الموضوع المعلوم بغيره كما نسلم بوجود المرئيات من جماد وحيوان مثلا لا بمجرد وجودها فقط بل لوجود الضوء الذي بمصاحبته للنظر يمكننا أن ندرك كلا من المرئيات ونميز بين هذا وذاك.
فتوما الرسول رأي شيئا ولكنه آمن بشيء آخر فهو رأي الناسوت المتجسد ولمسه بيده ولكنه آمن بالله واعترف به بقوله ربي وإلهي.
وهكذا يمكننا القول بأن الأقوال التي نسمعها والعظائم التي نشاهدها إنما هي بمثابة نور باهر ندرك علي ضوئه الأمور المطلوب منا الإيمان بها كما قال السيد المسيح لتلاميذهفليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات(مت5:16).فمشاهدة الناس للأعمال الصالحة وإدراكهم إياها من شأنه أن يقودهم إلي الإيمان بالله وتمجيد اسمه القدوس.
ثالثا: الموضوع ومعلومتيه.كما يتعلق الإيمان بالأمور التي لاتدرك بالحواس هكذا يتعلق بالأمور التي لاتدرك بالعلم ومعني ذلك أن الأمور التي لايمكن للعلم أن يقدم الأدلة والبراهين علي ما هيتها ويثبت وجودها لاتندرج تحت الحقائق الإيمانية لأن الأمور المعلومة تتعلق بها المعرفة.فتصديقنا بالتثليث مثلا يعتبر إيمانا لأن العلم ليس في وسعة أن يقدم لنا أدلة علمية كافية لإيضاح هذه الحقيقة الإيمانية.والعلم علمان.علم برهاني وعلم إقناعي.فإذا كنا نري الكثيرين من أئمة الدين يقيمون الأدلة علي الأمور الإيمانية فما ذلك إلا من باب العلم الإقناعي الذي يقصد به توضيح أن ما يطلب الإيمان به ليس مستحيلا.أو أن هذه الحقائق مستخلصة من الكتاب المقدس ففي قضية وجود الله مثلا يجوز لواحد أن يعلم علما برهانيا أنه تعالي واحد.إما التثليث فمسألة يعجز عن إيضاحها العلم البرهاني ويتولي تبيانها العلم الإقناعي.
وعلي هذا الاعتبار يقال إن ما يعلم فهو مدرك بالحواس ومؤيد بالنظريات العلمية أما ما يؤمن به فهو علي النقيض من ذلك.
رابعا- الموضوع وكثرة عقائده
إن الإيمان بالله يؤدي بنا إلي الإيمان بكتابه المقدس الذي عندما نتأمله جيدا نري إنه عامر بالعدد العديد من الحقائق التي علينا أن نؤمن بها فكيف يتسني لنا أن نؤمن بعقائد هذا عددها.
ولإيضاح ذلك علينا أن نعرف بأن الأمور الإيمانية منها ما يتعلق به الإيمان لذاته ومنها ما ليس يتعلق به الإيمان لذاته بل لغيره
warsbut
04-02-2007, 05:28 PM
الإيمان بين الفلسفة واللاهوت
بقلم المتنيح القمص أيوب مسيحة
ولما كان الإيمان يتعلق أصالة بما نرجو أن نعانيه في الحياة الأخري كقول الرسول أما الإيمان فهو الثقة بما يرجي (عب11:1) فعلي ذلك كانت الأمور التي تسوقنا قصدا إلي الحياة الأبدية هي المقصودة بالذات من الإيمان كتثليث الأقانيم وقدرة الله الشاملة وسر تأنس المسيح ونحو ذلك.وباعتبار هذه تتعدد عقائد الإيمان.
وبعض الأمور تورد في الكتاب المقدس وندعي إلي اعتقادها لا علي أنها مقصودة بالذات بل علي أن المقصود بها بيان ما تقدم من الأمور المقصودة بالذات كحصول ابن لإبراهيم في شيخوخته وقيامة الميت حين لمسه عظام إليشع وشق البحر الأحمر وإشباع الخمسة آلاف ونحو ذلك مما يورده الكتاب المقدس لبيان عظمة الله وقدرته أو تأنس المسيح,وهذا لاينبغي تعدد العقائد باعتبارها.
خامسا الموضوع وازياد عقائده.والمراد بذلك أنه هل يمكن لهذه العقائد أن تكون قابلة للزيادة.
ويهمنا أن ننظر إلي هذه الزيادة من جهة تعاقب الأزمنة كما تبدو لنا من هاتين الملاحظتين:
-1- إن عقائد الإيمان لم يزدد عددها بحسب تعاقب الأزمنة لأن الإيمان هو الثقة بما يرجي والمرجوات هي هي في كل زمان فعقائد الإيمان هي هي في كل زمان.
-2- إن الزيادة تحصل بتعاقب الأزمنة في العلوم البشرية بسبب نقص في معارف الأوائل الذين وضعوا العلوم.وعلم الإيمان لم يوضع من الناس بل من الله كما قيل لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان وذلك ليس منكم هو عطية الله(أف2:1) ولما كان لايجوز علي الله نقص في العلم كانت معرفة العقائد الإيمانية فيما يظهر تامة منذ البدء ولم يزد عددها بحسب تعاقب الأزمنة.
وللوقوف علي الحقيقة يجب أن نعلم أن العقائد الإيمانية كلها تندرج ضمنا في بعض الأمور الإيمانية الأولي كوجود الله وعنايته بخلاص الناس كما قيل الذي يأتي إلي الله يؤمن بأنه موجود وأنه يجازي الذين يطلبونه عب11:6 فأن الوجود الإلهي يندرج فيه كل ما نعتقد أنه موجود في الله منذ الأزل مما تقوم به سعادتنا.
والإيمان بالعناية المقصودة من المجازاة يندرج فيه كل ما يوليه الله في الزمان الحاضر لخلاص الناس.وعلي هذا النحو تندرج بعض العقائد التابعة لذلك في بعض كاندراج تأنس المسيح وتألمه ضمنا في الإيمان بفداء الجنس البشري والفداء في العناية وهكذا إذا تقرر ذلك وجب أن يقال إن العقائد الإيمانية لم يحصل فيها بتعاقب الأزمنة زيادة باعتبار جوهرها لأن كل ما اعتقده المتأخرون كان مندرجا ولو ضمنا في إيمان الآباء المتقدمين ولكن ازداد عددها باعتبار إيضاحها لأن المتأخرين قد عرفوا صراحة بعض ما لم يعرفه المتقدمون إلا ضمنا وعليه قول الرب لموسي أنا ظهرت لإبراهيم وإسحق ويعقوب بإني الإله القادر علي كل شيء وأما باسمي يهوه فلم أعرف عندهم(خر6:3) وكما قال داود أكثر من الشيوخ فطنت (مز118:100)وأيضا قول الرسول الذي في أجيال أخر لم يعرف بنو البشر كما قد أعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائه أف3:5.
أما بخصوص المرجوات وعدم تغيرها في زمان فهي دائما هي هي عند الجميع,إلا أنه لما كان الناس لم يبلغوا إلي رجائها إلا بالمسيح كان بعدهم عن نيلها بقدر بعدهم في الزمان عن المسيح وعليه قال الرسول.في الإيمان مات هؤلاء أجمعون وهم لم ينالوا المواعيد بل من بعيد نظروها (عب11:3) وكلما كان شيء أبعد من الناظر إليه كان أقل جلاء لنظره ولهذا كانت الخيرات المرجوة أبين لبصائر الذين كانوا أدني لمجئ المسيح أما الزيادة التي تحصل بحسب بتعاقب الأزمنة من جهة العلوم وتقدمها فيجب أن نعرف بأن تقدم المعرفة يحدث علي نحوين:
-1- من جهة المعلم الذي يتعاقب الأزمنة تتقدم معرفته.وهذا هو وجه الزيادة في العلوم المستنبطة بالعقل البشري.
-2- من جهة المتعلم فأن المعلم الذي أحاط علما بصناعة ما لايعلم التلميذ إياها كلها دفعة واحدة منذ البدء لعدم طاقته ذلك بل إنما يعلمه تدريجيا مراعيا في ذلك قابليته.وعلي هذا النحو كان تقدم الناس بتعاقب الأزمنة في معرفة الإيمان وعلي ذلك شبه الرسول حالة العهد العتيق بالطفولية بقوله إذا قد كان الناموس مؤدبنا إلي المسيح لكي نتبرر بالإيمان ولكن بعد ما جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدب (غلا3:24).
warsbut
11-02-2007, 11:50 AM
الإيمان بين الفلسفة واللاهوت
بقلم المتنيح القمص : أيوب مسيحة
بعد أن عرفنا ذلك نريد أن نخطو الخطوة الأخيرة في ميدان موضوع الإيمان هذا ونسأل قائلين هل يمكن حصر هذه العقائد المتعددة في دائرة محدودة وهل يتيسر لنا نظمها في عقد واحد...وكيف يمكننا أن نجمع من تلك العقائد المتناثرة سلسلة واحدة محدودة الحلفات نسميها قانون الإيمان.
هذا ما نريد أن نتخذه مادة لموضوعنا الآن لنقف علي كثير من الحقائق الهامة التي تتصل بهذا القانون والتي يجب الإلمام بها ولا سيما وأن لهذا القانون منزلة ممتازة لدي كنيستنا المحبوبة وفضلا علي ذلك فإن تاريخه حافل بذكريات طيبة.بل وكفي أنه أثر من آثار حبر فاضل وورع همام هو القديس أثناسيوس البطريرك الإسكندري العشرين-وللوصول إلي الحقيقة المنشودة علينا أن نتدرج هذه الخطوات:
1-العقائد الإيمانية وجواز نظمها في قانون
2-العدد الذي جعل لهذا القانون وصحته
3-القانون والكتاب المقدس
4-القانون والكنيسة القبطية المقدسة
5-تاريخ هذا القانون
أولا-القانون ونظمه.يتبين لنا جواز هذا النظم من هاتين الملاحظتين
1-قال الرسول بولس.إن الذي يأتي إلي الله يؤمن بأنه موجود عب(11:6)ولا يمكن لأحد أن يؤمن ما لم يدع إلي الحق الذي يجب أن يؤمن به ولهذا كان من الضروري نظم قانون الإيمان في سلك واحد ليتسني دعوة الجميع إليه من أيسر وجه مخافة أن يضل فيه أحد بسبب جهله له.
2-ولما كان قانون الإيمان متفرقا في الكتاب المقدس وموردا فيه بأساليب مختلفة وربما ورد في بعض المواضع علي وجه غامض بحيث يقتضي استخراجه منه درسا طويلا ومزاولة شاقة وهذا لا يستطيع إليه سبيلا جميع الذين يجب أن يعرفوا ذلك القانون.وكثير منهم لانهماكهم في مشاغل أخري لا يستطيعون التفرغ لهذا الدرس فكان من الضروري أن يلخص من أحكام الكتاب المقدس شئ واضح يمكن أن يدعي إليه الجميع ليؤمنوا به وهذا هو-قانون الإيمان.
ثانيا-القانون وعدد عقائده-إن الأمور الإيمانية بالذات هي التي نتمتع بها في الحياة الأبدية ثم تلك التي بها نتوصل إلي هذه الحياة الأبدية.وهناك يتاح لنا معاينة أمرين.اللاهوت المحتجب الذي بمعاينته نصير سعداء.ثم سر تأنس المسيح الذي به يحصل لنا الدخول إلي مجد أبناء الله.وعلي ذلك قال الكتاب هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك يسوع المسيح الذي أرسلته يو17:1ولهذا كان أول ما تقسم إليه الأمور الإيمانية قسمان.أحدهما يتعلق بعظمة اللاهوت.والثاني يتعلق بسر تأنس المسيح الذي هو سر التقوي كما قيل عظيم هو سر التقوي الله ظهر في الجسد تبرر في الروح تراءي لملائكة كرز به بين الأمم أومن به.في العالم رفع في المجد 1تي3:16 أما عظمة اللاهوت فندعي إلي الإيمان بثلاثة أمور تتعلق بها.
1-وحدانية اللاهوت وهذا تتعلق به العقيدة الأولي القائلة نؤمن بإله واحد.
2-ثالوث الأقانيم وهذا تتعلق به ثلاث عقائد باعتبار الأقانيم الثلاثة
أ-الإله ضابط الكل إلخ
ب-يسوع المسيح ابن الله إلخ
ج-الروح القدس الرب المحيي إلخ
3-الأفعال الخاصة باللاهوت.وهذه تتعلق بها ثلاث عقائد.
أ-أفعال ترجع إلي وجود الطبيعة وقد وضعت لها عقيدة الخلق وهي ضابط الكل خالق السماء والأرض ما يري وما لا يري.
ب-أفعال ترجع إلي وجود النعمة.وقد وضعت لها عقيدة تتعلق بكل ما يرجع إلي تقديس الإنسان كالمعمودية وغفران الخطايا.
ج-أفعال ترجع إلي وجود المجد وقد وضعت لها عقيدة أخري تتعلق ببعث الجسد والحياة الأبدية وهي قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي.
أما ناسوت المسيح فتتعلق به العقائد الآتية.
1-تأنسه الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من الروح القدس.
2-ولادته من العذراء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء.
3-تألمه وموته ودفنه صلب عنا علي عهد بيلاطس البنطي وتألم وقبر.
4-قيامته وقام من الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب.
5-صعوده وصعد إلي السموات وجلس عن يمين أبيه.
6-مجيئه للقضاء وأيضا يأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات الذي ليس لملكه انقضاء
warsbut1
25-02-2007, 12:42 PM
الإيمان بين الفلسفة واللاهوت
بقلم المتنيح القمص أيوب مسيحة
ثالثاًالقانون والكتاب المقدس لما كان قانون الإيمان عبارة عن شرح موجز لأخص حقائق الإيمان المسيحى يهمنا أن نبين كيف أنه يتفق تماماً ونص الكتاب المقدس موضوع هذا الإيمان وها هو القانون بنصه مشاراً إلى المواضع المأخوذ منها نؤمن بإله واحدتثالآب ضابط الكل خالق السماء والأرض ما يرى وما لا يرىنحونؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل الدهورمزنور من نور إله حق من إله حق مولود غير مخلوقيومساو للآب فى الجوهريوالذى به كان كل شئيوالذى من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاص نفوسنارونزل من السماء وتجسد من الروح القدسمتومن مريم العذراء وتأنسلووصلب عنا على عهد بيلاطس البنطى وتألم وقبرمتوقام من الأموات فى اليوم الثالث كما فى الكتبمتوصعد إلى السموات وجلس عن يمين أبيهمروأيضا يأتى فى مجده ليدين الأحياء والأمواتمتالذى ليس لملكه انقضاءلوونؤمن بالروح القدس الرب المحيىأعالمنبثق من الآبيوالمسجود له مع الآب والابنيوالناطق فى الأنبياءبطوبكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسوليةمتونعترف بمعمودية واحدة لغفران الخطاياأفونترجى قيامة الأموات وحياة الدهر الآتى آمينيو رابعاًالقانون والكنيسة القبطية المقدسة قال القديس يوحنا فم الذهب فى حديثه عن هذا القانون إن درسه يؤتى المؤمنين الثبات والمتدرجين النصرة والمسافرين الغلبة والثابتين التعزية والفائزين إكليل الملكوتولهذه الأهمية قد فرض واضعوه تلاوته والترنم به فى خدمة القداس وكذا سائر الخدمات الطقسية المتعددة المعتمدة لدى الكنيسة المقدسة وإن يكن المجال لا يتسع لتعدادها ولكننا لا نتذكر أنه توجد صلاة خلو من هذا القانونوالكنيسة تفرض تلاوته على المؤمنين فى صلواتهم وعلى المتعمدين فى اعترافاتهم وذلك إقراراً بتمسكهم بعقيدتهم وأصول إيمانهم والغرض من تلاوته لتكون ألسنتنا ناطقة بإيماننا القويم المتمسكين به من أعماق القلوب على وفق قول النبى آمنت لذلك تكلمتمزوقول الرسول لكن ماذا يقول الكلمة قريبة منك فى فمك وفى قلبك أى كلمة الإيمان التى تكرز بها لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت لأن القلب يؤمن به للبر والفم يعترف به للخلاصرو خامساًتاريخ هذا القانون وضع هذا القانون آباء المجمع الأول المسكونى المنعقد فى نيقية سنةم بأمر الملك قسطنطين الكبير تحت رئاسة الأنبا ألكسندروس بابا الإسكندرية لمحاكمة أريوس القس الإسكندرى الذى قال إن الابن مخلوقولقد حضر أسقفاً من أساقفة الكنائس المسيحية فى المسكونةويبتدى ما قرروه منه من كلمة نؤمن بإله واحد إلى كلمة وليس لملكه انقضاءثم أتمه آباء المجمع الثانى المسكونى المنعقد فى القسطنطينية سنةم فى عهد تاودوسيوس الملك الكبير تحت رئاسة الأنبا تيموثاوس بابا الإسكندرية لمحاكمة مكدونيوس بطريرك القسطنطينية الذى أنكر لاهوت الروح القدس إذ إضاف إلى ما قرره المجمع الأول الجمل التى تبدأ بكلمة نعم نؤمن بالروح القدسإلخ وقد حضر هذا المجمعأسقفا ثم أثبته وحكم بحفظه آباء المجمع المسكونى المنعقد فى أفسس سنةم بإمر الملك تاودوسيوس الصغير تحت رئاسة الأنبا كيرلس الكبير بابا الإسكندرية لمحاكمة نسطور بطريرك القسطنطينية الذى قال إن للمسيح أقنومين فحرمه المجمع وكان عدد أعضائهأسقفثم وضع هذا المجمع مقدمة قانون الإيمان التى تبدأ بكلمة نعظمك يا أم النور الحقيقىإلخ هذا ما أمكننا أن نحدثك به الآن أيها القارئ العزيز عن الإيمان وقانونه نقدمه هدية حب وإخلاص من أب لإبنائه مصحوبة بأطيب الدعوات مقرونة بصالح الأمنيات ويا حبذا لويمد الله فى الأجل المبسوط لنواصل دراستنافإلى العدد القادم إذا أراد الرب وعشنا لنعرف شيئاً جديداً عن الإيمان
warsbut1
11-03-2007, 10:06 AM
الفضيلة بين الفلسفة واللاهوت -1-
بقلم المتنيح القمص أيوب مسيحة
انتهينا ولله الحمد في مقالاتنا السابقة من دراسة موضوع الخطية ونظن أننا قد استعرضنا الكثير من المواضيع الهامة التي تحوم حول الخطية والتي لها مساس بها ولقد وعدنا قراءنا الأعزاء بأن نستعرض موضوع الفضيلة حتي تكون الدراسة كاملة ومستوفاة.وها نحن برا بوعدنا نقدم الحلقة الأولي من هذه الدراسة الممتعة التي يهمنا أن نلقي في ذهن القارئ العزيز أننا سنبذل عناية مضاعفة في البحث والاستقصاء مما يتفق وأهمية الموضوع المبسوط حتي نستطيع أن نقدم بين أيدي القراء الكرام سلسلة ذهبية الحلقات.
الفضيلة هي الخلق الطيب.والخلق هو عادة الإرادة.فإذا اعتادت الإرادة شيئا طيبا سميت هذه الصفة فضيلة.والإنسان الفاضل هو ذو الخلق الطيب الذي اعتاد أن يعمل وفق ما تأمره به الأخلاق.
وقد تطلق الفضيلة علي العمل نفسه فيقالفضائل الأعمالوليس يعني بها كل عمل أخلاقي بل الأعمال العظيمة التي يستحق فاعلها الثناء الجزيل.فلا نسمي دفع ثمن ما اشتري فضيلة إنما نسمي الإتيان بالعمل الكبير مع تحمل المشاق في سبيله فضيلة.ويشهد لهذا المعني اشتقاق الكلمة نفسها فأنها ماخوذة من الفضل وهو الزيادة.فهي أذن كيفية ذهنية صالحة بها تستقيم السيرة ولذا فالفضيلة من حيث هي حال ملائمة للنفس تشبه الصحة والجمال اللذين هما حالان مطابقان لمقتضي البدن.
ولقد حدثنا بولس الرسول عن كثير من الفضائل التي علينا أن نهتم بها ونفتكر فيها إذ قال.وأخيرا أيها الأخوة كل ما هو حق كل ما هو جليل كل ما هو عادل كل ما هو طاهر كل ما هو مسر كل ما صيته حسن إن كانت فضيلة وأن كان مدح ففي هذا افتكروا(في4:8)وهذا بعينه ما أراد بطرس الرسول أن يوجه نظرنا إليه إذ تفضل ونظم لنا العقد الفريد الذي جمع طائفة قيمة من الفضائل السامية إذ قال.ولهذا عينه وأنتم باذلون كل اجتهاد قدموا في إيمانكم فضيلة وفي الفضيلة معرفة وفي المعرفة تعففا وفي التعفف صبرا وفي الصبر تقوي وفي التقوي مودة أخوية وفي المودة الأخوية محبة لأن هذه إذا كانت فيكم وكثرت تصيركم لا متكاسلين ولا غير مثمرين لمعرفة ربنا يسوع المسيح(2بط1:5).
تلك هي الفضائل التي نريد بنعمة الله وإرشاد روحه القدوس أن نعرضها علي بساط البحث والتنقيب وسنعني بدراسة كل ما يتعلق بها ويمت إليها بصلة ما من متعدد المعلومات ومتفرق المعارف.
-أقسام الفضيلة-
الفضيلة هي حال بها يحصل لصاحبها استعداد حسن للقيام بالواجبات التي هي لزام عليه.وهذا الاستعداد يكون
1-بالنسبة لنفس الإنسان وقوامها العقل.
2-بالقياس إلي غيره من الناس وقوامها الأخلاق.
3-بالنظر إلي الله تعالي وقوامها اللاهوت.
فالفضائل إذن تنقسم إلي أقسام ثلاثة رئيسية.فضائل عقلية وفضائل أخلاقية وفضائل لاهوتية.ولتنأمل جيدا في كل من هذه الفضائل.
أولا-الفضائل العقلية.وهي التي بها يستكمل العقل في ملاحظة الحق.والحق ينظر فيه علي نحوين.إما علي أنه بين بنفسه.وإما علي أنه بين بغيره-فما كان بينا بنفسه فهو بمنزلة المبدأ ويدركه العقل بالبداهة ولذلك فالفضيلة التي بها يستكمل العقل في ملاحظة هذا الحق يقال لها-التعقل-
وما كان من الحق بينا بغيره فلا يدركه العقل بالبداهة بل بالنظر وهو بمنزلة المنتهي وهذا يحتمل معنيين لأن ما كان مبهما علي العقل لأول وهلة قد يكون بينا ومعروفا للغاية بالقياس إلي:
-1-الطبيعة.والموكول إليه النظر في هذه هو-الفلسفة-التي تنظر إلي العلل العالية إذ تحكم في جميع الأشياء وترتبها علي ما ينبغي لأن الحكم الكامل لا يمكن حصوله إلا بالارتقاء إلي العلل الأولي.
-2-المعرفة البشرية.والموكول إليه النظر في هذه هو -العلم.
إذن فالفضائل العقلية هي ثلاثة.التعقل.والفلسفة.والعلم.
ثانيا:الفضائل الخلقية-وهي الحالة الحسنة التي بها تكمل أفعال الإنسان التي تربطه بإخوانه في الإنسانية وهي بمثابة الواسطة التي يتوصل الإنسان بها إلي الغاية التي تصبو إليها نفسه وهي السعادة الأبدية.والفضائل الخلقية وإن تكن كثيرة متعددة ولكن جميعها يرجع إلي هذه الأصول الأربعة التي هي بمثابة أمهات للفضائل الخلقية المتنوعة.
1-كل فضيلة تبعث علي حسن اعتبار العقل يقال لها فطنة.
2-كل فضيلة تبعث علي حسن اعتبار الواجب والمستقيم في الأفعال يقال لها عدالة.
3-كل فضيلة تقمع الانفعالات وتقهرها يقال لها عفة.
4-كل فضيلة تحمل علي ثبات الجأش في مقاومة كل انفعال يقال لها شجاعة.
وتعتبر هذه الفضائل أصولا لغيرها بالقياس إلي الفضائل الأخري فتقال فطنة للفضيلة الآمرة.وعدالة للفضيلة التي تتعلق بالأفعال الواجبة.وعفة للفضيلة التي تقهر الشهوات,وشجاعة للفضيلة التي تحمل علي الثبات في مواقف أخطار الموت.
إذن فالفضائل الخلقية هي أربعة الفطنة والعدالة والعفة والشجاعة.
ثالثا.الفضائل اللاهوتية.ويراد بها تلك الفضائل التي تسوقنا إلي الله تعالي الذي هو الغاية القصوي للإنسان-ولما كانت للإنسان سعادة لا يستطيع البلوغ إليها إلا بالقدرة الإلهية باعتبار مشاركته علي نحو ما في الألوهية علي حسب قول الرسول إننا صرنا بالمسيح شركاء الطبيعة الإلهية(2بط1:4).ولما كانت هذه السعادة مجاوزة لمقدرة الإنسان البشربة ولم تكن في مبادئ الإنسان الطبيعية التي هي مصدر أعماله الصالحة مقدرة كافية لسوقه إلي هذه السعادة فوجب والحالة هذه أن تفاض عليه بالقوة الإلهية بعض مبادئ ينساق بها إلي السعادة الفائقة الطبيعة.وهذه المبادي يقال لها-الفضائل اللاهوتية-
وهذا الانسياق إلي السعادة الفائقة قد يحدث علي نحوين:
-1-بالعقل.من حيث يشتمل علي المبادي الأولي المعلومة لنا بنور العقل الطبيعي.
-2-باستقامة الإرادة المائلة طبعا إلي خير العقل.
الآن كلا من العقل والإرادة منحط عن رتبة السعادة الفائقة الطبع كقول الوحي ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر علي بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه(1كو2:9)ولذلك وجب أن يفاض علي الإنسان من جهة كليهما بوجه فائق الطبيعة شئ يسوقه إلي الغاية الفائقة الطبيعة.
أ-أما أولا فيفاض علي الإنسان من جهة العقل بعض المبادي الفائقة الطبع التي تدرك بالنور الإلهي.وهي العقائد التي يتعلق بها الإيمان.
ب-وأما ثانيا فتفاض الإرادة التي تتوجه إلي تلك الغاية باعتبار حركة القصد المتجهة إلي تلك الغاية علي أنها شئ لا يؤمن به فقط بل ممكن إداركه وهذا يعود إلي الرجاء.
ج-والإنسان متي رجا لنفسه من آخر إدراك خير اعتبر من يعلق عليه هذا الرجاء خيرا له فينعطف إليه وهذا يعود إلي المحبة.
إذن فالفضائل اللاهوتية هي ثلاثة .الإيمان.والرجاء.والمحبة.
هذه هي الحلقة الأولي من موضوع الفضيلة نبعثها إلي قرائنا الأعزاء ونظن أننا أدركنا الكثير من المعاني المرادة بالفضيلة والتي يسرنا أن نواصل دراستنا عنها لنتبعها بغيرها ونتخطي إلي سواها.فوداعا وإلي العدد القادم إذا عشنا واراد الرب لنعرف شيئا آخر عن الفضيلة.
شفيع الطلبة
11-03-2007, 01:31 PM
http://nuclearwarinusa.com/news.html موضوع جميل يا خ ويرث بوت ربنا يباركك
الرب قريب
21-03-2007, 09:42 PM
جميل جدا يا ورسبوت ربنا يعوضك خير
warsbut1
29-03-2007, 09:03 PM
الفضيلة بين الفلسفة واللاهوت -2-
بقلم المتنيح القمص أيوب مسيحة
علتها وطرق اكتسابها
درسنا في مقالنا السابق عن الفضيلة معناها وأقسامها ونريد الآن أن نعرف شيئا عن علتها وطرق اكتسابها...ويراد بذلك معرفة ما إذا كانت الفضيلة حاصلة للإنسان بالطبع أو هي مفاضة عليه من الله تعالي.
وقبل أن نتعمق في دراستنا هذه علينا أن نعرف أنه يقال طبيعي لما يحصل عندنا منذ الولادة كالضحك والبكاء مثلا فهما من خصائص البشرية التي يشترك فيها الجميع علي السواء.والحاصل للإنسان بالطبع هو:
1-مشترك بين جميع الناس 2-لايزول بالخطية
والفضيلة لا تخضع لهذين المبدأين فهي ليست موجودة في جميع الناس كما أنها قد تزول بالخطية.وللوقوف علي الحقيقة الناصعة يتبين لنا أن الفضيلة قد تحصل لنا علي أنحاء ثلاثة.
أولا-الفضائل الحاصلة لنا بالطبع.
توجد فضائل حاصلة لنا بالطبع من حيث الاستعداد لا من حيث الكمال ولكي نعرف الفرق بين الاستعداد والكمال علينا أن نعرف ذلك في الإنسان الناطق إذ نري فيه استعدادا طبيعيا لتعلم القراءة والكتابة.أما كمال العلم فليس هو طبيعي فيه بل يتأتي بالتعليم والممارسة.هكذا الحال في شأن الفضيلة وفي الإنسان استعداد طبيعي للحلم والوداعة والصلاح هذا إذا وجد من يروض نفسه الجموحة وأخلاقه الخشنة ومعلوم أن ما يقال طبيعي للإنسان يعتبر علي نحومين:باعتبار الطبيعة النوعية وقوامها النفس الناطقة
باعتبار الطبيعة الشخصية وقوامها البدن المادي
والفضيلة علي كلا النحوين طبيعية للإنسان بنوع من الابتداء.
أما باعتبار النفس الناطقة فمن حيث أن في عقل الإنسان طبعا بعض مبادئ للمعلومات والمفعولات مدركة بالفطرة وهي بمنزلة جراثيم للفضائل العقلية والخلقية من حيث أن في الإرادة شوقا طبيعيا إلي الخير الموافق للعقل.
أما باعتبار البدن فمن حيث أن بعض الناس متأهبون باستعداد البدن تأهبا مناسبا البعض الفضائل من حيث أن في الإنسان أفعالا لأجزاء بدنه تساعد باستعدادها الطبيعي القوي الكامنة في نفسه أو تعوقها في أفعالها.وعلي هذا كان من الناس من له استعداد طبيعي للعلم ومنهم من له استعداد طبيعي للشجاعة أو العفة وهكذا.
وعلي هذه الأوجه كانت الفضائل العقلية والخلقية حاصلة لنا بالطبع باعتبار نوع من ابتدائها الاستعدادي لا باعتبار تمامها.وهكذا يتضح أن الفضائل حاصلة عندنا بالطبع باعتبار الاستعداد والابتداء لا باعتبار الكمال ما خلا الفضائل اللاهوتية فإنها بكليتها واردة من الخارج كما يتضح لنا مما يأتي.
ثانيا:الفضائل الحاصلة لنا بالفيض ويراد بها الفضائل التي لا يستطيع الإنسان بطبعه الحصول عليها ولكن الله تعالي يفيضها عليه وذلك لسببين
-1-أن بعض الفضائل وخصوصا اللاهوتية منها يحسن بها استعداد الإنسان للغاية الفائقة قوة الطبيعة الإنسانية وهي سعادة الإنسان القصوي والكاملة, ولذا كان من الضروري أن تكون الفضائل المهيئة لهذه الغاية أيضا فائقة قوة الطبيعة الإنسانية.فإذا لا يمكن أصلا أن تحصل هذه الفضائل للإنسان إلا بالفيض الإلهي.
إن الله يقدر أن يصدر معلولات العلل الثانية من دون العلل الأولي كما يحدث أحيانا الصحة دون علة طبيعية مع إمكان حصولها بقوة الطبيعة.كذلك إيذانا بقدرته يفيض أحيانا علي الإنسان تلك الفضائل التي يمكن حصولها بالقوة الطبيعية كما آتي الرسل علم الكتب المنزلة وجميع اللغات.الذي يستطيع الناس أن يكتسبوه بالدرس والممارسة ولو علي وجه أقل كمالا مما لو أفيض عليهم من الله.
ثالثا:الفضائل الحاصلة بتكرار الأفعال.ويراد بها الفضائل التي يمكن للإنسان الحصول عليها بتكرار الأفعال.ولما كان الإنسان بالفضائل يستكمل قوته إلي الخير وجب أن يعتبر خير الإنسان بحسب قاعدة ما.
وهناك قاعدتان1- العقل الإنساني 2-والشريعة الإلهية
ولما كانت الشريعة الإلهية قاعدة أعلي كانت أعم فكان كل ما يقاس بالعقل البشري يقاس أيضا بالشريعة الإلهية ولا يعكس.
فإذا فضيلة الإنسان المتجهة إلي الخير الذي يقدر بقاعدة العقل الإنساني يمكن حصولها بالأفعال الإنسانية من حيث أن هذه الأفعال تصدر عن العقل المندرج هذا الخير تحت سلطانه وقاعدته.
أما الفضيلة التي تسوق إلي الخير من حيث يقدر بالشريعة الإلهية لا بالعقل الإنساني فلا يمكن حصولها بالأفعال الإنسانية التي مبدؤها العقل بل إنما تحصل عندنا بالفعل الإلهي فقط
warsbut1
01-04-2007, 11:12 AM
الفضيلة بين الفلسفة واللاهوت (3)
بقلم المتنيح القمص أيوب مسيحة
نشر الكاتب في أعداد سابقة بحوثا قيمة في هذا الموضوع وها هو يعود في بحثه ليبين أفضل الطرق لاكتساب الفضائل ...
ما دامت الفضائل العقلية والخلقية يمكن اكتسابها بالأفعال الإنسانية نري أنه لزاما علينا أن نبين في شئ من الإيجاز الوسائل التي تعين علي غرس هذه الفضائل.معلوم أن الإنسان يمتاز عن بقية الكائنات الحية بميله الدائم إلي الصعود والرقي وبشغفه الذي لا يفتر ولا يكل إلي الرفعة والعلو ومحاولة اللحاق بالمثل بالأعلي وأن انفراد الإنسان بهذا الشغف يدل علي أن في داخل نفسه عنصرا ساميا حكم عليه مبدع الكون بالسجن وقتا ما في دائرة الجسم الضيقة ولكنه أباح له حرية التغلب علي هذا الكائن الحيواني فجعله يميل دائما إلي الرفعة التي لو انتهي إلي آخر حلقة من حلقاتها لالتحق بأصله وهو العالم الأعلي.
وهذا الميل الدائم إلي الصعود والرقي إنما هو تلبية الكائن الحي لما يحيط به من عوامل ومؤثرات.وهو ينقسم إلي قسمين:
-1-ميل فطري وهو مجموعة الأعمال والحركات التي تصدر من الكائن الحي بدون تدرب ولا تعلم.
-2-ميل اكتسابي...وهو مجموعة ما يتعوده الإنسان أو يتعلمه من بيئته.
وينقسم الميل الفطري إلي قسمين:
-1-غير إرادي وهو مجموعة الحركات والأعمال غير الإرادية كحركات القلب والرئتين والمعدة وعملية الهضم ودورة الدم.وهي ليست خاضعة للإرادة.
-2-إرادي وهو مجموعة الأعمال والحركات الخاضعة للإرادة.
والأساس المؤثر في المجموعة غير الإرادية لا تعنينا هنا الا من حيث التقسيم وإيضاح الأنواع لأنه من خصائص علم الطب والتشريح.
أما المجموعة التي تعنينا فهي الإرادية وأساسها المؤثر فيها هي الغرائز.
أما الميل الاكتسابي فهو مجموعة الأعمال والحركات التي يستفيدها الإنسان من البيئة التي تحوطه كما أسلفنا وهذه البيئة قد تكون المنزل أو المدرسة أو المصنع أو الحقل إلخ.
أما العامل المؤثر في هذا النوع من السلوك فهو.
1-العادة المكتسبة بطريقة التدرج والتكرار.
2-التأمل والتفكير والتعليم
قد اتضح لنا إذا أن المؤثر في كل سلوك الإنسان أو في مجموعة أعماله وحركاته الإرادية ينحصر فيما يأتي
1-الغرائز 2-العادات 3-التعليم
وهنا نري أنه من الضروري أن نعرف شيئا عن طبيعة كل من هذه العمد الثلاثة لنعرف كيف نقوم أعوجاجها ونهذب ما أخشوشن من أصولها.
أولا-الغرائز:
تعريفها:هي أساس سلوك فطري وهو يشمل تلك الأفعال التي تحدث لأول مرة من غيرة خبرة سابقة بها والتي ترمي إلي مصلحة الفرد والاحتفاظ بذاته أو نوعه وهي مشتركة بين أفراد الجنس جميعهم وقابلة للتغيير والتعديل بإرشاد الخبرة والتجارب.
وسائل تعديلها:أجمع علماء النفس علي أن الغرائز يمكن تعديلها وتربيتها.وقد ذكروا لهذا التعديل وسائل كثيرة من أهمها:
-1-تغيير البيئة الصالحة لنمو هذه الغريزة واستبدالها ببيئة تصطدم معها لكي تتعطل وتضعف شيئا فشيئا حتي تخبو جذوتها.
-2-استعمال غريزة ضد أخري لكبح جماح الأولي كمقاومة غريزة السيطرة علي الغير بغريزة الخضوع والاستسلام.
-3-الثواب والعقاب فإنهما وسيلتان من وسائل تعديل الغرائز وتربيتها.
-4-إعلا الغرائز وتوجيهها إلي سبل أسمي من سبلها الأولي.كاستعمال الخوف من المظاهر المادية إلي الخوف من جرح العاطفة والتعدي علي الكرامة.
-5-التثقيف وتنوير الذهن فإنهما من خير أنواع العلاج الذي يستعمل في كبح جماح الغرائز وتسييدها بطريقة معتدلة واستخدامها للوصول إلي غايات الخير والسعادة.
ثانيا-العادات:
تعريفها:هي انعطاف مكتسب بالخبرة والتعليم يدفع الإنسان إلي تكرير عمل معين أو انفعال خاص.وأثر العادة علي الإنسان قوي جدا لأن المرء لا يسمي عادلا إلا بتكرار مواقف العدالة ولا يعد شجاعا إلا بتمرين أعمال الشجاعة وليس الفضل في كل هذا إلا للعادة التي إذا ثبتت وقويت أصبحت طبيعة ثانية.
تغييرها:إذا كان العلماء قد أجمعوا علي إمكان تعديل الغرائز وهي فطرية خلقت مع ذات صاحبها فليس من المعقول أن يختلفوا في إمكان تغيير العادة وهي المحدثة المكتسبة من المران والتعليم وقد حددوا لذلك التغيير وسائل من أشهرها:
1-عدم السماح للذهن بالتفكير في العادة المراد تركها مطلقا.
2-شغل العقل بعادة أخري جديدة سواء كانت ضد الأولي أو من فصيلة أخري.
3-تغيير البيئة التي تتكرر فيها هذا العادة.
4-حمل صاحب العادة السيئة علي التصريح برداءة هذه العادة أمام أشخاص يهمه احترامهم واحتقارهم إياه لكي لا يستطيع العودة إليها بعد هذا الإحراج.
ثالثا-التعليم:
وإذا أردنا أن نتحدث عن العلوم فإنما نعني العلوم الأخلاقية التي تتصل مباشرة بحياة الإنسان ولها تأثيرها علي سيره وسلوكه وهذه العلوم هي الأخلاق.والنفس.والتربية.والاجتماع.والسياس ة.ولا بأس من أن نتقدم لكل من هذه العلوم بكلمة ممهدة للأهمية:
1-علم الأخلاق:هو علم يوضح معني الخير والشر ويبين ما ينبغي أن تكون عليه معاملة الناس بعضهم بعضا ويشرح الغاية التي يقصدها الناس في أعمالهم وينير السبيل لعمل ما ينبغي.وهو ينقسم إلي قمسين:
أ-الأخلاق النظرية.وهو الذي يشتغل بالواجب في معناه العام وبمظاهر الحياة الأخلاقية العامة ويرسم أهم سلوك الجمعيات البشرية ويبحث عن بواعث أعمال بني الإنسان وغاياتهم من الحياة ويحدد موضوع الفضيلة في ذاتها ويبين المنهاج الخاص لدراستها ويناقش مسائل الالتزامات والمسئوليات والعقاب والجزاء الأدبية.
ب-الأخلاق العملية:وهو يدرس الواجبات المتباينة في مراتبها الطبيعية كواجب الإنسان نحو ربه ونحو نفسه وأسرته ووطنه والإنسانية جمعاء.
2-علم النفس:هو علم يبحث في جميع ظواهر سلوك الإنسان وخواطره النفسانية وغايته استبطان داخل النفس الإنسانية للتمكن من إصلاحها وتربيتها وهو يدرس الحياة البشرية في ثلاثة حدود.
أ-الحياة الشعورية.التي تتكون من السرور والألم والإحساس والانفعال والميل والهوي.
ب-الحياة العقلية:التي تتألف من الإدراك والذاكرة والخيال والتعقل والحكم.
ج-الحياة العملية:التي تتكون من نتائج الغرائز والعادات والإرادة.
3-علم التربية:هو العلم الذي يعرض علينا الآراء والأفكار والأعمال الخاصة بتربية النش وتقويمه.وهو يعمل علي إنماء جميع القوي الكامنة في الإنسان جسيمة وعقلية وخلقية للعمل علي تكوين رجال قادرين علي الاشتراك في أنبل الأعمال في الحياه الاجتماعية.
ولما كانت تتنازع الإنسان عوامل ثلاثة فهو ابن الطبيعة وابن الإنسان وابن الله لذلك يجب أن يكون الغرض من تربيته تمكين الروابط بكل من هذه العوامل الثلاثة ومعاونته علي إدراك هذه الروابط حق الإدراك.
4-علم الاجتماع:وهو علم يشتغل بدراسة خصائص وظواهر جمعيات الكائنات الحية ولا سيما الجمعيات البشرية منها ويبحث عن علاقة الفرد بالجماعة وتأثيرها فيه وغايته هي إسعاد الجماعات الإنسانية.وهو يدرس الحوادث التاريخية دراسة خاصة ويحللها تحليلا دقيقا ليستنتج منها القوانين الاجتماعية العامة.
5-علم السياسة:هو علم اجتماعي علمي ذو قواعد يشتغل بدراسة أنظمة الحكومات والدول بأوسع ما في هذه الكلمة من معان وغايته هي الوصول إلي أكمل تكوين للحكومات في نواحيها الثلاث.التشريعية والقضائية والتنفيذية.
إلي هنا نقف قليلا بعد هذه الدراسة الطويلة وما ذلك إلا لنستعيد من النشاط ما يتطلبه الموضوع المبسوط.فوداعا أيها القاري العزيز وإلي اللقاء في العدد القادم إذا عشنا وأراد الرب.
warsbut1
15-04-2007, 09:13 AM
الخطيئة بين الفلاسفة واللاهوت-1-
بقلم المتنيح القمص أيوب مسيحة
المقدمة:ما هي الخطية ,وكم أقسامها,وما أنواعها,وماذا تعرف عن علتها .وهل تدري شيئا عن معلولها؟كل هذه وغيرها أسئلة طالما تاقت النفس للبحث عنها والإجابة عليها إلا أن النفس لتأبي إلا التعمق في درس هذا الموضوع القيم ولاترضي إلا التغلغل في ميادين البحث والتنقيب حتي تقف علي الحقيقة ناصعة جلية يرتاح لها المنطق السليم والعقل الناضج والآن ونحن نعالج موضوعنا هذا يسرنا أن نحيط القاريء العزيز علما أننا لم نسمح للقلم بأن يخط كلمة واحدة إلا بعد دراسات عميقة وجولات موفقة في كثير من أشهر الكتب وقيم الأسفار.
إذا كلمتنا هذه ليست من بنات الأفكار التي يمليها الخيال بل هي عصارة كثير من عقول الآباء الكرام والفلاسفة العظام اهتدينا إليها ونحن نجوس خلال مؤلفاتهم الثمينة وآثارهم الجليلة ,وإنها في الحقيقة لحكمة عظيمة الشأن يقف عندها فطاحل الرجال.وإليها تشد الرحال شعرنا بإزائها أنه من الغبن الفاحش والظلم المبين أن تظل تلكم الجواهر الغوالي دفينة بين هذا الغلاف البالي والآن أيها القاريء العزيز إليك يهدي هذا الموضوع المهم وكفي تمهيدا له إنه خلاصة طائفة من الكتب الثمينة التي قد يتعذر عليك العثور علي أحدها بل هو خلاصة دراسات شاقة وأبحاث عويصة لاقبل لك بممارستها.
ها هو بين يديك كالعقد المنضود يهدي للعروس الحسناء وهي لاتدري شيئا عن الأهوال الجسام التي عاناها الغواصون في سبيل الحصول علي لآلئه الثمينة والمجهود المضني الذي كابده من هذبه وصقله حتي أصبح العقد الفريد للعنق والجيد.
تعريف الخطية هي فعل أو قول أو اشتهاء يصنع أو يترك مخالفا لشريعة الله الخالق العظيم سواء في ذلك شريعته الطبيعية أو تلك التي يضمها كتابه المقدس.
أقسامها للخطيئة أقسام أربعة تضمها هذه الحيثيات
1- من حيث الجسد والروح وتحتوي علي قسمين .جسدية وروحية
2- من حيث المعتدي عليه وتحتوي علي ثلاثة أقسام
أ-خطية إلي الله تعالي ب-خطية إلي فاعلها ج- خطية إلي القريب
3- من حيث الفعل والقول وتحتوي علي ثلاثة أقسام
أ- خطية فكرية ب- خطية قولية ج- خطية فعلية.
4- من حيث الفعل والترك وتحتوي علي قسمين 1- خطية فعلية ب- خطية إهمالية تلك هي الخطية وأقسامها المتعددة والآن علينا أن نوضح كل من هذه الحيثيات المتنوعة بما يكفي لفهم كل ملاحظة وإدراكها.
أولا- من حيث الجسد والروح
ومعلوم أن كل خطية قائمة باشتهاء خير ما الذي إذا أدركه صاحبه يلتذ به فرحا وهذه اللذة تقسم إلي قسمين
1- لذة روحانية وهي التي تنقضي في مجرد تصورشيء يحصل علي حسب المبتغي كما إذا التذملتذ يمدح الناس وإطرائهم إياه.وهذا ماعناه الحكيم الإسرائيلي عندما قال: الفرحين بفعل السوء المبتهجين بأكاذيب الشر أم2:.14
2- لذة جسمانية وهي التي تتم في اللمس الجسماني كالشره الذي يتم في لذة المآكل والفجور الذي يتم في لذة الجماع وعليه قال الرسول كل خطية يفعلها الإنسان هي خارجة عن الجسد لكن الذي يزني يخطي إلي جسده 1كو6:.8
ثانيا: من حيث المعتدي عليه
ومعلوم أن الخطية فعل غير مرتب.والترتيب يجب أن يكون في الإنسان علي ثلاثة أنواع
1- الأول بالقياس إلي نظام العقل بالنسبة لأنفسنا فقط.ومن يخطأ في هذه يقال إنه يخطيءإلي نفسه كما يظهر في الشره والمبذر.
2- والثاني بالقياس إلي نظام الشريعة الإلهية التي يجب علي الإنسان أن يسلك بموجبها في كل أمر.وهي فوق العقل الإنساني كالأمور التي ترجع إلي الإيمان والتي تجب لله وحده.فمن يخطأ في هذه الأمور يقال إنه يخطيء إلي الله كالمبتدع ومنتهك الأقداس والمجدف
3- والثالث لما كان الإنسان حيوانا سياسيا ومدنيا بالطبع وجب أن يكون فيه ترتيب ثالث يتعلق بما يجب عليه لغيره من الناس الذين يجب أن يعيش معهم.ومن يخطأ في هذه الأمور يقال إنه يخطيء إلي القريب كما يظهر في السارق والقاتل.
ثالثا:من حيث الفكر والقول
للخطيئة الفعلية حقيقة الخطيئة الكاملة ولكنها تبتدي
1- بأن تتأسس في الفكر ولذا نادت الشريعة الموسوية قائلة لا تشته امرأة قريبك ولا بيته إلخ كما قال السيد المسيح له المجد من نظر إلي امرأة كي يشتهيها فقد زني بها في قلبه
2- تحصل لها الدرجة الثانية في العمل الذي به تيسير للإنسان أن يكشف عما يخالج نفسه من التصورات ولذلك قال الكتاب بصريح العبارة لاتدع فمك يجعل جسدك يخطيء جا5:6
3- والدرجة الثالثة في انقضاء الفعل.ولذا قالت الشريعة لاتقتل لاتسرق لاتزني إلا أنه من الواضح أن الخطية ترجع إلي نوع واحد لصدورها عن محرك واحد فإن الغضبان لاشتهائه الانتقام يضطرب أولا في فكره ثم يخرج إلي الاغلاظ في القول ثم يتخطي إلي الفعل المهين
رابعا:من حيث الفعل والترك
تحتوي الشريعة الإلهية علي وصايا مختلفة في الإيجاب أو السلب ليصل الناس إلي الفضيلة تدريجيا إذ يبتعدون عن الشر أولا ثم يفعلون الخير ثانيا وقد تتضح ذلك من ملاحظتين
1- باجتناب الشر الذي نمتع عنه بالوصايا السلبية كما قيل لاتنطق باسم الرب إلهك باطلا...لاتقتل لاتزن لاتسرق لاتشهد علي قريبك شهادة زور ولاتشته بيت قريبك والذي يخطيء في هذه يقال إنه يخطيء سلبيا.
2- ثم يفعل الخير الذي نمارسه بناء علي الوصايا الإيجابية كما قيل اذكر يوم السبت لتقدسه أكرم أباك وأمك إلخ والذي يخطيء في هذه يقال إنه يخطيء إيجابيا.
أما وقد عرفنا ذلك فمن الطبيعي أن يبدو لنا سؤال مهم يتجلي أمامنا بإزاء تلك الأقسام المتعددة والحيثيات المتنوعة.هذا السؤال هو:هل يمكن أن تكون الخطية مع ماتحويه من هذه الأقسام متساويةإذا فليكن بحثنا تحت هذا العنوان
الخطيئة وهل كلها متساوية
ظن البعض أن الخطية هي عدم الصلاح.والعدم لايقبل الأكثر والأقل وبناء علي ذلك جعلوا جميع الخطايا متساوية وعليه قام البعض يقولون أيضا بتساوي جميع عقوبات جهنم إلا أن من أمعن النظر وجد أن للعدم جنسين.
الأول:عدم مطلق .ويقوم بتمام الفساد كما أن الموت هو عدم الحياة والظلمة هي عدم النور وهذا العدم لايقبل الأكثر والأقل لعدم بقاء شيء مما يقابلة فمن مضي علي موته يوم أو ثلاثة أيام فلبس بأقل موتا ممن مضي علي موته سنة وصار رميما.وكذا إذا حجب نور السراج بحجب كثيرة لم يكن أشد ظلمة مما لو حجب النور عنه بحجاب واحد.
الثاني:عدم غير مطلق.أعني يبقي معه شيء من مقابلة وهذا العدم قائم بحال الفساد لا بانقضائه كالمرض الذي يزول به ما ينبغي من اعتدال الإخلاط لكن بحيث يبقي شيء منه وإلا فقد الإنسان الحياة وقس علي المرض قبح المنظر وما شاكله.وهذا العدم يقبل الأكثر والأقل فكذا الحال في الرذائل والخطايا فإنه علي قدر ما يكون العقل معتدلا فينعدم الخطأ ولذلك فالخروج الأكثر والأقل عن استقامة العقل يؤثر كثيرا في جانب ثقل الخطية وعليه ينبغي القول بإن ليست كلها متساوية.
وإذا اتضح لنا ذلك علمنا بداهة بتفاوت العقاب أخيرا.
وفضلا عما في هذه النظرية من الدليل المحسوس نذكر هنا ما قاله السيد المسيح بهذا الخصوص.قال له المجد في سياق حديثه مع تلاميذه الأطهار الخاص بإرساليته إياهم ليكرزوا باسمه ومن لايقبلكم ولايسمع كلامك فاخرجوا خارجا من ذلك البيت أو من تلك المدينة وانفضوا غبار أرجلكم الحق أقول لكم ستكون لأرض سدوم وعمورة يوم الدين حالة أكثر احتمالا مما لتلك المدينة مت10:15 ليس ذلك فقط بل إن نسينا لاننسي كلمته التي قالها لبيلاطس وهي لذلك الذي اسلمني إليك له خطيئة أعظم يو19:11
الرب قريب
18-04-2007, 04:55 PM
موضوع جميل اخي ربنا يعوضك خير
warsbut1
22-04-2007, 09:33 AM
الخطيئة بين الفلسفة واللاهوت 2
بقلم المتنيح القمص أيوب مسيحة
أما وقد عرفنا أن الخطايا تتفاوت بعضها علي بعض فواجب علينا أن نعرف بإيضاح كيف يأتي هذا التفاوت.. ولماذا تعتبر خطيئة أثقل من أخري.؟ وللفائدة نتمشي في موضوعنا ملتفتين إلي هذه الحيثيات.
أولا: ثقل الخطية من حيث علتها:
وللخطيئة عللها وهي علي ضربين:
1- علة خاصة للخطيئة وهي إرادة الخطأ ونسبتها إلي فعل الخطية كنسبة الشجرة إلي الثمرة لأنها علتها. وهذا ما عناه السيد عند قوله لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع أثمارا رديئة مت 7:18 وهذه العلة كلما كانت أعظم كانت الخطيئة أثقل لأنه كلما قويت إرادة الإنسان علي الخطأ كانت خطيئته أعظم جرما.
وهذا ما عنته الشريعة الإلهية عندما قالت: من ضرب إنسانا فمات يقتل قتلا ولكن الذي لم يتعمد بل أوقع الله في يده فأنا أجعل لك مكانا يهرب إليه وإذا بغي إنسان علي صاحبه ليقتله بغدر فمن عند مذبحي تأخذه للموت خر 21:12.
2- علة خارجية وبعيدة وهي التي تميل بالإرادة إلي الخطأ خارجا عن طبيعتها ونظامها لأن الإرادة من شأنها أن تتحرك اختيارا من تلقاء نفسها بحسب حكم العقل. وعلي هذا فالعلل التي تضعف حكم العقل كالجهل أو تضعف اختيار الإرادة كالمرض أو الخوف كل هذا ونحوه له شأن يذكر في ثقل الخطية وعدمه ولذا قال الرسول ولكنني رحمت لأني فعلت بجهل في عدم إيمان 1تي1:13
ثانيا: ثقلها من حيث ظرفها
والخطية تحصل نتيجة نقصان ظرف من الظروف إذ إنما يخالف مخالف نظام العقل من حيث لا يراعي في فعله ما يجب رعايته من الظروف. فواضح إذن أن من شأن الخطية أن تثقل بظرفها. والظروف منها.
1- ظروف داخلية. خاصة بنفس الإنسان الخاطي كمركزه بين جماعته أو حالته العلمية أو الدينية. فظرف المتعلم يختلف عن ظرف الجاهل. وهكذا فرق بين الرئيس والمرؤوس. وكل هذه الظروف لها تأثير في ثقل الخطية ولذا قال السيد المسيح في مثل العبد الأمين وأما ذلك العبد الذي يعلم إرادة سيده ولا يستعد ولا يفعل بحسب إرادته فيضرب كثيرا. ولكن الذي لا يعلم ويفعل ما يستحق ضربات يضرب قليلا وكل من أعطي كثيرا يطلب منه كثيرا ومن يودعونه كثيرا يطالبونه بأكثر لو 12:47 وقال أيضا للفريسيين في سياق حديثه معهم لو كنتم عميانا لما كانت لكم خطية ولكن الآن تقولون إننا نبصر فخطيئتكم باقية يو 9:41.
2- ظروف خارجية. وهي التي قد تتعلق بحادثة ما لها صلة بالإنسان الخاطئ. مثال ذلك ما جاء في الشريعة الإلهية عند قوله إذا وجد رجل فتاة عذراء غير مخطوبة فأمسكها واضطجع معها فوجدا يعطي الرجل الذي اضطجع معها لأبي الفتاة خمسين من الفضة وتكون هي له زوجة من أجل أنه قد أذلها تث 22:27.
ولكن إذا أضيف لحادثة كهذه ظرف آخر بأن كانت الفتاة هذه زوجة لرجل ما صارت الخطية إلي نوع آخر كما جاء في نفس الشريعة لمذكورة قائلا إذا وجد رجلا مضطجعا مع امرأة زوجة بعل يقتل الاثنان الرجل المضطجع مع المرأة والمرأة تث: 22:22.
ثالثا: ثقلها من حيث ضررها
ونسبة الضرر الناشئ عن الخطية قد يكون علي نحوين:
1- قد يكون الضرر الناشئ عن الخطية ملحوظا قبل وقوعه ومقصودا كمن يقتل آخر قاصد الأضرار به كمال قال الكتاب عن القاتل المتعمد إن دفعه ببغضة أو ألقي عليه شئ بتعمد فمات أو ضربه بيد بعداوة فمات يقتل الضارب لأنه قاتل عد 35:20 فإن مقدار الضرر حينئذ يزيد في ثقل الخطية لأن الضرر آنذاك هو موضوع الخطية المقصود بالذات.
2- قد يكون الضرر غير مقصود قبل وقوعه ولهذا رأي الله تعالي أن يسن له شريعة خاصة تتناسب مع قصد صاحبه فقال ولكني إن دفعه بغتة بلا عداوة أو ألقي عليه أداة ما بلا تعمد أو حجرا فما يقتل به بلا رؤية أسقطه عليه فمات وهو ليس عدوا له ولا طالبا أذيته تقضي الجماعة بين القاتل وبين ولي الدم حسب هذه الأحكام وتنفذ الجماعة القاتل من يد ولي الدم وترده الجماعة إلي مدينة ملجأه التي هرب إليها عد 35:22.
رابعا: ثقلها من حيث الشخص الذي يجرم إليه
إن الشخص الذي يجرم إليه هو علي نحو ما موضوع الخطية وكل ما كان الموضوع غاية أصيلة كان ثقل الخطية أعظم. والغابات الأصيلة للأفعال الإنسانية هي الله والأفعال الإنسانية والإنسان الفاعلو القريب. لأن كل ما نفعله فإنما نفعله لأجل واحد من هذه الثلاثة فثقل الخطية إذن يجوز أن يعتبر من جهة الثلاثة أكثر أو أقل بحسب حال الشخص الذي تقع الخطية في حقه.
1- أما من جهة الله. فمن الجهة الأولي قال السيد المسيح الحق أقول لكم إن جميع الخطايا تغفر لبني البشر والتجاديف التي يجدفونها ولكن من جدف علي الروح القدس فليس له مغفرة إلي الأبد بل هو مستوجب دينونة أبدية مر 3:28 ومن الجهة الثانية كلما كان الإنسان أعظم فضيلة أو انقطاعا إلي خدمة الله كان أعظم اتصالا به ولذلك بما يلحق مثل هذا الشخص من الإهانة فانه يلحق بالله. وهذا ما قصد تبيانه النبي القائل هدموا مذابحك وقتلوا أنبياءك بالسيف 1مل 19:14 ولقد قال الله تعالي علي لسان نبيه زكريا قاصدا قديسيه من يمسكم يمس حدقة عينه 2:8 فالخطيئة إذن تصبر أثقل متي وقعت في حق الله أو في حق شخص أكثر اتصالا به إما باعتبار فضيلته أو وظيفته.
2- أما من جهة الإنسان الفاعل فخطيته إلي نفسه هي أثقل بكثير مما لو كانت موجهة إلي غيره. وهذا يتضح لنا مما نعلمه عن قيمة النفس الثمينة التي قيل إنها ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه مت 16:26.
3- وأما من جهة القريب فالخطيئة التي تفعل في حق شخص عظيم كالملك أو الرئيس أثقل من التي تقترف في حق شخص عادي ولذلك ورد بوجه الخصوص قول الكتاب رئيس شعبك لا تلعنه خر 22:28 وفي مكان آخر يستنكر النبي الخطايا الصادرة ضد الأقربين بقوله الابن يستهين بأبيه والابنة تقوم علي أمها حج 7:6 وهذا مما دعي أحد أصحاب أيوب يخاطبه مستنكرا بقوله أيقال للملك بالئيم وللندباء يا أشرار أي 24:8.
خامسا: ثقلها من حيث عظم الشخص الخاطيء
وواجب العلم أن نعرف أن الخطيئة خطيئتان. إحداهما تحصل عن غفلة بسبب ضعف الطبيعة الإنسانية. وقد لا يتهيأ للضعف الإنساني اجتنابها بالمرة. ولذا قال داود النبي السهوات من يشعر بها من الخطايا المستترة أبرئني يا الله مز 19:12 والأخري تحصل علي روية. وهذه كل ما كان الإنسان أعظم كانت تبعتها عليه أشد ولإيضاح ذلك نذكر مثلا من الكتاب المقدس يوضح لنا هذه النظرية.
جاء في الشريعة الموسوية أن الكاهن إذا أخطأ يقرب عن خطيئته التي أخطأ ثورا ابن بقر صحيحا للرب ذبيحة خطيئته لا 4:3 ولكن إن كان الخاطيء رئيسا في الشعب يأتي بقربانه تيسا من المعز ذكرا صحيحا لا 4:23 أما إذا أخطأ أحد من عامة الشعب فيأتي بقربانه عنزا من المعز أنثي صحيحة لا 4:27.
وليس ذلك فقط بل خذ مثالا آخر. جاء في هذه الشريعة بعينها قوله إذا اضطجع رجل مع امرأة اضطجاع زرع وهي أمة - عبدة - مخطوبة لرجل ولم تفد فداء ولا أعطيت حريتها فليكن تأديب لا يقتلا لأنها لم تعتق لا 19:20 ولكن بعد تلك يقول في موضع آخر إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل في المدينة واضطجع معها فأخرجوهما كليمها إلي باب المدينة وارجموهما بالحجارة حتي يموت تث 22:23 وأخيرا يقول في مكان ثالث إذا تدنست ابنة كاهن بالزني فقد دنست أباها بالنار تحرق لا 21:9 تلك أمثلة نظن أنها علي جانب عظيم من الوضوح وقد لا تحتاج إلي تعليق ما فقط نقول إنه يمكن تعليل تبعة الخطية من أربعة أوجه.
1- إن الذين يمتازون عن سواهم في العلم والفضيلة يسهل عليهم أكثر مقاومة الخطية وعليه قال السيد لو لم أكن قد جئت وكلمتهم لم تكن لهم خطية وأما الآن فليس لهم عذر في خطيتهم يو 15:22.
2- إن كل خير يعظم به الإنسان كالعلم والفضيلة إنما هو عطية من عند الله. فإذا أخطأ إنسان صار كفورا بنعمته تعالي. وبهذا الاعتبار كل مزية حتي في الخيرات الزمنية تزيد الخطية ثقلا وهذا ما أدركه الشيطان عندما قدم شكواه لله ضد أيوب البار قائلا هل مجانا يتقي أيوب الله أليس أنك سيجت حوله وحول بيته وحول كل ما له من كل ناحية باركت أعمال يديه فانتشرت مواشيه في الأرض ولكن أبسط يديك الآن ومس كل ما له فأنه يجدف عليك أي 1:9.
3- لمنافاة فعل الخطية علي وجه الخصوص لعظم الشخص كما لو جار الحاكم الذي أسندت إليه رعاية العدل وكما لو أخطأ الراعي الذي اسندت إليه رعاية الشعب وهكذا. ولذا قال الرسول فأنت الذي تعلم غيرك الست تعلم نفسك الذي تكرز أن لا يسرق أتسرق الذي تقول أن لا يزني أتزني رو 2:21.
4- لما يترتب علي الخطيئة من العثرة لأنه متي كان الخاطئ مكرما بسبب حرمة مقامه كان ذنبه أدعي إلي الاقتداء به وعلم الرسول بما للقدوة ومن التأثير كتب لتمليذي تيموثاوس قائلا لا يستهين أحد بحداثتك بل كن قدوة للمؤمنين في الكلام في التصرف في المحبة في الإيمان في الطهارة 1تي 4:12.
إلي هنا يجب أن نقف قليلا بعد أن عرفنا ما الخطية ووقفنا علي أقسامها المتنوعة ودرجاتها المتعددة. وإننا بإزاء ذلك ليحق لنا أن نسأل مستفهمين: هل يمكن أن يكون لخطيئة هذا عظم مقدارها علة تنشأ عنها وما هي؟؟.
إذا فليكن هذا الموضوع مدار بحثنا في العدد القادم إذا عشنا وأراد الرب
warsbut
22-04-2007, 01:18 PM
ميرسى على مشاركتكم
ربنا يبارك فى خدمتكم
warsbut
29-04-2007, 11:05 AM
الخطيةبين الفلسفة واللاهوت 3
بقلم المتنيح القمص أيوب مسيحة
وقفنا بك أيها القاري في مقالنا السابق حيث وعدناك أننا سنحدثك عن-علة الخطيئة-وها نحن برا بوعدنا نقدم لك هذا البحث الطريف وهو الحلقة الثانية من هذا الموضوع الهام الذي بمشيئة الرب سنوالي إصداره في حلقات عدة حتي تكمل هذه السلسلة الذهبية وها نحن جادون في مسايرة هذا الموضوع مهما تشعبت أبحاثه وتفرقت أفنانه حتي نأتي إلي غيره ونتخطي إلي سواه...فهل لك أيها القارئ العزيز أن تذكرنا في صلواتك حتي يتولانا الله بعنايته ويشملنا بإرشاده فيحفظ عبده من السآمة والملل.ويعصم قلمه من الخطأ والزلل.
علة الخطية:مادامت الخطية فعلا وجب أن يكون لها علة لأن لكل معلول علة وهذا ما أدركه أحد أصحاب أيوب فقال عبارته المشهورة وهي أن البلية لا تخرج من التراب والشقاوة لا تنبت من الأرض أيوب5:6ومعني هذا القول أنه لابد للبلية من علة وللشقاوة من سبب مادام التراب لا يخرج البلايا والأرض لا تنبت الشقاء.إذا لابد للخطيئة من علة.
وللإيضاح نقول إنه من الأمور المشاهدة أن الإنسان قد يجوع أحيانا فيطلب الطعام ثم في حالة أخري قد يقع نظره علي طعام غريب لم يره من قبل فتميل إليه نفسه ويلتمسه لها طعاما.وأخيرا قد يأكل طعاما غير عادي فيضطره ذلك لأن يتناول علي أثره شيئا من الفاكهة أو قليلا من الحلوي.
تلك حالات ثلاث يمكننا أن نطبقها علي موضوعنا لكي ندرك ما يزيدنا إيضاحا عن علل الخطيئة.ففي الحالة الأولي كان الجوع علة لطلب الطعام وهذه علة داخلية-لأنها مستكنة في نفس الإنسان.وفي الحالة الثانية كانت رؤية الطعام الغريب علة لالتماسه وطلبه وهذه علة خارجية لأن رؤية هذا الطعام أثار في النفس الشهوة للأكل منه.أما في الحالة الأخيرة فأننا نجد أن طعاما كان علة لطعام آخر.وهذه علة ذاتية أي ذات الطعام علة لغيره.
فعلي هذا المثال نقول إن للخطيئة عللا ثلاثا.
أولا:علة داخلية ثانيا:علة خارجية ثالثا:علة ذاتية
أما وقد عرفنا ذلك فلنقل كلمة عن هذا العلل الثلاث مراعين في ذلك ما يتطلبه الموضوع من شرح.
العلة الداخلية
إذا قال لك إنسان إن الإحسان خير والسرقة شر فاعلم أن هذا حكم العقل السليم.وإذا رأيته يفعل الإحسان ويتجنب السرقة فاعلم أن هذا حكم الإرادة الصالحة أما إذا رأيته يرتكب السرقة وما ماثلها فاعلم أن هذا حكم الشوق المختل الذي قال في صدده بولس الرسوللأني لست أفعل الصالح الذي أريده بل الشر الذي لست أريده فإياه أفعل فإن كنت ما لست أريده إياه أفعل فلست بعد أنا بل الخطية الساكنة في رو7:19
إذا أمامنا الآن عقل وإرادة وشوق
فالعقل قد يكون علة للخطيئة إذا استحوذ عليه الجهل
والإرادة قد تكون علة للخطيئة إذا استحوذ عليها سوء القصد
والشوق قد يكون علة للخطيئة إذا استحوذ عليه الانفعال
والآن فلنطرح كلا من الجهل وسوء القصد والانفعال علي بساط البحث والتنقيب لنقف علي الحقيقة التي ننشدها ونروم الوصول إليها.
الجهل
-تعريفه-الجهل هو عدم المعرفة التي يجب علي الإنسان الإلمام بها كل في دائرة اختصاصه.لأن من يجهل ما لايلتزم بمعرفته فلا يعتبر جاهلا.مثال ذلك الطبيب مثلا إذا لم يكن يدري شيئا في فن الزراعة فلا يقال عنه جاهلا ولكنه يعتبر جاهلا حقيقة إذا لم يحط علما بالفنون الطبية والقوانين الصحية.وما يقال عن الطبيب يقال عن كل ذي مهنة.
الآن هناك معارف عامة يجب علي كل إنسان أن يلم بها بحيث لا يلتمس له أي عذر إذا جهلها.تلك هي المعارف الدينية التي تربط الإنسان بخالقه وبإخوانه في البشرية جمعاء.
أقسامه:والجهل يقسم إلي قسمين.جهل مقصود وجهل غير مقصود.
فالأول ما يقصده ذووه ولهم في ذلك أغراض ظانين أنهم بجهلهم قد ينجون من العقاب المعد لأمثالهم وعلي لسانهم يقول أيوب الصديق فيقولون لله أبعد عنا وبمعرفة طرقك لانسر 21:14 ولم يفت داود النبي التحدث عن هؤلاء في مزاميره الكثيرة.فمرة يقول عن أحدهم كف عن التعقل عن عمل الخير مز36:3 أعني تجاهل متعمدا وذلك عند عمله الخير فقط.وهنا يقول عن مجموعهم يقتلون الأرملة والغريب ويميتون اليتيم يقولون الرب لا يبصر وإله يعقوب لا يلاحظ مز94:6ثم يختتم أقواله بكلمته المأثورة عنهم والتي أخذها كل منهم شعارا له وهي قال الجاهل في قلبه ليس إله مز14:1 وذلك حتي لا ينغص علي نفسه بالتحدث عن الدينونة والعقاب.
والثاني:ما جاء عفوا وبدون سابق قصد وهو الذي يزول بعلم ما يقابله وذلك كما حدث لبولس الرسول عندما أخذ يحتج أمام المجمع اليهودي فأمر رئيس الكهنه بضربة فقال له بولس سيضربك الله أيها الحائط المبيض فقال الواقفون أتشتم رئيس كهنة الله...فقال بولس لم أكن أعرف أيها الإخوة أنه رئيس كهنة لأنه مكتوب رئيس شعبك لا تقل فيه سوء أع23:5.
وقد ينطبق هذا الجهل علي الذين صلبوا السيد المسيح ولهذا قال له المجد بخصوصهم يا أبتاه اغفرلهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون لو23:24 وعناهم بولس الرسول أيضا حينما قال لو عرفوا لما صلبوا رب المجد 1كو2:7 كما وجه إليهم بطرس خطابه عند قوله والآن أيها الإخوة أنا أعلم أنكم بجهالة عملتم كما رؤساؤكم أيضا أع3:17.
صلته بالخطية:بين الجهل والخطية صلة العلة بالمعلول.وهاك البرهان علي ذلك:
أولا:-عن الجهل عامة نقول إن الوحي يحدثنا عن العقاب الشديد المزمع أن يصيب الجهال فقد قال داود النبي والجهال من طريق معصيتهم ومن آثامهم يذلون مز107:17 ثم أعقبه سليمان فقال القصاص معد للمستهزئين والضرب لظهر الجهال أم19:29.
ثانيا:عن الجهل المقصود عرفنا السيد المسيح قائلا وأما ذلك العبد الذي يعلم إرادة سيده ولا يستعد ولا يفعل بحسب إرادته فيضرب كثيرا لو12:27.
ثالثا:عن الجهل غير المقصود قالت الشريعة الموسوية إذا أخطأ أحد وعمل واحدة من جميع مناهي الرب التي لا ينبغي عملها ولم يعلم كان مذنبا وحمل ذنبه لا5:17.
ومن القضايا المنطقية أن العقاب جزاء لكل خطية وها هو الجهل له عقاب إذا فهو خطيئة.
ثاثيره علي الخطيئة:والمراد من ذلك أنه هل يمكن للجهل أن يخفف من وقع الخطية شيئا ما والجهل علي ضوء هذه النظرية ينقسم إلي قسمين:
الأول:جهل منغلب وهو الذي يمكن إزالته بواسطة العلم وهذا ما قصد تبيانه بولس الرسول عندما قال بل لم أعرف الخطيئة إلا بالناموس فإنني لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشته رو7:7ومعني ذلك أنه كان يشتهي ولكنه كان يجهل أن هذه الشهوة حرام فلما قرأ في الناموس النهي عن الشهوة اتضح له أنه كان قبلا يتخبط في دياجير من الجهل وعلم أن الشهوة حرام ومنهي عنها.
فجهل كهذا لا يخفف من ثقل الخطية شيئا لأن علم الشرائع ميسور للجميع.حتي أن كل من أخطأ بدون الناموس فبدون الناموس يهلك وكل من أخطأ في الناموس فبالناموس يدان رو2:12.
الثاني جهل غير منغلب وهو الذي لا يمكن إزالته ولا التغلب عليه لظروف خاصة وهذا مما يجعل له تأثيره علي الخطيئة فيخفف منها كثيرا.وهذا ما أراد ايضاحه السيد له المجد حينما قالوأما ذلك العبد الذي يعلم إرادة سيده ولا يستعد ولا يفعل بحسب إرادته فيضرب كثيرا.ولكن الذي لا يعلم ويفعل ما يستحق ضربات يضرب قليلا لو12:47 وليس ذلك فقط بل نراه مصليا عن الذين صلبوه بجهالتهم قائلا يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون لو23:24 وهل ننسي بولس الرسول نفسه وتصرفاته قبل أن يصير مسيحيا مما دعاه يقول عن نفسه أنا الذي كنت قبلا مجدفا ومضطهدا ومفتريا ولكنني رحمت لأني فعلت بجهل في عدم إيمان 1تي1:13.
warsbut
13-05-2007, 05:47 PM
الخطيئة بين الفلسفة واللاهوت 4
سوء القصد
بقلم المتنيح القمص أيوب مسيحة
تعريفه-إن الإنسان يشتهي الخير طبعا فإذا مال شوقه إلي الشر فإنما يحدث ذلك عن فساد في شئ من مبادئه.ومباديء الأفعال الإنسانية هي العقل والإرادة-فإذا كما تقع الخطيئة أحيانا في الأفعال الإنسانية عن نقص من جهة العقل كالخطية الحاصلة من الجهل, كذلك تقع أحيانا عن نقص من جهة الإرادة وهو فساد ترتيبها-وإنما يفسد ترتيبها متي مالت إلي خير أقل مفضلة إياه علي خير أكثر.وعلي هذا النحو متي كانت الإرادة الفاسدة الترتيب تؤثر خيرا زمنيا كالغني علي محبة الله لزم أنها تريد فقد خير روحي في سبيل إدراك خير زمني كما قال بولس الرسول ديماس قد تركني إذ أحب العالم الحاضر 2تي4:9, وديماس هذا كان رفيق بولس في التبشير وكان معه مدة سجنه الأول ولكنه أخيرا آثر راحة بيته وأمنه علي تعريض نفسه للمشقات والخطر والموت مع بولس, فلم يكن له رجاء كاف للحياة الأبدية يقدره علي أن يغلب حب العالم الحاضر وهذا هو سوء القصد الذي هو ميل إلي خير زمني وتفضيله علي خير روحي. وأصحاب هذا المبدأ الذين عناهم أيوب الصديق بقوله لأنهم انصرفوا من ورائهاللهوكل طرقه لم يتأملوها أي34:27, وهذا ما جال في خاطر التلاميذ بعد قيامة سيدهم من القبر إذ خطر في بالهم وعلي رأسهم بطرس أن يرجعوا إلي مهنتهم الأولي وهي صيد الأسماك علي صيد الناس يوحنا 21:3 ولكن السيد لفرط محبته لهم لم يشأ أن يتركهم يحققون قصدهم بل ظهر لهم وأرجعهم .
صلته بالخطيئة
قد يخطئ الإنسان عن سوء قصد متي تحركت الإرادة إلي الشر من نفسها وهذا يقع علي نحوين:
أولا-بما يكون في الإنسان من هيئة فاسدة باعثة علي الشر بحيث أن بعض الشرور بصير بتلك الهيئة ملائما للإنسان فتتوجه إليه الإرادة باعتبار ملائمته لها وتوجهها إلي خير ما.فالرجل الذي يحب المال تغرس في نفسه هذه المحبة الطمع والسرقة وكل صفة من شأنها أن تجمعه بمحبوبه هذا.والأمثال علي ذلك كثيرة.
فشاول الملك أدت به محبته للقنايا العالمية إلي أن يخالف أمر الله ويعفي عن خيار البقر والغنم والخراف الذي أمره أن يحرمها 1صم15:9, وحنانيا وسفيره شجعهما حبهما للمال علي أن يختلسا ويكذبا علي الرسول أع5:1, ولعلم الله تعالي بما ينشأ عن الحسد والغيرة من الشر والعدوان قال لقايين عند الباب خطية رابضة وإليك اشتياقها وأنت تسود عليها تك4:.7
ثانيا:بزوال مانع ما كمن يمتنع عن الخطأ لا لكراهيته الخطية لذاتها بل رجاء للحياة الأبدية أو خوفا من جهنم فإنه إذا زال هذا المانع بأن انقلب الرجاء إلي يأس والخوف إلي عدم المبالاة ففي هذه الحالة يخطئ الإنسان عن سوء قصد وبلا وازع.
فإذا زال اعتقاد قوم بالحياة الأخري مثلا سمعت أحدهم يقول ماذا أعمل لأن ليس لي موضع أجمع فيه أثماري...أهدم مخازني وأبني أعظم وأجمع هناك جميع غلاتي وخيراتي وأقول لنفسي لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة استريحي وكلي واشربي وافرحي لو12:17, وإذا زال اعتقاد الآخرين بالقيامة العامة سمعتهم يقولون فلنأكل ونشرب لأننا غدا نموت 1كو15:.32
تأثيره عليها
لسوء القصد تأثير سيء علي الخطية يزيد جرمها ثقلا علي ثقله وإنه لعقاب شديد مزمع أن يحل علي ذلك الذي التفت إلي الوراء بعد أن وضع يده علي المحراث.
ها هو شاول الملك وقد نزع الله منه الملك لأنه مال بقلبه عنه ولم يعمل بكلامه,قال الرب لصموئيل ندمت علي أني قد جعلت شاول ملكا لأنه رجع من ورائي ولم يقم كلامي 1صم 15:11, وها هو حنانيا وزوجته يحملان ميتين من بين أيدي الرسول الذي كذبا عليه أع 5:5 وها هو ذلك الغني الغبي يسمع الكلمات التي أفقدته حياته التعيسة فقال له الله يا غبي هذه الليلة تطلب نفسك منك فهذه التي أعددتها لمن تكون لو 12:.20
وإن نسينا لا ننسي تلك المعاهدة العظمي التي أبرمها الله مع عبده سليمان والتي جاء فيها قوله تعالي إن كنتم تنقلبون أنتم أو أبناؤكم من ورائي ولاتحفظون وصاياي وفرائضي التي جعلتها أمامكم بل تذهبون وتعبدون آلهة أخري وتسجدون لها فإني أاقطع إسرائيل عن وجه الأرض التي أعطيتهم إياها والبيت الذي قدسته لاسمي أنفيه من أمامي ويكون إسرائيل مثلا وهزءا في جميع الشعوب 1مل 9:.6
إذا من الحكمة وسداد الرأي أن نوجه إرادتنا نحو الله تعالي مستهينين بما نلاقيه في سبيل ذلك من الآلام والأوجاع غير ناظرين إلي العالم ومايبدو فيه من مظاهر الأفراح والمسرات عالمين أن الله تعالي سيعزينا في أحزاننا ويمسح كل دمعة من عيوننا.
-الانفعال-
تعريفه-الانفعال هوشهوة كامنة وعاطفة مستترة مهيجة علي ارتكاب خطيئة ظاهرة .كالغيظ الذي جعل قائين يقتل أخاه هابيل تك 4:5, والبغضة التي جعلت إخوة يوسف يفكرون في قتله تك 37:4 والغيرة التي جعلت شاول الملك يقتل داود 1صم 18:7, والطمع الذي جعل آخاب الملك يقتل نابوت اليزرعيلي 1مل 21:2, وهذه وأمثالها هي التي قصدها الرسول حينما قال لإنه لما كنا في الجسد كانت أهواء الخطايا التي بالناموس تعمل في أعضائنا رو7:.5
كيفيته:والمراد بكيفيته هو معرفة كيفية حدوثه في الإنسان ولذلك طرق ثلاث.
أولا- انفعال عمومي.وهو تعلق قابل مع مقبول بحيث لايفقد من القابل شيء ما كاستضاءة الهواء الذي لايتغير في النور عما هو في الظلام.وبهذا الاعتبار يقال إن الشعور والتعقل انفعال.إذ كما أن الضوء ينير الهواء ولايغير من طبيعته كذلك التعقل ينير النفس ولا يغير من طبيعتها.وهذا خاص بالنفس فقط.
ثانيا- انفعال خصوصي وهو تعلق قابل بمقبول مع فقد ما وهذا يحدث علي نحوين:
1- قد يفقد القابل ما لا يلائمه كما يقال لشفاء الجسد انفعال لقبوله الصحة وفقده المرض وبهذا الاعتبار يقال إن الضحك انفعال لقبول الإنسان السرور وفقده الألم.
2- قد يفقد القابل ما يلائمه كما يقال لاعتلال الجسد انفعال لقبوله المرض وفقده الصحة وبهذا الاعتبار يقال إن البكاء انفعال لفقد الإنسان السرور وقبوله الحزن-ولما كان الانفعال مع فقد يحصل بالتغير الجسماني كما هو الحال في الضحك والبكاء.لذلك إذا كان الانفعال العمومي خاصا بالنفس فقط فالانفعال الخصوصي خاصا بالنفس والجسد معا لأنه لايحصل إلا في المركبات من مادة وصورة.
أقسامه:معلوم أن الإنسان مكون من نفس وجسد. وإن تكن النفس متحدة بالجسد الاتحاد المتين ولكن للنفس انفعالاتها الخاصة كالحزن والفرح. وكذلك للجسد انفعالاته الخاصة كالتكلم والمشي فوجب إذن أن ينقسم الانفعال إلي قسمين:
1- انفعال نفساني كالحزن والغضب والفرح.
2- انفعال جسماني كالتكلم والجروح والأمراض.
صلته بالخطية:إن قيام الخطية إنما هو ناتج بفعل الاختيار الذي هو قوة الإرادة مع استخدام العقل.والانفعال كما قلنا هو شهوة كامنة وهو بإزاء الاختيار قد يكون سابقا أو لاحقا له .
أولا- فإذا كان الانفعال سابقا للفعل فإنه يقلل من حسنه ويحط من قيمته إذ في حالة كهذه يشوش علي حكم العقل الذي عليه وحده يتوقف حسن الفعل الأدبي.
مثال ذلك الإحسان إلي الغير بحكم العقل أفضل منه بانفعال الرحمة فقط.وعمل الصلاح بناء علي حكم العقل أفضل من عمله تحت تأثير الخوف من عذاب جهنم أو التمتع في فردوس النعيم .
ثانيا وإذا كان لاحقا فلا صلة له بالفعل الذي إنما يكون إراديا علي قدر ما يفعله العقل والإرادة من نفسيهما لا مدفوعين إليه من الانفعال.
تأثيره عليها:إن الفعل الذي هو قبيح إنما يتبرأ من الخطية بالكلية باعتبار صيرورته غير إرادي بالكلية. فإذا إذا كان الانفعال بحيث يجعل الفعل اللاحق له غير إرادي كان مبرءا من الخطية بالكلية وإلا فلا يبرأ منها بالكلية.
والفعل قد يكون إراديا باعتبار أمرين.
1- قد يكون إراديا في نفسه كما إذا توجهت الإرادة قصدا إليه.
2- قد يكون إراديا في علته وذلك متي توجهت الإرادة إلي العلة لا المعلول.
مثال لذلك. ما يظهر في من يسكر بإرادته فالسكر هذا فعل إرادي في نفسه .أما ما يرتكبه السكير من خطأ فهو فعل إرادي من جهة علته لأن صاحبه سكر بإرادته وهذا السكر كان علة للخطأ.
======
الخاتمة
والآن وقد أزحنا الستار عن حقائق هذا مقدارها,لماذا لانقف قليلا حتي تهضم عقولنا هذا الطعام الدسم.
نعم وهنا نقطة قد يحسن عندها الوقوف ولو أننا تحدثنا فقط عن العلة الداخلية للخطية أما العلة الخارجية لها فلا بأس علينا إذا جعلناها حلقة أخري واتخذناها مدارا لحديثنا في العدد القادم إذا أراد الرب وعشنا فإلي اللقاء.
warsbut
20-05-2007, 10:07 AM
الخطيئة بين الفلسفة واللاهوت
بقلم المتنيح القمص أيوب مسيحة
المقدمة:ها هي الحلقة الرابعة من موضوع الخطيئة نقدمها إلي قرائنا الأعزاء...وهي تحوم حول العلة الخارجية للخطيئة بعد أن تحدثنا عن العلة الداخلية لها...وما رجاؤنا سوي أن تكون قد قد أزحنا الستار ولو قليلا عن هذا الموضوع الهام.فياحبذا لو لاقت أبحاثنا هذه قبولا لدي حضرات القراء الأعزاء يخول لهم مشاركتنا في الرأي ومسايرتنا في الموضوع حتي ندرك وإياهم قبسا من نور العلم ينير لنا ظلمات هذه الحياة المدلهمة ويوصلنا إلي الحياة الأخري حيث النعيم المقيم.
الموضوع:العلة الخارجية للخطيئة: أن المراد بالعلة الخارجية كل ما يحرك إرادة الإنسان إلي فعل الخطية...وهذا المحرك يحوم حول جهات أربع.
أولا من جهة الله
ثانيا من جهة الشيطان
ثالثا من جهة الإنسان
رابعا من جهة الكواكب والأفلاك
ولإيضاح هذه النواحي علينا أن نطرح كلا منها علي بساط البحث ولو قليلا حتي نقف علي الحقيقة المنشودة والضالة المفقودة.
أولا-من جهة الله:
قد يبدو لنا أن الله تعالي هو علة للخطيئة ولاسيما عندما نقرأ الكثير من العبارات التي وردت في الكتاب المقدس علي ألسن الأنبياء والرسل والتي يشتم منها أن الله هو علة لفعل الخطية في الإنسان.وهاك بعض الأمثلة الدالة علي ذلك.قال الرب مخاطبا عبده موسي بخصوص فرعون ولكني أشدد قلبه حتي لا يطلق الشعب خر4:21 وقيل علي لسان إشعياء النبي هكذا يقول الرب....أنا مصور النور وخالق الظلمة...صانع السلام وخالق الشر أنا الرب صانع كل هذهإش45:7 وقيل علي لسان عاموص النبيهل تحدث بلية في مدينة والرب لم يصنعها2:6وقال بولس الرسولأسلمهم إلي ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليقرو1:28وقال أيضا ولأجل هذا سيرسل الله عمل الضلال حتي يصدقوا الكذب2تس2:11.
نعم قد يبدو لنا لأول وهلة أن الله ولاشك علة لما يصدر منا من الخطأ.وللوقوف علي الحقيقة التي أرادها أولئك الأنبياء وقصدها هؤلاء الرسل ينبغي القول بإن الإنسان قد يكون علة لخطيئته أو لخطيئة غيره علي نحوين:
أولا-بالأصالة:وذلك بعطفه إرادته أو إرادة الغير إلي الخطأ.
ثانيا-بالتبعية:وذلك متي لم يصرف بعض الناس عن الخطيئة.
1-فمن الجهة الأولي:يمتنع طبعا أن يكون الله تعالي علة لخطيئته أو خطيئة غيره لأن كل خطية أنما تحدث بالحيدان عن الترتيب الذي وضعه والشريعة التي سنها.فيمتنع إذن أن يكون تعالي علة لعدوله أو عدول غيره عن هذا الترتيب وهكذا يمتنع أن يكون علة الخطية بالأصالة.
2-أما من الجهة الأخري:فقد يحدث أن الله لا يعين الإنسان علي اجتناب الخطايا فقد يتركه إلي رأيه المرذول إذا رأي منه عنادا وإصرارا علي عمل الشر وهذا هو المراد من تقسية قلب فرعون فكأن الله يقول لعبده موسي إني عالم بأن فرعون لابد أن يقاوم مشورتي ويستهين بقوتي لذلك فأني أقضي عليه بأخذ نعمتي منه وأسلمه إلي رأيه المرذول وذهنه المرفوض.
ويحسن بنا هنا أن نذكر قولا للقديس أوغسطينوس وذلك لإيضاح هذه المسألة:قالإن الله لا يقسي الناس بإدخال الخبث في قلوبهم بل بعدم غرس الرحمة في نفوسهم.وإنه تعالي لا يعمل هذه القساوة في الإنسان بل ربما يصح أن يقال إنه يقسي من يرفض باختياره أن يلين ويعمي من لا يرضي أن يستنير ويقصي عنه من لا يقبل الدعوة وأنه من العدل والصواب أن يسترجع تلك الفضائل والنعم التي يقدمها للخاطئ مرارا فيرفضها بجهل واستكبار.
ثانيا-من جهة الشيطان:
ونريد أن نعرف هل يمكن أن يكون الشيطان علة للخطيئة: أما وأننا نعلم أن المبدأ الخاص لفعل الخطية هو الإرادة لأن كل خطية إرادية فأذن لا يمكن أن توجد علة للخطية إلا تلك التي تقدر علي تحريك الإرادة إلي الفعل-ويجوز أن يكون للإرادة محركات ثلاثة:
أولا-الموضوع المعروض عليها كقولنا إن الطعام يثير شهوة الأكل في الإنسان.
ثانيا-من يعرض أو يقدم هذا الموضوع.
ثالثا-من يقنع بأن الموضوع المعروض يتضمن حقيقة الخير.
فباعتبار الأول تتحرك إرادة الإنسان إلي الخطأ من المحسوسات الخارجة.وباعتبار الثاني والثالث يجوز أن يغري بالخطأ إما الشيطان أو الإنسان وذلك بتقديم شئ مشتهي للحس أو باقناع العقل وفضلا عن ذلك فلا مانع من أن نضرب لها مثلا لزيادة الإيضاح.
فالخطيئة التي ارتكبتها أمنا حواء كانت فيها الثمرة المنهي عن أكلها هي نفس الموضوع المعروض عليها للأكل منها...والشيطان الذي دخل في الحية كان هو العارض لهذا الموضوع وفي الوقت نفسه كان هو الذي تولي إقناعها بأن تأكل منها ما تشاء حتي تصبح هي وزوجها كالله عارفين الخير والشر وهكذا قل في خطية أبينا آدم فالثمرة هي الموضوع وحواء هي التي تولت العرض والإقناع.
ولا يفوتنا إن نقول أنه كان يمكن لحواء أن لا تعير الثمرة التفاتا وأن تضرب بكلام الحية عرض الحائط.فوا لحالة هذه يمكننا أن نقرر هنا حقيقية راهنة وهي أن الشيطان ليس علة كافية للخطية بل علة مقنعة أو مقدمة المشتهي فقط.
وهنا نجد أنفسنا أمام مشكلة أخري قائمة لنا بالمرصاد وهي هل يستطيع الشيطان أن يضطر الإنسان إلي فعل الخطأ.وتلك هي الحقيقة الشائعة بين الجميع والتي نريد الآن أن نتحدث عنها قليلا لندرك هل لها نصيب من الصحة أم نسجت من الزور وحيكت من البهتان.
قال بطرس الرسول:أن إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمسا من يبتلعه فقاوموه راسخين في الإيمان1بط5:8فلو كان الإنسان يصرع من الشيطان بالضرورة لذهب هذا الحض من الرسول سدي.
ولإيضاح ذلك يقال إن الشيطان مالم يردع من الله لأمكنه بقوته أن يضطر الإنسان إلي إصدار فعل الخطية.يدلنا علي ذلك ما جاء عن هذا الموضوع في سيرة أيوب البار إذ قيل:فقال الرب للشيطان هوذا كل ماله في يدك وإنما إليه لا تمد يدك.
والإنسان لا يقاوم ما يحركه إلي الخطأ إلا بالعقل الذي يستطيع الشيطان أن يمنع استعماله بالكلية كما يظهر في الممسوسين.إلا أنه متي تعطل العقل علي هذا النحو فكل ما يفعله الإنسان لا يحسب عليه خطية...وأما إذا لم يتعطل العقل بالكلية فيمكن للإنسان من تلك الجهة السالمة أن يقاوم الخطية وبذلك يتضح أن الشيطان لا يستطيع بوجه من الوجوه أن يضطر الإنسان إلي الخطأ وبهذه المناسبة نلفت النظر إلي موضوع-محاربة الشياطين-صحيفة115.
warsbut
04-06-2007, 11:22 AM
الخطية بين الفلسفة واللاهوت 7
بقلم المتنيح القمص أيوب مسيحة
سقوط البشرية
تدعي خطية آدم بالخطية الأصلية لأنها ارتكبت منذما نشأ النوع البشري. ولكن الكنيسة تعلمنا أن تلك الخطية لم تبق عالقة بآدم وحدة بل انتقلت منه إلي أبنائه ميراثا مشئوما فأصبح السقوط لا سقوط إنسان بل سقوط بشرية بأكملها فالخطية الأصلية حقيقة من حقائق الإيمان استنتها الكنيسة من العهدين القديم والجديد.
ففي العهد القديم نصوص لا يمكن أن تفهم إلا علي افتراض وجود الخطية الأصلية فسفر التكوين يبين لنا أن أولاد آدم خضعوا للشهوة والموت كأبيهم بسبب الخطية وقال داود النبي ها أنذا بالإثم صورت وبالخطية حبلت بي أمي مز51:5.
ونجد في الإنجيل تعليم المخلص بوجوب العماد كواسطة لتجديدنا من دون استثناء الأطفال فقال إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله يو3:5 وبولس الرسول زاد الأمر وضوحا بقولة لأهل كورنثوس في كلامه عن قيامة الأموات فإنه إذ الموت بإنسان بإنسان أيضا قيامة الأموات لأنه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع 1كو15:21.
هذا ما يمكننا ملاحظته وإدراكه في شئ من السهولة والوضوح.ولكن الشئ الذي يهمنا التحدث عنه الآن والذي يتصل مباشرة بموضوعنا هو تسلسل هذه الخطية الأصلية وانتقالها من الأب الأول إلي أعقابه من بعده.
أولا-خطية الأب الأول وكيف تنتقل إلي أسلافه:
يصرح الكتاب المقدس بأن الابن لا يحمل إثم الأب خر18:20 وهذا طبعا مما جعل البعض ينكر أو علي الأقل يرتاب في انتقال خطية الآب الأول إلي أعقابه وللوقوف علي الحقيقة يجب أن جميع الناس المولودين من آدم يجوز اعتبارهم كإنسان واحد من حيث اتفاقهم في الطبيعة التي يتلقونها من الإنسان الأول علي نحو ما يجري في الأمور الاجتماعية من أن أصحاب الجماعة الواحدة يعتبرون جميعا بمنزلة جسم واحد فعلي هذا إذا يكون المولودون من آدم بمنزلة أعضاء كثيرة لجسم واحد.مثال ذلك فعل العضو الواحد الجسماني كاليد مثلا ليس إراديا بإرادة اليد بل بإرادة النفس التي تحرك الأعضاء أولا.وعلي هذا فالقتل الذي تقترفة اليد لا يحسب عليها خطية اذا اعتبرت في نفسها منفصلة عن البدن بل إنما يحسب عليها خطية باعتبار كونها جزءا من الإنسان يتحرك من المبدأ الأول المحرك للإنسان وهكذا.. ففساد الترتيب الموجود في هذا الإنسان المولود من آدم ليس إراديا بإرادته بل بإرادة الأب الأول الذي يحرك بحركة التوليد كل من يصدر عن اصله.ليس هذا فقط بل هذا بنفسه ما نراه مطابقا لقانوني الوراثة والتضامن اللذين نخضع لهما في حياتنا الطبيعية فقانون الوراثة نافذ علي مرأي منا فالحياة والممتلكات والشرف تخضع لأحكامه.خذ مثلا حياة الجسد ففيها وراثة الجثمان وهيئة الوجه وضعف البنية أو قوتها والأمراض العصبية.وفي حياة النفس تجد وراثة الصفات العقلية والخلقية والعواطف والشهوات أما قانون التضامن فهو الذي يجعلنا فخورين بشهدائنا الأبطال الذين ضحوا بحياتهم في سبيل الإيمان مع أن بيننا وبينهم أجيالا هذا عددها.كما أنه قد يعترينا الخزي ويشملنا الخجل عندما نعيد إلي الذاكرة تصرف أسلافنا المصريين القدماء مع ضيوفهم بني إسرائيل ومعاملتهم لهم تلك المعاملة التي لا تتفق مع حسن المعاشرة وكرم الضيافة
ثانيا-الخطايا الأخري المفعولة من الأب الأول أو من الآباء القريبين هل تنتقل أيضا إلي الأعقاب.
قد يظهر لنا أن الخطايا الأخري المفعولة من الأب الأول أو من الآباء القريبين تنتقل أيضا إلي الأعقاب فإن العقاب ليس يستوجبه إلا الذنب وبعض الناس يعاقبون بحكم الله علي خطية آبائهم القريبين كقوله في خروج 20:5 أنا اله غيور أفتقد ذنوب الآباء في البنين إلي الجيل الثالث والرابع فإذا ذنب الآباء القريبين أيضا ينتقل إلي الأعقاب.
إلا أن من أمعن النظر وجد أنه يستحيل أن تنتقل بطريق الأصل خطايا الآباء القريبين أو خطايا الأب الأول ما عدا خطيته الأولي ويتضح تحقيق ذلك من مراجعة البيانات الآتية:
1-إن الإنسان يلد نظيره في النوع لا في الأحوال الشخصية ولذلك ما يرجع قصدا إلي الشخص كالأفعال الشخصية وما إليها لا ينتقل من الاباء إلي البنين.فإن الناحي لا يورث ابنه علم النحو الذي حصله باجتهاده.وأما ما يرجع إلي طبيعة النوع فانه ينتقل من الآباء إلي البنين.ولما كانت البرارة الأصلية موهبة من مواهب النعمة منعم بها من الله علي الطبيعة الإنسانية بأسرها في الأب الأول وقد فقدها الإنسان الأول بالخطية الأولي.فاذا كما أن تلك البرارة الأصلية لو بقيت لانتقلت إلي الأعقاب مع الطبيعة كذلك ينتقل اليهم الفساد المقابل لها.
2-إن هذه العقيدة لا تخالف العقل ويظهر ذلك إذا اعتبرنا الخطية الأصلية كما ينبغي أن تعتبر.فالخطية الأصلية ليست إثما نرتكبة بإراتنا ولا يحكم الله علينا بالعذاب حاسبا إياها علي إرادتنا بل هي موت النفس والموت هو الخلو من الحياة وحياة النفس الروحية هي النعمة المبررة.فالخطية الأصلية إذا هي الخلو من البر الأصلي أي النعمة المبررة التي كان الله وهبها مجانا لآدم وذريته علي شرط أن لا يخالف أمره فلما خالف وفقد الشرط خسر المشروط وهو النعمة المبررة واضاع له ولذريته تلك الحال المجانية التي كان عليها وصار أولاده يولدون دون هذه النعمة المبررة.وحيث أن باقي المواهب الفائقة الطبيعة كخضوع النفس للجسد وعدم الموت والعصمة من الأوجاع كانت مرتبطة بالنعمة المبررة ففقدان البر أورث فقدانها وخلو آدم منها جعل أولاده خالين أيضا.
3-وأخيرا يمكننا القول إنه قد تنتقل إلينا من آدم الخطية الأصلية دون الخطايا الأخري لأن الله أراد أن تكون التجربة الأولي هي موضوع الشرط الذي اشترطه لنيل النعم والعطايا التي وهبها الله للبشرية.فكل نعمة أعطيت لآدم بعد سقوطه في التجربة كالغفران وغيره أعطيت له بصفة شخصية كما يمكن أن تعطي لكل منا أيضا.
إلي هنا انتهينامن التحدث عن العلة الثانية للخطيئة وهي العلة الخارجية بقي أن نتحدث عن العلة الذاتية للخطية وهي التي تقول بأن إحدي الخطايا قد تكون علة لخطية أخري غيرها
فإلي العدد القادم إذا أراد الرب وعشنا.
warsbut
10-06-2007, 10:28 AM
الخطيئة بين الفلسفة واللاهوت "8"
العلة الذاتيةبقلم المتنيح القمص أيوب مسيحة
يراد بالعلة الذاتية كما قلنا سابقا أن بعض الخطايا قد يكون علة لخطايا أخري.وقد يقال لهذا الأصل الرذائل الرئيسية ويعني بها تلك التي يتفرع عنها رذائل أخري.وهذا الأصل يمكن اعتباره علي نحوين.
-1-من جهة حال الخاطي الذي يحمله استعداده علي أن يبالغ في التوجه إلي غاية واحدة يتخطي في سبيلها غالبا إلي خطايا أخري.مثال ذلك ما حدث لجيحزي تلميذ اليشع النبي فمحبته للفضةوسعيه وراء الحصول عليها جعلته يسلك إليها مسلكا كله نقائص وشر فقد خدع نعمان السرياني أولا وكذب علي سيده ثانيا.
-2-والثاني باعتبار ما بين الغايات من النسبة الطبيعية وبهذا الاعتبار تتفرع في الغالب رذيلة عن أخري.مثال ذلك ما حدث لداود مع أوريا الحثي فلكي يستر ما اقترف من خطايا أخذ يراوغه ويلاطفه حتي يبيت في بيته وكانت غاية داود في ذلك العمل علي ستر ما اقترف..ولما لم تنجح هذه الملاطفة كتب له مكتوبا لرئيس الجيش يعرفه بأن يجعل أوريا في مقدمة الجيش ليموت في الحرب.وكانت الغاية أيضا العمل علي ستر هذا الفعل الفظيع.
بعد هذا البيان يهمنا أن نلفت النظر إلي ما جاء بالكتاب المقدس بخصوص هذه النظرية.قال الرسول'لأن محبة المال أصل لكل الشرور الذي إذا ابتغاه قوم ضلوا عن الإيمان وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة'1تي6:10 ومن ذلك يتبين لنا أن محبة المال وهو الإفراط في طلب الغني أصل لجميع الخطايا.ولإيضاح ذلك يقال.إن محبة المال تقال علي ثلاثة معان:
1-أن يكون المراد به طلبا غير منتظم للغني وهو بهذا المعني خطية خاصة.
2-أن يكون المراد به طلبا غير منتظم لكل خير زمني وهو بهذا المعني جنس لكل خطية لأن في كل خطية إقبالا غير منتظم علي الخير الفاني.
3-أن يكون المراد به ميلا في الطبيعة الفاسدة إلي طلب الخيرات الفاسدة علي وجه غير منتظم ويقولون إن محبة المال بهذا المعني هو أصل جميع الخطايا.
ويحسن بنا هنا أن نوجه النظر إلي ملاحظتين الأولي عامة والثانية خاصة.
أولا-عامة-
وهي الشهوة الفاسدة وكيف أنها قد تكون علة لكثير من الخطايا قال الرسول يعقوب'ولكن كل واحد يجرب إذا انجذب أو انخدع من شهوته ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطية والخطية إذا كملت تنتج موت'.يعقوب1:14
ويجب أن نعرف أن الشهوة قد تكون محمودة إذا كانت في حدود الخير والإصلاح كما كان الحال لدي السيد المسيح عندما قال لتلاميذه قبيل أكله الفصح معهم شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم لو22:15 كما قال الرسول'لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جدا'في1:23
أما الشهوة الطبيعية متي خلت من الصفات الأدبية تصير تجربة للخطية متي وجهت إلي محظور كما كان من أمر حواء لأنها نظرت إلي الثمرة المنهي عنها واشتهتها ثم تناولتها.ومعلوم أن رغبة الإنسان في السعادة وقابليته الأكل والشرب وطلبه الكسوة ليست بإثم لكنها يمكن أن تصير إثما إذا حملته علي اتخاذ الوسائل المحرمة إلي إدراكها من تعدي حقوق غيره من الناس ومخالفة شريعة الله فالرسول في عبارته هذه نسب إلي الشهوة قوة الخداع علاوة علي قوة الجذب لإنها تجعل الإنسان الذي يدخل فيها يعتقد أن طرقها طرق لذة وأمانة لأنها تودي به إلي هلاك النفس والجسد كما قال الحكيم عن المرأة الغريبة لأن شفتي المرأة الأجنبية تقطران عسلا وحنكها أنعم من الزيت لكن عاقبتها مرة كالأفسنتين حادة كسيف ذي حدين قدماها تنحدران إلي الموت خطواتها تتمسك بالهاوية أم5:3 أو قد تخدعه هذه الشهوة بأن تحمله علي توهم أنه يستطيع أن ينجي نفسه من سلطتها متي أراد ولكنه يكون كما قيل كالأسماك التي تؤخذ بشبكة مهلكة وكالعصافير التي تؤخذ بالشرك جا9:12
ومن ذلك ينتج أن الخطية الواحدة قد تكون وسيلة إلي ارتكاب كثير من الخطايا وفساد الإنسان كله كجرثومة الوباء تنمو وتنتشر في كل أعضاء الجسد فتميتها.
ولهذه المناسبة يهمنا أن نعرف أن للشهوةهذه محركا يثيرها وقد تتحرك علي نحوين:
-1-قصدا بالذات-وعلي هذا النحو يحركها الخير لتفعله.وهذا كان حال السامري الصالح الذي لما رأي ذلك الجريح الواقع في الطريق من جراء ما أصابه تحركت فيه عاطفة الشفقة والحنان فدني منه وضمد جراحاته وصب عليها زيتا وخمرا وأركبه دابته وأتي به إلي الفندق لو11:3
كما قد يحركها الشر لتهرب منه.كما كان الحال مع يوسف الصديق الذي لما شاهد امرأة سيده وقد عزمت علي أن ترتكب معه إثما أبت عليه نفسه الطاهرة أن يستمع لهذه المرأة الشريرة وفي الحال ترك ثوبه في يدها وهرب وخرج إلي خارج تك39:12
-2-تبعا وبالغير-وذلك كما يطلب الإنسان شرا لخير يقارنه وهو أن يستسهل المرء فعل الشر لأنه يري بجواره شيئا من الخير يعود عليه بالنفع أو الفائدة.وهذه هي الطريق التي سلكها إبراهيم في انحداره إلي مصر إذ حدث أنه لما قرب أن يدخل مصر قال لساراي امرأته إني قد علمت أنك امرأة حسنة المنظر فيكون اذا رآك المصريون أنهم يقولون هذه امرأته فيقتلونني ويستبقونك قولي إنك أختي ليكون لي خير بسببك وتحيا نفسي من أجلك تك12:10
أو يهرب من خير لشر يصاحبه وهو أن يتنحي الإنسان عن فعل الخير لما يحوطه من مشقات يتوجس منها خيفة كما حدث مع الجماعة الذين أرسلهم موسي النبي ليتجسسوا أرض كنعان فأنهم نظرا لجبنهم وخوفهم علي حياتهم إذا اشتبكوا في حرب لم يكن منهم أن أشاعوا مذمة الأرض التي تجسسوها في بني إسرائيل قائلين الأرض التي مررنا فيها لنتجسسها هي أرض تاكل سكانها وجميع الشعب الذي رأينا فيها أناس طوال القامة وقد رأينا هناك الجبابرة بني عناق فكنا في أعيننا كالجراد وهكذا كنا في أعينهم عد12:32
ثانيا خاصة-وهي محبة المال وما يتعلق بها كقول الرسول السابق.
وقد يقال إن محبة المال أصل لجميع الخطايا تشبيها بأصل الشجرة الذي يمد الشجرة كلها بالغذاء.فإننا نجد أن الإنسان يستفيد بالغني قوة علي اقتراف كل خطيةوعلي قضاء شهوة كل خطية لأن الإنسان يقدر أن يستعين بالمال علي إدراك جميع الخبرات الزمنية كقول الحكيم الإسرائيلي'للضحك يعملون وليمة والخمر تفرح العيش أما الفضة فتحصل الكل'جا10:19 ومن الجهة الأخري فأننا نري أن محبة المال قد تغرس في نفوس المتعلقين بها كثيرا من الخطايا المتعددة التي ترافق دائما هذه السجية كقساوة القلب وعدم الرأفة علي الفقراء والبؤساء واضطراب القلب وقلقه باهتمام مفرط في ربح المال وحفظه مع الخوف علي ما يلحقة من خسارة أو ضياع وعدم الاتكال علي الله تعالي بل جعله دائما علي هذه الأموال.وهذا بعينه ما نقله الوحي إلينا عما وصلت اليه حال إسرائيل في وقت من الأوقات إذ قال.فسمن يشرون ورفس سمنت وغلظت واكتسيت شحما فرفض الإله الذي عمله وغبي عن صخرة خلاصه تث32:15 وقال مرة لرئيس صور علي لسان النبي القائل'بحكمتك في تجارتك كثرت ثروتك فارتفع قلبك بسبب غناك'مز28:5
هذا ما أمكننا أن نتحدث عنه الآن وبه قد تم الحديث عن علة الخطيئة-ولما كان لكل علة معلولها فوجب أن تكون للخطية معلولاتها التي نريد أن نتطرق أبوابها في الموضوع القادم إذا أراد الرب وعشنا
warsbut
28-06-2007, 09:39 PM
الخطيئة بين الفلسفة واللاهوت ـ9ـ
معلولات الخطيئة
بقلم المتنيح القمص أيوب مسيحة
انتهينا في الحلقات السابقة من موضوعنا هذا من دراسة علل الخطيئة ونريد الآن أن نعرف شيئا عن معلولاتها.والخطية عمل مغاير للطبيعة التي أوجدها الخالق العظيم وأوجدلها نواميسها وأمر بمراعاتها والسير بموجبها وإلا يصبح الإنسان عرضة لما يترتب علي هذا التعدي من متاعب وأضرار.
من ذلك يتضح لنا أن الخطيئة قد تحدث نقصا في خير الطبيعة وهذا هو المعلول الأول وهي تدل دلالة واضحة علي نفس مريضة لاهم لها إلا ارتكاب الشر والفساد إذ تلحق الدنس بالنفس التي خلقها الله طاهرة وديعة وهذا معلول ثان.وتلك حالة لها عاقبتها المؤلمة التي يجب أن يتوقعها الخاطئ من عقاب عادل جزاء تعديه وهذا هو المعلول الثالث.ولنتحدث قليلا عن كل من هذه المعلولات الثلاثة.
أولا-فساد خير الطبيعة:وقبل أن نبين تأثير الخطية في خير الطبيعة نري من المناسب أن نعرف ما هو هذا الخير أولا.وكيف تعمل الخطية علي إفساده ثانيا وتأثير هذا الإفساد ومداه ثالثا.
أ-إن خير الطبيعة هو المبادئ الأولية التي أودعها الله تعالي البشرية المخلوقة لكي بها تحيا و تتحرك وتوجد ويراد بها.
1-مبادئ الطبيعة الإنسانية كالوجود والحياة والتعقل.
2-موهبة البرارة الأصلية التي أوتيتها الطبيعة الإنسانية.
3-الميل الإنساني الفطري نحو الفضيلة كما قال أيوب الصديق عن الرحمةبل منذ صباي كبر عندي كأب ومن بطن أمي هديتهاأيوب31:18.
ب-عمل الخطيئة علي إفساد هذا الخير
ولمعرفة هذا العمل وللوقوف علي مداه علينا أن ننظر إليه بإزاء هذه النواحي الثلاث:
1-بإزاء الحياة الطبيعية ومبادئها.
والحياة هذه عرضة لكثير من الآفات البدنية والتي تؤدي أخيرا إلي الموت.وهنا يحسن بنا أن نتحدث قليلا عن هذه الحقيقة الهامة وهي الموت وما يحيط به من آفات بدنية وصلة الخطية بكل ذلك.
وإذا تحدثنا عن الموت نجد أنفسنا تجاه قضيتين:
الأولي:الموت وصلته بالخطية.
والثانية:الموت وطبيعة الإنسان.
فعن القضية الأولي-يقال إن شيئا يكون علة لآخر علي نحوين:
1-بالذات:وهذا ما يحدث المعلول بقوة طبعه أو صورته ويكون المعلول إذ ذاك مقصودا بالذات مثال ذلك النار فهي علة ذاتية لتسخين الماء.
2-بالعرض:وهو ما يزيل المانع فمن يقوض عمودا فهو يهدم بطبيعة الحال البناء المشيد فوقه إذا اتضح لنا ذلك نقول إن الخطيئة ليست علة بالذات للموت وما يلازمه من الآفات الجسمانية لأن الخاطئ لا يقصد بعمله الخطية أن يؤدي بنفسه إلي الموت.
أما من ناحية القبيل الثاني فخطيئة الآب الأول علة لما يحدث في الطبيعة الإنسانية من الموت وسائر الآفات من حيث قد زالت بهذه الخطية البرارة الأصلية التي لم تكن قوي النفس فقط خاضعة بها للعقل دون أدني تشويش في نظامها كان الجسد كله أيضا خاضعا للنفس دون أدني فساد ولذلك لما زالت البرارة الأصلية بخطية الأب الأول فكما جرحت النفس الإنسانية من جهة النفس بتشويش نظام قواها كذلك صارت فاسدة بتشويش نظام البدن.
هذا ما كان من أمر الخطية الأصلية أما عن الخطية الفعلية فيجب أن نعتبر فيها أمرين:
1-جوهر الفعل:ويمكن للخطية الفعلية أن تحدث آفة جسمانية كما أن بعضا يمرضون ويموتون من الإفراط في المآكل والمشارب وما إلي ذلك وهذا ما دعي الرسول لأن يقولبإنسان واحد دخلت الخطية إلي هذا العالم وبالخطية الموترو5:12فالموت إذا وسائر الآفات التي تؤدي إليه إنما هي بمثابة عقوبات علي الخطيئة لا معلولات لها.
2-حقيقة الذنب:والخطية الفعلية تعدم النعمة التي يؤتاها الإنسان لتقويم أفعال النفس وليس لمنع الآفات البدنية كما كانت تمنعها البرارة الأصلية.
أما عن القضية الثانية:فنقول إن الموت ليس طبيعيا للإنسان لأن كل ما هو طبيعي للإنسان فالله قد صنعه والله تعالي لم يصنع الموت.ولإيضاح ذلك يجب أن نعلم أن الإنسان مكون من صورة وهي النفس الروحانية التي قيل عنهاوخلق الله الإنسان علي صورته ومثالهتك1:26ومن مادة هي الجسم المنظور.
فمن جهة الصورة فالنفس معادلة في عدم فسادها لغايتها التي هي السعادة الخالدة وأما الجسد الإنساني الذي هو فاسد في طبعه فهو معادل لصورته من وجه وغير معادل لها من وجه آخر.ففي كل مادة يجوز اعتبار حالتين إحداهما ما ينتخبها الفاعل والثانية ما لا ينتخبها الفاعل كما أن الحداد ينتخب لصنع السكين مادة صلبة ومتطرقة يمكن ترقيقها حتي تصير صالحة للقطع.والحديد باعتبار هذه الحالة مادة معادلة للسكين وأما كونه قابلا للانكسار والصدأ فلازم عن استعداده الطبيعي ولا ينتخب فيه الصانع بل لو استطاع لمارضي به.وعلي ذلك لم يكن هذا الاستعداد في المادة معادلا لقصد الصانع ولا لقصد الصناعة.وكذلك الجسم الإنساني فإنه مادة منتخبة من الطبيعة من حيث اعتدال مزاجه الذي يقدر به أن يكون آلة في غاية الملاءمة للمس وسائر القوي الحساسة والمحركة.أما كونه فاسدا فهو لازم عن حالة المادة وليس منتخبا من الطبيعة لأن الطبيعة لو استطاعت لا نتخبت مادة غير فاسدة.غير أن الله الذي تخضع له كل طبيعة قد عوض في تكوين الإنسان عن نقص الطبيعة وأولي جسده بموهبه البرارة الأصلية نوعا من عدم الفساد.وبهذا الاعتبار يقال إن الله لم يصنع الموت ولكنه عقاب علي الخطيئة.
2-بإزاء موهبة البرارة الأصلية:وهذه قد زالت بكليتها وذلك بخطيئة الأب الأول.
3-بإزاء الميل الفطري نحو الفضيلة.وللخطيئة تأثيرها علي هذا الميل الذي ينقص بالخطيئة لأن الأفعال الإنسانية يحدث بها ميل إلي مثلها.وميل شئ إلي أحد الضدين لابد أن يضعف به ميله الآخر.والخطيئة ضد الفضيلة فمتي أخطأ الإنسان نقص بذلك خير الطبيعة الذي هو الميل إلي الفضيلة.
ج-مدي هذا الإفساد وتأثيره:
مادام الميل الطبيعي إلي الفضيلة ينقص بالخطيئة فقد يبدو لنا أن هذا الميل يمكن أن يزول كلما استغرق الإنسان في الخطأ.ولكن يبان لنا أن المسألة ليست علي هذا النحو متي ما أدركنا المعلومات الآتية:
أن الميل المتقدم يعتبر كوسط بين اثنين فنقصانه أنما يكون علي نحوين من جهة الأصل ومن جهة المنتهي فعلي النحو الأول لا ينقص بالخطيئة لأن الخطيئة لا تحدث نقصا في الطبيعة لكن ينقص علي النحو الثاني أي من حيث يجعل مانعا من البلوغ إلي المنتهي وبذلك يمكن نقصان هذا الميل إلي مالا نهاية حيث أن الإنسان يستطيع أن يضيف خطيئة إلي خطيئة إلي غير نهاية لكنه لا يمكن تلاشيه بالكلية إذ يبقي دائما أصل هذا الميل كما هو الحال في الجسم الشفاف فإن فيه ميلا إلي قبول النور من طريق كونه شفافا.لأن هذا الميل أو الاستعداد ينقص من جهة ما يطرأ عليه من الغمام مع بقائه دائما في أصل الطبيعة.إذن فالنقص الذي يحدث في الميل نحو الفضيلة لا يحدث بالأخذ منه حتي كان يمكن أن يتلاشي بل يحصل بإقامة المانع وهذا لا يزيل أصل الميل ولا يحدث فيه نقصا.
ثانيا-دنس الخطيئة:والحديث عن الدنس بنقسم إلي قسمين:
1-كيفية حدوثه
2-بقاؤه في النفس بعد فعل الخطيئة.
أ-كيفية حدوثه:والدنس توصف به الجسمانيات وذلك متي فقد جسم نقي لامع نقاوته ولمعانه عن جسم آخر.أما الروحانيات فتوصف به علي وجه التشبه بالجسمانيات كما قال الرسول عن الكنيسة ليهديها لنفسهكنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضنأف5:27 ويراد بهذا الدنس دنس الخطية-وللنفس الإنسانية نقاوة ولمعان من وجهين.
1-من جهة إشراق نور العقل الطبيعي:الذي به تهتدي في أفعالها.
2-من جهة إشراق النور الإلهي أي نور الحكمة والنعمة الذي به أيضا يستكمل الإنسان ليفعل الأفعال الحسنة واللائقة-ومتي تعلقت النفس ببعض الأمور بالمحبة كان لها ذلك التعلق بمنزلة اللمس.ومتي خطئت التصقت ببعض الأمور علي وجه ينافي نور العقل والشريعة الإلهية وعلي ذلك كان الضرر الناشئ لنقاوة النفس عن هذه المماسة يقال لها دنس مجازا كما قيل عن الخطاةصاروا رجسا كما أحبواهوشع9:10.
ب-بقاؤه في النفس بعد فعل الخطية:والكتاب يعرفنا أن الدنس قد يبقي في النفس بعد فعل الخطية كما قيلأقليل لنا أثم فغور الذي لم نتطهر منه إلي هذا اليوميش22ومن ذلك يبان لنا أن دنس الخطية يبقي في النفس حتي بعد انقضاء فعل الخطية.وتحقيق ذلك أن الدنس يدل علي عدم النقاوة بسبب الإعراض عن نور العقل والشريعة الإلهية فما دام الإنسان بمعزل عن هذا النور يبقي فيه دنس الخطية ولكنه بعد أن يعود بالنعمة إلي النور الإلهي أو إلي نور العقل يزول الدنس.
علي أن الإنسان وإن ازال فعل الخطية الذي به أعرض عن نور العقل أو الشريعة الإلهية لا يعود في الحال إلي ما كان عليه بل لابد لذلك من حركة في الإرادة مضادة للحركة الأولي كما أن من يبتعد عن مكان بحركة لا يدنو إليه حالا بانقطاع الحركة بل لابد أن يدنو إليه عائدا نحوه بحركة مضادة.
بقي علينا أن نتحدث عن المعلول الثالث وهو استحقاق العقاب.وللأهمية فلنقف الآن قليلا لنواصل حدثينا عنه في العدد القادم إذا أراد الرب وعشنا.
warsbut
01-07-2007, 12:18 PM
الخطيئة بين الفلسفة واللاهوت 10
استحقاق العقاب
بقلم المتنيح القمص أيوب مسيحة
وقفنا بالقارئ العزيز في الحلقة الأخيرة حيث وعدناه أن نتحدث عن عقاب الخطية بصفته معلولا لها.ونريد الآن أن نبسط هذا الحديث ولاسيما وهذا هو البحث الأخير من هذا الموضوع المبسوط.
عرفنا فيما سبق أن الخطية فعل غير منتظم ضد شريعة ما فوجب أن نعرف أن كل من يخالف في فعله نظاما ما يلزم أن يقمع من ذلك النظام كما قال الرسولشدة وضيق علي كل نفس إنسان يفعل الشر(رو2:9)ومن ذلك نستنتج أن فعل الشر هو الخطية يوجب العقاب المعبر عنه بالشدة والضيق.
إذا تقرر ذلك فالإنسان يمكن معاقبته بأنواع ثلاثة من العقوبات بحسب النظامات الثلاثة التي تخضع لها الإرادة الإنسانية وهي:
أولا-نظام عقل صاحبها وثانيا-نظام إنسان أجنبي مدبر تدبيرا روحيا أو زمنيا وثالثا-نظام السياسة الإلهية.وكل واحد من هذه النظامات الثلاثة يفسد بالخطية لأن الذي يخطئ يفعل ضد العقل وضد الشريعة الإنسانية وضد الشريعة الإلهية فتناله إذن ثلاث عقوبات الأولي من نفسه وهي نخس الضمير والثانية من الإنسان والثالثة من الله.
ومادام للإنسان حياتان زمنية وأبدية فوجب أن يقسم العقاب إلي قسمين رئيسيين عقاب زمني وعقاب أبدي ولنتحدث عن كل منهما الحديث الذي يناسبه.
العقاب الزمني:
والحديث عن العقاب الزمني ينقسم إلي قسمين أولا ماهيته ثانيا طبيعته كما قيل علي لسان الحكيم الإسرائيلي هوذا الصديق يجازي في الأرض فكم بالحري الشرير والخاطئ أم11:31.
أولا-ماهيته.لكي نقف علي تعريفه بالتفصيل علينا أن نعرف أنه ينقسم إلي قسمين الأول عقاب طبيعي والثاني عقاب شرعي.
أ-العقاب الطبيعي:وهو ما كان ملازما بطبيعة الحال لفعل الشر كما يلازم الضوء شعاع الشمس والحرارة وهج النيران وكما قيلإن الحارثين أثما والزارعين شقاوة يحصدونهاأيوب4:8 وهو قد يأتي علي أنحاء ثلاثة لأن للخطية أوجه ثلاث:
1-من جهة العلة.وللخطية علتها العامة وهي فقدان النعمة الإلهية فقد خلق الإنسان في حالة البرارة ولما أخطا عوقب بحرمانه من موهبة البرارة هذه.ذلك الحرمان الذي ترتب عليه استسلام الإنسان للانفعالات النفسانية والوساوس الشيطانية.وعلي هذا المعني يحمل قول الرسوللذلك أسلمهم الله أيضا في شهوات قلوبهم إلي النجاسة لإهانة أجسادهم بين ذواتهمرو1:24 ومعني ذلك أن الناس إذا جردوا من النعمة الإلهية كان عقابهم تغلب الانفعالات الشريرة عليهم.
2-من جهة الفعل.وللخطيئة فعلها الذي يحدث الغم في النفس سواء كان فعلا باطنا كما يفعل في الغضب والحسد ولذا قيللأن الغيظ يقتل الغبي والغيرة تميت الأحمقأيوب5:2 أم كان فعلا ظاهرا كما يظهر فبما إذا أصاب إنسان إعياء شديد أو ضرر بليغ في سبيل قضاء فعل الخطية.
3-من جهة المعلول.ولكل خطية معلول ملازم لها تربطه وإياها صلة متينة وهو الذي عناه السيد المسيح حينما قالهل يجتنون من الشوك عنبا أو من الحسك تينامت7:16وهذا المعلول هو ولاشك عقاب علي الخطية.
ب -العقاب الشرعي
وهو العقاب الصادر من الشارع الذي سن شريعته وأمر الناس بالعمل بها وسن بجوارها العقاب الذي يلحق كل من تسول له نفسه مخالفة هذه الشريعة كما قال الله قديما لبني إسرائيللكن إن لم تسمعوا لي ولم تعملوا كل هذه الوصايا وإن رفضتم فرائضي وكرهت أنفسكم أحكامي فما عملتم كل وصاياي بل نكثتم ميثاقي فإني أجعل وجهي ضدكم فتهزمون أمام أعدائكم ويتسلط عليكم مبغضوكم وتهربون وليس من يطردكم لا26:14.
والعقاب الشرعي هذا ينقسم إلي أقسام أربعة
1-عقاب ذاتي.وهو ما يفرضه الإنسان علي نفسه طوعا واختيارا وتكفيرا عن الذنب الذي فرط منه كما كان الحال لدي زكا العشار الذي قال:ها أنا يارب أعطي نصف أموالي للمساكين وإن كنت قد وشيت بأحد أرد أربعة أضعافلو19:8مع أن الشريعة تقول برد مبلغ الخيانة مضافا عليه الخمس عد5:7 ويدخل ضمن ذلك الأصوام والصلوات والصدقات التي يفرضها الإنسان علي نفسه في كثير من الأحوال.
2-عقاب سياسي.وهو العقاب الصادر من السلطة الزمنية التي أوجدها الله وخول لها حق معاقبة كل مجرم أثيم يعبث بقوانينها ويستهين بشرائعها وهذا ما قصد أن يوجه إليه أنظارنا بولس الرسول حينما قال:لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة لأن ليس سلطان إلا من الله والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله حتي أن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة لأن الحكام ليسوا خوفا للأعمال الصالحة بل الشريرة أفتريد أن لا تخاف السلطان افعل الصلاح فيكون لك مدح منه لأنه خادم الله للصلاح ولكن أن فعلت الشر فخف لأنه لا يحمل السيف عبثا إذ هو خادم الله منتقم للغضب من الذي يفعل الشروررو13:1.
3-عقاب روحي.وهو العقاب الصادر من السلطة الروحية التي أوجدها الله ومنحها بسلطة وضع القوانين علي بعض الخطاة إذ أن السيد المسيح لم يكتف بقوله للرسل وخلفائهم كلما تحلونه علي الأرض يكون محلولا في السماء بل قال أيضا وكلما تربطونه علي الأرض يكون مربوطا في السماءمت18:18وكذلك لم يكتف بقوله لهمإن تركتم لقوم خطاياهم تترك لهم وأن أمسكتموها علي قوم أمسكتيو20:23.
4-عقاب إلهي.وهو العقاب الصادر من الله رأسا ضد كل من يتعدي أوامره ويتخطي نواهيه كما جاء قوله تعاليإن كنتم مع ذلك لا تسمعون لي أزيد علي تأديبكم سبعة أضعاف حسب خطاياكم فأحطم فخارعزكم وأصير سمائكم كالحديد وأرضكم كالنحاس فتفرغ باطلا قوتكم وأرضكم لا تعطي غلتها وأشجار الأرض لا تقطع أثمارها.أطلق عليكم وحوش البرية فتعدمكم الأولاد وتقرض بهائمكم وأجلب عليكم سيفا ينتقم نقمة الميثاق فتجتمعون إلي مدنكم وأرسل وسطكم الوباء فتدفعون بيد العدو لا26:28.
warsbut
09-07-2007, 12:20 AM
الخطيئة بين الفلسفة واللاهوت -11-
استحقاق العقاب-العقاب الزمني
بقلم المتنيح القمص أيوب مسيحة
ثانيا-طبيعته.ويراد بطبيعة العقاب معرفة الحالات التي كثيرا ما تقصد منه أو تلازمه أو تنشأ عنه وهي حالات ثلاث:
أ-حكمته.تعتبر هذه العقوبات نوعا من القصاص للتائبين ولكنها في حقيقتها ليست عقوبات جزائية يوفي بها عدل الله بل هي عقوبات مقومة للتائب أي تأديب أبوي يماثل التأديب الذي تكلم عنه بولس الرسول بقوله إن الرب يؤدب الذي يحبه ويجلد كل ابن يتخذه إن كنتم تحتملون التأديب فإنما يعاملكم الله كالبنين وأي ابن لا يؤدبه أبوه عب12:6 وهي ليست دائما دواء لمن ينالها فقط بل قد تكون لغيره كما إذا علق اللص فإن ذلك ليس لقصد إصلاحه بل عبرة لغيرة فيجتنب الخطأ خشية العقاب وعليه قوله اضرب المستهزي فيتذكي الأحمق أم19:25.
ب-مدته.يعرفنا الكتاب أن داود الملك بعد أن أخطأ قال لناثان النبي قد أخطأت فقال النبي له إن الرب أيضا قد نقل خطيئتك عنك لا تموت غير أنه من أجل أنك قد جعلت بهذا الأمر أعداء الرب يشمتون فالابن المولود لك يموت 2صم12:13.
وفي هذه الحادثة يمكننا أن نري كيف أن الله تعالي عاقب داود الخاطئ حتي بعد أن غفرت له خطيئته ومن ذلك يتبين لنا أن استحقاق العقاب يبقي مع زوال الخطية ومع أن هذا هو المشاهد دائما ولكننا نريد أن نعرف كيف يكون ذلك.
تلك حالة يعتبر فيها أمران الأول فعل الذنب والثاني الدنس التابع له واوضح أنه متي انقضي فعل الخطية يبقي استحقاق العقاب في جميع الخطايا الفعلية.لأن فعل الخطية يوجب العقاب علي الإنسان من حيث يتعدي ترتيب العدل الإلهي الذي لا يرجع إليه الابسومه عقابا تحصل به موازنة العدالة.فمن اتبع هوي إرادته بأكثر ما ينبغي ففعل ما ينافي أمرا الله يسم طوعا أوكرها شيئا علي خلاف إرادته.
وللخطيئة زوالان الأول باعتبار الفعل والثاني باعتبار الدنس الذي يلحق النفس وواضح أن دنس الخطية لا يمكن زواله ما لم تتصل النفس بالله الذي بابتعادها عنه فقدت نقاوتها أي تدنست.وأنما يتصل الإنسان بالله بالإرادة التي كانت سببا في سقوطه وعليه فلا يمكن أن يبرأ الإنسان من دنس الخطية ما لم تخضع إرادته لترتيب العدل الإلهي إما بأن يعاقب نفسه طوعا تكفيرا عن الذنب الذي فرط منه أو يحتمل صابرا ما يعاقبه به الله ويجب أن نعلم أيضا بأن زوال الدنس يبرأ به جرح الخطية من جهة الإرادة أما وأن الإنسان يحتوي غير الإرادة علي كثير من القوي النفسانية التي أفسدتها الإرادة الخاطئة وشوشت نظامها فوجب أن تعاقب علاجا لها بالعقاب الرادع حتي تعود إلي سابق عادتها.
-ج-عدالته.والحديث عن هذه العدالة يقودنا إلي أن نطرق هذين البابين.
أولا-هل كل عقاب لذنب ما ثانيا-هل يؤخذ الإنسان بخطية غيره
أولا-هل كل عقاب لأجل ذنب ما.وفي الكتاب كثير من العبارات التي تدلنا علي أنه ليس كل عقاب لأجل ذنب ما.فقد قيل عن الأعمي منذ ولادته لا هذا أخطا ولا أبواه حتي ولد أعمي يو9:3كما وأن هناك عبارات يشتم منها أنه ليس لكل ذنب عقاب فقد قيل عن الأشرار لأني غرت من المتكبرين إذ رأيت سلامة الأشرار لأنه ليس في موتهم شدائد وجسمهم ثمين ليسوا في تعب الناس ومع البشر لا يصابون مز73:3وقال أيوب الصديق لماذا يحيا الأشرار ويشيخون نعم ويتجبرون قوة نسلهم قائم أمامهم معهم وذريتهم في أعينهم بيوتهم آمنة من الخوف وليس عليهم عصا الله ثورهم يلقح ولايخطئ بقرهم تنتج ولا تسقط يسرحون مثل الغنم رضعهم وأطفالهم ترقص يحملون الدف والعود يطربون بصوت المزمار أيوب21:7.
ومن الناحية الأخري قيل في أيوب اذكر من هلك وهو برئ وأين أبيد المستقيمون4:7 ومن ذلك نستدل علي أن كل عقاب عادل وينزل لأجل خطية. وللتوفيق بين هذين المبدأين يقال إنه قد ظهر أحيانا أن شيئا ماعقاب مع أنه بالإطلاق لا يتضمن حقيقة العقاب لأن العقاب من نوع الشر.والشر هو عدم الخير.ولأن للإنسان خيرات متعددة وهي خير النفس وخير البدن وخيرات الأشياء الخارجة فقد يحدث أحيانا أن يصاب في خير أقل لإدراك خير أعظم كما إذا أصيب في ما له لأجل صحة جسده أو في كليهما لأجل خلاص نفسه ومجد الله وحينئذ لا يكون ذلك المصاب شرا للإنسان بالإطلاق بل من وجهة.إذن لا يعتبر فيه بالإطلاق حقيقة العقاب بل حقيقة الدواء لأن الأطباء أيضا يصفون للمرضي أشربة كريهة لفائدة الصحة.ولما لم تكن هذه في الحقيقة عقابا لم يكن الذنب علة لها باعتبار ما لأن احتياج الطبيعة الإنسانية إلي استعمال الأدوية الكريهة ناشئ عن فساد الطبيعة الذي هو عقاب الخطية الأصلية لأن حال البرارة لم يكن فيه حاجة إلي اكتساب الفضيلة بمزاولة الأعمال الشاقة فإذن ما كان من هذه الأدوية من حقيقة العقاب فهو معلول للذنب الأصلي.
ويجب أن نعلم أيضا أن الخيرات الزمنية والجسمانية خيرات للإنسان لكنها يسيرة وأما الخيرات الروحانية فخيرات عظيمة للإنسان فإذن من شأن العدل الإلهي أن يهب الخيرات الروحانية لذوي الفضيلة وأن يهبهم من الخيرات أو الشرور الزمنية ما يكفي للفضيلة.أما إعطاء غيرهم الزمنيات فيضر بالروحيات ولذلك قيل عن الأشرار الأغنياء لذلك تولتهم الكبرياء مز73:6.
ثانيا-هل يؤخذ الإنسان بذنب غيره.وفي الكتاب عبارات تنبؤنا بان الإنسان قد يؤخذ في بعض الأحيان بذنب غيره كما قيل أنا الرب إلهك إله غيور افتقد ذنوب الآباء والأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي حز20ك5وقيل أيضا لكي يأتي عليكم كل دم زكي سفك علي الأرض مت23:35.
ومن الناحية الأخري قيل النفس التي تخطئ هو تموت الابن لا يحمل إثم الأب والأب لا يحمل إثم الابن بر البار عليه يكون وشر الشرير عليه يكون حز18:20.
وللتوفيق بين هذين المبدأين يقال أن العقاب قد يكون انتقاميا وهو المنزل قصاصا علي الخطية وفي هذه الحالة يؤخذ كل إنسان بخطيئته لأن فعل الخطية أمر شخصي.
وقد يكون العقاب دوائيا وفي هذه الحالة قد يعرض أن يؤخذ الواحد بخطيئة الآخر لأن ما يلحق الأشياء الزمنية أو البدن من الأضرار أدوية عقابية يقصد بها خلاص النفس فلا مانع من أن يعاقب الإنسان علي خطيئة الغير كأن يؤخذ الأبناء بذنب الآباء من حيث أنهم ملك لهم أما العقوبات الروحية فليست دوائية فقط إذ ليس يقصد بخير النفس خير أفضل ولذلك لا يصاب أحد في خيرات نفسه دون ذنب له.
فعبارتا الكتاب يجب حملهما علي العقوبات الزمنية أو الجسمانية من حيث أن الأبناء أشياء تخص الآباء وخلف للسلف.أو أنه إذا حملا علي العقوبات الروحية.فإنما قيل ذلك بسبب التشبه في الذنب ولذلك قيل من مبغضي وفي متي فتمموا أنتم مكيال آبائكم وإنما قال أن إخطايا الآباء تعاقب في الأبناء لأن الأبناء إذا نشأوا علي خطايا الآباء كانوا أميل إلي الخطا أولا بسبب العادة ثانيا بسبب المثل.لاتباعهم تعليم آبائهم وهم يستوجبون أيضا عقابا أعظم إذ عاينوا عقوبات آبائهم ولم يعتبروا بها ومن ثمة قيل إلي الجيل الثالث والرابع لأن من عادة الناس أن يعيشوا إلي أن يعاينوا الجيل الثالث والرابع فقط ويستطيع الأبناء أن يعاينوا خطايا الآباء فيتشبهون بهم ويستطيع الآباء أن يعاينوا عقوبات الأبناء فيتزلمون منها.
هكذا ما أمكن أن يقال عن العقوبات الزمنية.بقي علينا أن نطرق باب العقوبات الأبدية وموعدنا في العدد القادم إذا إراد الرب وعشنا.
warsbut
16-07-2007, 09:12 AM
الخطيئة بين الفلسفة واللاهوت 12
العقاب الأبدي
بقلم المتنيح القمص أيوب مسيحة
تحدثنا في مقالنا السابق عن عقاب الخطيئة الزمني ونريد الآن أن نقول كلمة عن العقاب الأبدي ذلك الذي سيقع علي الخاطئ في الحياة الثانية الأبدية.
والحديث عن العقاب الأبدي ينقسم إلي قسمين:
أولا.مشروعيته.ويراد بمشروعيته كيف أنه أبدي غير متناه مع أن الخطيئة زمنية ومتناهية.وللوقوف علي الحقيقة يجب أن نعرف أن الخطيئة توجب العقاب من حيث أنها تفسد نظاما ما.والمعلول يبقي ببقاء علته فما دام فساد النظام باقيا وجب أن يبقي استحقاق العقاب.والنظام يفسد أحيانا علي وجه يمكن معه إصلاحيه.وإحيانا علي وجه يتعذر معه إصلاحه.فإن النقص الذي يفقد به المبدأ لا يقبل الإصلاح.أما إذا سلم المبدأ فيمكن بقوته إصلاح النقص كما أنه إذا فسد المبدأ البصري وهو العين لا يمكن إصلاح البصر إلا بالقوة الإلهية فقط.إما إذا طرأ علي البصر بعض الموانع مع سلامة مبدأه فيمكن إصلاحه بالطبيعة أو بالصناعة.
ولكل نظام مبدأ فإذا فسد مبدأ النظام الذي به تخضع إرادة الإنسان لله كان هذا الفساد في نفسه لا يقبل الإصلاح.
ولا يقتضي في الشرع الإنساني أن يكون العقاب معادلا للذنب في المدة فليس عقاب الفسق أو القتل يكون مدة دقيقة من الزمان بسبب اقترافه في دقيقة بل قد يعاقب عليه أحيانا بالسجن الدائم وأحيانا بالموت أيضا.وهو لا يعتبر فيه الوقت المقتضي لا نفاذه بل إنما يعتبر فيه بالأحري انتزاع المقتول مثلا من مجتمع الأحياء.
والخاطئ مادام يجعل غايته فعل الخطيئة فهو يريد أن يخطئ إلي الأبد وعليه قول أحد القديسين يود الأثمة لو يعيشون إلي غير نهاية ليستمروا في آثامهم إلي غير نهاية.
ثانيا.أدلته.وأبدية العقاب هذه لها أدلتها وبراهينها التي يحدثنا عنها الكتاب المقدس بكيفيات ثلاث:
-1-الآيات التي تصرح بأن عذابات الأثمة أبدية.ففي العهد القديم قيل وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يسيتيقظون هؤلاء إلي الحياة الأبدية وهؤلاء إلي النار للازدراء الأبديدا22:2وفي العهد الجديم حكم المسيح القائل اذهبوا عني يا ملاعين إلي النار الأبدية المعدة لإبليس وجنودهمت25:41وقد ختم ذلك الحكم بقوله فيذهب هؤلاء إلي العذاب الأبدي والأبرار إلي الحياة الأبدية.علي أن هذه الآيات لا تثبت أن عذابات الأثمة أبدية فقط بل تقابل أيضا بثواب الأبرار الذي يقر الجميع أنه أبدي حقيقة.
-2-نصوص صريحة في أبدية هذه العذابات بسلب النهاية ومن ذلك في العهد القديم قول النبي عن الأشرار دودهم لا يموت ونارهم لا تطفأأش66:24وإلي ذلك أشار يوحنا المعمدان في العهد الجديد حيث قال عن السيد المسيح يجمع قمحه إلي المخزن وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأمت3:12وأوضح من ذلك ما قاله السيد المسيح له المجد وإن أعثرتك يدك فاقطعها خير لك أن تدخل الحياة أقطع من أن تكون لك يدان وتمضي إلي جهنم إلي النار التي لا تطفأ حيث دودهم لا يموت والنار التي لا تطفأمر9:46فإن كان الدود لا يموت والنار لا تطفا لا يكون للعذابات المتهدد بها الأثمة نهاية.
-3-الآيات المؤذنة بأن حالا الأثمة غير متغير كحال الأبرار كما قال صاحب الجامعة قديما إذا وقعت الشجرة نحو الجنوب أو نحو الشمال ففي الموضع حيث تقع الشجرة هناك تكون11:3وهكذا قال السيد المسيح من قال كلمة علي ابن الإنسان يغفر له وأما من قال علي الروح القدس فلن يغفر له لا في هذا العالم ولا في العالم الآتيمت12:32.
ثالثا-ماهيته.إن العذابات التي يقاسيها الهالكون إما أن تكون سلبية أو وضعية:
-1-العقوبات السلبية.هي العقوبات القائمة بفقدان السعادة الأبدية أي بفقدان الله الخير السامي والذي يستدعي أيضا عذاب الخسران كما كان مع العذراي الجاهلات اللواتي خسر الاشتراك في العرس.
-2-العقوبات الوضعية.وهي العقوبات التي تترتب علي العقاب السلبي القائم بفقدان الله وهي تنقسم إلي قسمين:
أ-عقاب باطني:وهو الصادر ضرورة من العذاب السلبي إذ لابد من تأثير الضجر والحزن واليأس وعذاب الضمير ونحو ذلك في الهالكين.
ب-عقاب خارجي:وهذا ما يمكن تصوره بسهولة من نفس نظام العدل الذي يقتضي أن الإنسان يعاقب بما جناه حيا.
رابعا.كميته.ويراد بذلك كمية العقاب كما قال النبي أدبني يارب ولكن بالحق لا بغضبك لئلا تفنينيأر10:24ويجب أن نعلم أن ملاشاة الخاطئ بالكلية لا تليق بالعدل الإلهي لأنها تنافي دوام العقاب الذي يقتضيه العدل كما تبين لنا سابقا.فقط علينا أن نعرف أن هذه الملاشاة قد تطلق علي فقد الخيرات الروحية كما قال الرسول إن كانت لي نبوة وأعلم جميع الأسرار وكل علم وإن كان لي كل الإيمان حتي أنقل الجبال ولكن ليس لي محبة فلست شيئا1كو13:2.
-الخاتمة-
بعد هذا الدرس الطويل عن الخطية وقبل أن ننتقل إلي غيره جدير بنا أن نقف لحظة لنلقي نظرة عجلي نودع بها درسنا هذا مستمدين منه الموعظة الحسني مادمنا جادين في سفرنا نحو الأبدية السعيدة ومادمنا معرضين للسقوط في المهاوي الكثيرة التي تعترض طريقنا هذه.
هاك هي الخطية وهذه طرقها المتشعبة الملأي بالمخاوف وتلك عاقبتها الوخيمة التي يجب أن تخيفنا وتملأ قلوبنا هولا ورعبا.فماذا نحن بإزائها فاعلون.يقول النبي الإسرائيلي يارب من يسكن في مسكنك ومن يحل في جبل قدسك السالك بغير عيب ويعمل البرمز14:1.
تلك كلمة لها وقعها الطيب علي النفس الطاهرة التي تردد دواما القول المأثور يارب ماذا أعمل لكي أخلص.وقد لا يسمح المجال بالتعليق المناسب علي هذه العبارة الجميلة ولكن يكفي أن نعرف أن من يرغب السكن في مسكن الله والشركة في ملكوته مع قديسيه ينبغي له أن يحيد عن الشر وهذا هو الشرط الأول للخلاص ويعمل الخير وهذا هو الشرط الثاني له.
ومن البين الواضح أنه لا يكفي الابتعاد عن الخطايا وترك الأعمال الشريرة فقط إذا أردنا خلاص النفس وسعادتها بل أيضا هو ضروري للخلاص الاتصاف بالفضائل والتحلي بالأعمال الصالحة.ويا حبذا لو تسمح لنا العناية الإلهية وتمنحنا وقتا سعيدا فيه نتمكن من دراسة الفضيلة كما درسنا الخطية.
والله القادر علي كل شئ والذي يريد الخلاص للجميع نسأله أن يمنحنا نعمة بها نستطيع أن نحيا الحياة التي ترضي صلاحه.له المجد إلي الأبد آمين.
www.anbawissa.org/vb