PDA

عرض الاصدار الكامل : المجامع المسكونة : مجمع خلقيدونية


warsbut
29-12-2006, 09:53 PM
ولكن إن كان لكم غيرة مرة وتحزّب في قلوبكم فلا تفتخروا وتكذبوا على الحق، ليست هذه الحكمة نازلة من فوق بل هي أرضية نفسانية شيطانية، لأنه حيث الغيرة والتحزّب هناك التشويش وكل أمر رديء" "يع 3: 14-16"
http://www.copts-united.com/C_U/Branches_CPTS/Egyptian_Studies/Frequently_Used_Photos/00-2006/12-2006/EcumenicalAcademy%203.jpg
بعد وفاة الإمبراطور ثيئودوسيوس الصغير دون خلف يرث العرش، أغرى رجال البلاط أخته بوليكاريا -التي كانت قد نذرت العفة وترهّبت بأحد الأديرة- على الزواج من أحد أحد أكابر المجلس الروماني وقواد جيش المملكة المدعو مركيان (مركيانوس)، فنكثت عهد العفة وتزوجت به مخالفة لشريعة الكتاب، وسلّمته مهام المملكة عام 450م - وصار مركيان إمبراطوراً للشرق (450- 457م)، إذ لم تكن تقاليد الدولة تسمح بإعتلاء النساء العرش.. وكان مركيان يميل لمعتقد نسطور، وكانت بوليكاريا على جانب كبير من الدهاء والكبرياء..
كانت بوليكاريا تحسد رؤساء الكرسي السكندري على ما وصلوا إليه من الشهرة والاعتزاز وحصولهم على شرف سامٍ يفوق شرف الملوك، وخشيت امتداد نفوذ بطاركة القبط في القصر الملكي وارتفاع كلمتهم على كلمة الحكام الرومانيين، وخافت من استقلال هؤلاء البطاركة ببلادهم، وتأكدت أن ذلك في إمكانهم لعلمها بأن البطريرك المصري (الذي كانوا يسمّونه فرعون مصر) يستطيع أن يقيم ويقعد بلاده بكلمة تصدر منه.. فعملت على إذلال شرفهم في شخص البابا ديوسقوروس.. ورأى لاون أسقف رمية أن ذلك من مصلحته ليحل محل البطريرك المصري في السطوة والنفوذ، فاتفق معها على تدبير مكيدة لذلك القديس.
مجمع خلقيدونية عام 451م لاستئناف أحكام مجمع أفسس الثاني:
استدعى لاون زعماء الحزب النسطوري، وبعث إلى مركيان قيصر يلتمس منه السماح بعقد مجمع عام لفحص أعمال مجمع أفسس الثاني واستئناف أحكامه.. فلما رأى البابا ديوسقوروس أن لاون تمادى في عدوانه وسعيه في إبطال مجمع نظامي شرعي وقبوله للهراطقة، عقد مجمعاً بالإسكندرية قطع فيه لاون من شركته - الأمر الذي زاد من حدة غضب لاون.
ثم كتب مركيان إلى لاون قائلاً: "إني مستعد لعقد المجمع في القسطنطينية تحت رئاستك، وإذا كان في السفر مشقة عليك فأنا أقوم مقامك لرئاسة المجمع"، فرد لاون بأنه ينبغي في هذا المجمع البحث عن طريقة يتمكنون بها من الصفح عن الأساقفة الذين سلكوا مسلك ديوسقوروس ووافقوا على رأيه، وكان لاون يأمل أن يكون مقر المجمع في مدينة رومية، غير أن القيصر لم يكن يرغب في ذلك - إذ كانت سياسة مركيان وبوليكاريا ألا يدعا إمبراطور الغرب يتدخل في شئون الشرق الدينية.. كانت نتيجة هذه العوامل أن عقد الإمبراطور مجمعاً في قصره بالقسطنطينية دعا إليه كثير من الأساقفة - كان معظمهم نسطورياً، كما بعث إلى البابا ديوسقوروس يدعوه لحضور المجمع (كما أُشير على الإمبراطور الجديد من بعض الأساقفة كي يحضر ديسقوروس ويحاول التأثير عليه لعله يقبل التعليم الجديد القائل بطبيعتين ومشيئتين للمسيح بعد الإتحاد ويصفح عن الأساقفة المبتدعين)
أساء لاون انعقاد المجمع بمدينة غير رومية فامتنع عن الحضور وأرسل نواباً عنه- ادَّعى فيما بعد أنهم ترأّسوا الجلسات باسمه، ولكن الحقيقة أن مركيان انتخب تسعة عشر عضواً من كبار المملكة ليترأّسوا المجمع بخلقيدونية نيابة عنه.
وكان موظفو بلاط قيصر الشرق الجديد بعضهم يتحزّب لنسطور والبعض الآخر للأرثوذكسيين، إلا أن الحزب النسطورى كان الأقوى لأن بوليكاريا ومركيان كانا من أنصاره.. وقد حرص الملك مركيان وزوجته بوليكاريا على حضور هذا المجمع بالقسطنطينية ومعهما عدد كبير من أفراد الحاشية وكثير من الضباط والجنود بالملابس الرسمية، كما حضر القضاة الذين اختيروا لإدارة جلسات المجمع.
أما عدد الذين حضروا هذا المجمع فقالت مصادر أنهم 330، ومصادر أخرى أنهم كانوا ضعف هذا العدد، وهناك من قال أنه 500 أسقف.
فلما حضر البابا ديوسقوروس إلى القسطنطينية بناء على دعوة الإمبراطور ورأى هذا العدد الكبير من الأساقفة مجتمعين بلا سبب أو مبرر دُهش جداً، وهتف نحو القيصر قائلاً: "أيها الملك الأعز، ما هذا الجمع الذي أراه؟ وما سبب اجتماعه؟ إن الإيمان لفي غاية الكمال، والآن لسنا ننتظر قيام هرطقة توجب اجتماعا مثل هذا، فدع الأساقفة ليذهب كل إلى مركزه".. فأجابه بعضهم: "إن القيصر ليس بمتحقق إن كان المسيح طبيعة واحدة أم طبيعتين".. فجاهر ديوسقوروس بالإيمان السليم مستشهداً بأقوال القديسين أثناسيوس الرسولي وكيرلس الكبير ويوحنا ذهبي الفم، وأعطى مثلين لإتحاد اللاهوت بالناسوت في طبيعة واحدة بدون امتزاج، موضحاً أن اللاهوت لم يجتاز بالآلام والموت الواقع على الناسوت وحده، وهما: الحديد المتحد بالنار (حيث لا تتأثر النار بالثني الواقع على الحديد إذا ضُرب بالمطرقة)، وآلام الشهداء الواقعة على أجسادهم دون نفوسهم .. فاقتنع الكثيرون بهذا الكلام.
انزعج المقطوعون واللاونيون، ووشوا للقيصر أن يُخرِج ديوسقوروس من المجمع، فأمر مركيان بعد اكتمال عددهم بأن يرحلوا إلى مدينة خلقيدونية (خلكيدون، وهي إحدى مدن آسيا الصغرى القديمة، وقد بُنيت حوالي عام 685 ق . م على ساحل بيثنية تجاه الموضع الذي بُنيت فيه بعدئذ مدينة القسطنطينية، ويبدوا أنها خربت في القرن الثاني قبل الميلاد فانتقل سكانها إلى مدينة نيقوميدية، غير أن يوستينيانوس عمل على إعادة بنائها وتعميرها، وتخرّبت ثانية أمام الفتح العثماني، ويقال أن موضعها الآن قرية صغيرة بإسم " قاضي قوة" بتركيا)
وعُقد المجمع بكنيسة القديسة أوفيما بخلقيدونية يوم 8 أكتوبر عام 451م، وآثر اللاونيون على القيصر بإخراج ديوسقوروس معللين بأن الذي أتي ليُدان لا ينبغي له الحضور، فلم يوافق القيصر.
براءة البابا ديسقوروس من الاتهامات:
اجتهد نواب أسقف رومية وأتباعه من الأساقفة الشرقيين في أن يتّهموا البابا ديوسقوروس عدة اتهامات فيما رأوه خطأ في مجمع أفسس الثاني لمحاكمته، ظانين أن ذلك يضعفه أو يخيفه، ولكن على العكس كان يجاوبهم بكل جرأة واحترام وكان ساكناً هادئاً مستعملاً سلاح الحكمة والبرهان عوضاً عن الثرثرة الفارغة التي كانت سلاحهم الوحيد.. وتلك هي أهم هذه الإدّعاءات ورد البابا ديوسقوروس عليها:-
أولاً: ادَّعوا أن البابا ديوسقوروس عقد المجمع برئاسته، وبدون علم أو استئذان الكرسي الرسولي الروماني (وقد طلبوا بناء على ذلك خروجه من المجمع، ورُفض طلبهم)
الرد: إذا كان الأمر كذلك ولم يعلم أسقف روما، فمن الذي بعث بنواب روما الثلاثة الأسقف يوليانوس والقس راناد والشماس إيلاريوس.. ومن الذي كتب رسالة لاون.. كما أنني لم أكن في حاجة إلى استئذان أسقف رومية في عقد المجامع التي صدر أمر القيصر بتشكيلها.. والذي رأس المجمع هو الملك، وقد ولّى معي يوبيناليوس أسقف أورشليم وطلاسيوس القيصري كما هو ثابت من المراسيم الملكية.
ثانياً: ادّعوا ضد البابا ديسقوروس بأنه جعلهم يوقّعون على أوراق بيضاء في المجمع، وأنه أجبرهم على التوقيع على قرارات المجمع فوقّعوا مُرغمين تحت ضغط الجنود شاهري السلاح. (وهذه تهمه هزيلة باطلة تنقضها أعمال ذلك المجمع نفسه)
الرد: قال البابا ديوسقوروس لأحدهم: "الآن من فمك تتبرر ومن فمك تدان، لقد استحييت من الناس وأهنت الإيمان خوفاً منهم"، وقال أساقفة مصر: "إن جندي المسيح لا يرهب القوة التي لا تُرهِب إلا الجبان، أضرموا النار ونحن نعلِّمكم كيف يكون الاستشهاد"..
وإيذاء ذلك وما توجبه هذه التهمة من شديد اللوم عليهم قالوا في الجلسة الأولى "أخطأنا ونطلب الغفران" (ومن الغريب أيضاً أن نرى المؤرخين الكاثوليك أنفسهم يقرّون في كتبهم ضعف هذا الادعاء)
ثالثاً: قالوا أيضا أن الأب ديسقوروس لم يأمر بقراءة رسالة لاون أسقف روميه في المجمع، بل قد أخفاها (وهذا غير صحيح حيث أن البابا طلب قراءتها مرتين، واعترف بذلك يوبينال أسقف أورشليم عندما سأله القضاء عن رأيه فقال: " إن الأب ديسقوروس أمر بقراءتها).
الرد: العجيب في هذا الأمر أن يتمسّك هؤلاء بتلك الرسالة التي في الواقع هي رسالة نسطورية بعيدة عن الحق إذ جاء فيها ما نصه "الكلمة يفعل ما يختص به الكلمة واللحم يختص به اللحم، فالواحد من المذكورين يبهر بالمعجزات والآخر مُلقى للإهانات، وحقاً يأتي المسيح الاثنين الإله والإنسان"، فكان الأجدر بهم أن يعملوا على إخفاء تلك الرسالة حتى لا تظهر سقطاتهم.
رابعاً: قال المدّعين أيضاً أن كَتَبة ديوسقوروس كتبوا وحدهم محضر أعمال مجمع أفسس الثاني وغيّروا فيه.
الرد: إن كل واحد من الأساقفة كان له كتبته، فكتبتي كتبوا نسختي، وكل من كتبه يوبيناليوس وطلاسيوس كتبوا نسختهم، وكذلك باقي الأساقفة الآخرين، ولقد صدّق أسقف أورشليم على قول ديوسقوروس.
خامساً: وقف أحد الأساقفة النسطوريون المدعو أوسابيوس وطلب من القضاة أن يسألوا الأب ديوسقوروس عن سبب منعه من دخول الجمع.
الرد: أسألكم أن تقرءوا شهادة ألبيديوس القائد " مندوب الملك "الذي منعه بأمر الملك. وأقّر ذلك يوبيناليوس أسقف أورشليم، وأمر القضاة بقراءة أعمال المجمع في الأمر الملكي الذي أشار إليه الأب ديسقوروس. (والغريب أنه بالرغم من اعتراض هؤلاء على البابا نراهم يسمحون للأسقف ثاوذوريتوس النسطوري المقطوع بالحضور في مجمع خلقيدونية، الأمر الذي جعل البابا يصيح فيهم قائلا "أنتم تسلبونني كأني تعدّيت القوانين، فهل أنتم تحفظون القوانين عند دخول ثاوذوريتوس؟)
سادساً: اعترضوا على البابا لتبرئته لأوطاخي مدّعين أنه يماثله في العقيدة.
الرد: إن كان أوطاخي يذهب بخلاف مذهب البيعة فهو لا يستحق العقاب فقط بل النار أيضاً، أما أنا فمهتم بالإيمان ولست بشأن أحد من الناس، بل فكري شاخص إلى اللاهوت فلا أبالي بأحد ولا أهتم بأحد سوى بنفسي وبالإيمان المستقيم الصحيح.
(وإننا نعرف أن آباء المجامع المسكونية لا يصدرون أحكامهم على المبتدعين إلا بعد أن يتأكدوا من أنهم مصرّين على التمسك بأقوالهم المناقضة للإيمان السليم، وكانوا يتمنّون عودة المبتدعين للحق. و قد ناقش البابا أوطاخى في عقيدته فأقرّ واعترف بالإيمان السليم أمام الآباء، ثم قدّم للمجمع صورة إيمانه مكتوبة بخط يده و إذ بها أرثوذكسية صحيحة. كان على الخلقيدونيون أن يعترضوا لو أنهم رأوا في اعتراف أوطاخى ما يخالف القانون.. أما أوطاخى فقد عاد إلى بدعته ثانيه بعد تبرئته، وهذا لا دخل للبابا ديوسقوروس فيه إذ كان من الممكن أن تُعاد محاكمته في مجمع آخر، كما لا ننسى أن لاون أسقف روما قد انخدع في أقوال أوطاخى -كما انخدع آباء مجمع أفسس الثاني- وأرسل رسالة إلى المجمع يثني فيها على عناية أوطاخى بأمر الإيمان و يدعوه بالابن القس العزيز.)
سابعاً : قالوا أن البابا ديوسقوروس حكم على فلابيانوس بطريرك القسطنطينية ظلماً.
الرد: إن الأسباب التي بني عليها الحُكم على فلابيان واضحة صريحة وهي أنه كان يعتقد بوجود طبيعتين للمسيح بعد التجسد، أما أنا فلي شهادات من أقوال الآباء أثناسيوس وغريغوريوس وكيرلس تؤيد أنهم كانوا يعتقدون بعدم وجود طبيعتين للمسيح بعد التجسد بل طبيعة واحدة للكلمة المتجسد، فإذا كان في اعتقادي خطأ فيكون أصله من خطأ هؤلاء الآباء المحترمين الذين أقول أنا بقولهم ولا أتحوّل عن مبدأهم، وحتى يكون المجمع على ثقة من قولي أخبره أنني نقلت أقوالهم هذه بالحرف الواحد واعتنيت كثيراً في ضبطها على الأصل والتحقق من صحتها.
(ولكن عندما نقرأ أعمال المجمع نرى أنه لم يحكم عليه ظلماً، حيث أنه سقط في هرطقة إذ قال بطبيعتين بعد الاتحاد -و هو يفنِّد بدعة أوطاخى، متأثراً بالفكر النسطوري، وحاول الأساقفة إقناعه لكنه تمسّك بأقواله.. وإننا نتعجب من ذلك كيف أن الخلقيدونيون يؤمّنون على أعمال مجمع أفسس الأول برئاسة البابا كيرلس وفي نفس الوقت يشجبون مجمع أفسس الثاني برئاسة البابا ديوسقوروس، مع أن المحرومين في كلا المجمعين هما النساطرة.. فهل غيّرت الأيام قلب أسقف رومية من نحو النسطوريين، أم أن الميل لمقاومة البابا السكندري ألزمته بأن يتنازل عن المعتَقَد القويم ويعتنق مذهباً باطلاً ليؤيّد مركزه بأنصاره)
والنتيجة التي نستخلصها من كل ما سبق أن البابا ديوسقوروس برئ من كل هذه الاتهامات، ومن كل ما نُسب إليه ظلماً في مجمع خلقيدونية الزائف.. ومن كتابات الكنيسة الغربية نفسها يتضح لنا سلامة وصحة عقيدة البابا ديوسقوروس وحفظه للأمانة الأرثوذكسية.
أحكام المجمع:
وكان نواب لاون يتذمّرون من ترك الحرية لديوسقوروس ليبدى أفكاره، فأجابهم الرئيس: "إن هذا المجمع يقتفى آثار العدل والحق في أعماله، فهو يمنح حرية الأفكار الصحيحة لجميع الأعضاء على السواء".. وبذلك انتهت الجلسة الأولى، وعيّنوا موعداً لانعقاده بعد خمسة أيام.
لما رأى مندوبي لاون وأساقفة الشرق الموالين له أن الأمر يؤول إلى تبرئة البابا ديوسقوروس، تحايلوا بتقديم موعد الجلسة القادمة للمجمع بعد ثلاثة أيام بدلاً من خمسة، وجعلوا حضور المجمع قاصراً على أساقفة الشرق وبعض أساقفة الغرب، ومنعوا من الحضور أساقفة مصر ومندوبي الحكومة وديوسقوروس الذي وضعوا على باب بيته حراساً حتى لا يتمكّن من الخروج، ولما حاول الخروج منعه الحراس بأسنّة رماحهم.. ثم استحضروا شهود زور ضد ديوسقوروس في غيابه (كما فعل كهنة اليهود مع المخلِّص، وكما فعل الأريوسيون مع البابا أثناسيوس من قبله)
وأُعلن الحُكم ضده غيابياً، إذ قرر المجمع الآتي:
1- إلغاء قرارات مجمع أفسس الثاني.
2- تبرئة فلابيانوس أسقف القسطنطينية.
3- حرم أوطاخي (رغم اعترافه بقرارات مجمع نقية وأفسس الأول.
4- تجريد البابا ديوسقوروس من رتبته الكهنوتية وعزله (مدّعين أنه متشيّعاً لبدعة أوطاخي.
وأُرسل الحُكم إلى القيصر وزوجته وأساقفة مصر الموجودين بخلقيدونية.. كل ذلك جرى بغاية الاستعجال، الأمر الذي احتج له مندوبي الحكومة يطلبون سحب الحُكم ولكن بدون جدوى، فانسحبوا من المجمع.. كما أن مقاومي البابا السكندري رأوا فيما بعد أن حكمهم باطل وغير معتَبَر شرعاً فطلبوا من البابا الحضور، ولكنه امتنع لما علم بانسحاب مندوبي الحكومة لعلمه بسوء نية أعضاء المجمع وشر ما عزموا عليه.
أما المجمع فأيّد الحُكم، وكان من بين أعضائه من اضطر لتأييده خوفاً من بطش القيصر..
ولما اطلع البابا ديوسقوروس على قرارات المجمع رفض التوقيع- كما رفض كل الأساقفة المصريون، وكتب معلقاً في أربعة أركان حاشية الورقة ما يفيد حرم هذه العقيدة ومن يتمسّك بها.
فحرى بالمؤرخين أن يطلقوا على هذا المجمع لقب "اللصي"، فالحقيقة تؤيده عليه وتنفيه عن مجمع أفسس الثاني (الذي ينعته الخلقيدونيون باللصي).. وهكذا انفض هذا المجمع بعد أن شقّ كنيسة المسيح.
تقول مدام بتشر الإنجليزية في كتابها "تاريخ الأمة القبطية" المجلد الثاني ص58: "إن بابا روما نفسه لم يكن راضياً عن مجمع خلقيدونية ولم ترق في عينيه القرارات التي أصدرها، مع أنه تمكن بواسطته من سحق خصمه ديوسقوروس ولكنه لم يتحصّل على غايته القصوى التي كان يسعى إليها وهي التصديق من الإمبراطور أو المجمع بأولوية الكرسي الروماني وإعطائه الرئاسة على باقي الكراسي"
(ومن هذا يتضح – بكل أسف – أن الأسباب الخفية وراء انشقاق الكنيسة بعد مجمع خلقيدونية كانت غايات شخصية وحب الذات والرئاسات، متخذة من الدين ساتراً، ومن السياسة عائلاً!!)
جهاد البابا ديوسقوروس:
لما بلغ مركيان رفض ديوسقوروس التوقيع على قرارات المجمع همّ بقتله، فأُشير عليه بإحضاره أمامه، فأمر به فحضر، وأُُومأ إلى ديوسقوروس أن يذعن لرأي القيصر ليستمر في مركزه، وإذ أدرك البابا أنها مؤامرة لكي يتخلصوا منه شخصياً أو يتخلصوا من مبادئه القويمة المناهضة لنسطور قال: "إن القيصر لا يلزمه البحث في هذه الأمور الدقيقة بل ينبغي له أن ينشغل بأمور مملكته وتدبيرها ويدع الكهنة يبحثون عن الأمانة المستقيمة فإنهم يعرفون الكتب وخير له أن لا يميل مع الهوى ولا يتبع غير الحق" .. فاندهش الجميع من جرأته، وهنا قالت الإمبراطورة بوليكاريا: "يا ديوسقوروس لقد كان في زمان أبي وأمي أفدوكسيا إنسان قوي الرأي مثلك (تقصد القديس يوحنا ذهبي الفم)، فحُرم ونُفي من كرسيه، وأنت تعلم أنه لم يرى خيراً من جراء مخالفتها، وإني أرى أن حالك سيكون مثله"، فأجابها بكل شجاعة وهدوء :"نعم، وأنتِ تعرفين ما جرى لأمك نتيجة لاضطهادها لهذا القديس وكيف ابتلاها الله بالمرض الشديد الذي لم تجد له دواء ولا علاج إلى أن مضت إلى قبر القديس يوحنا وبكت واستغفرت فعوفيت، وها أنذا بين يديكِ فافعلي ما تريدين وستربحين ما ربحته أمك".. فحنقت بوليكاريا من قوله ولم تتمالك نفسها وصفعت القديس صفعة شديدة اقتلعت له ضرسين، وما أن رأى الحراس ثورة ملكتهم حتى إنهالوا على القديس ضرب وطعن رغم شيخوخته ونتفوا له شعر لحيته، والعجيب أنه أثناء ذلك كله كان صامتاً محتملاً ناظراً إلى فوق وهو يقول : "من أجلك نمات كل النهار".. وبعد ذلك أخذ ضرسيه وشعره وأرسلهما لأبنائه بالإسكندرية مع رسالة قائلاً فيها: "هذه ثمر جهادي لأجل الإيمان، اعلموا أني قد نلت آلاماً كثيرة في سبيل المحافظة على أمانة آبائي القديسين، أما أنتم الذين إيمانكم على صخرة الإيمان القويم فلا تخافوا السيول الهراطقية ولا الزوابع الكفرية."
وأصدر القيصر أمراً بنفي القديس إلى جزيرة غاغرا بآسيا الصغرى، وكان مرافقاً له من إكليروسه القديس مكاريوس أسقف إدكو (الذي تنبّأ له البابا ديوسقوروس بأنه سينال إكليل الشهادة في الإسكندرية لأجل دفاعه عن إيمان ابن الله، وقد تمت نبوءته)، والقس بطرس والشماس ثاوديسطس سكرتيره وكاتب سيرته.
ورُوى أن البابا ديوسقوروس ومن كان معه من الأساقفة المصريين شرعوا في منفاهم ينشرون نور الإنجيل ويبشّرون أهل ذلك المكان (الوثنيين) حتى آمن كثيرون منهم بالمسيح وتعمّدوا، وقد أظهر الله على أيديهم آيات وعجائب كثيرة.. وارتفع شأن القديس في عيون أهل منفاه بعد أن كانوا أولاً يعاملونه بقسوة، وأصبح موضع احترامهم وإكرامهم.
وظل القديس ديوسقوروس في منفاه حتى تنيح بسلام عام 457م.
وتلقِّب الكنيسة القديس البابا ديوسقوروس الذي قضى حياته مدافعاً عن الإيمان القويم بـ "بطل الأرثوذكسية العظيم"
بركة صلواته فلتكن معنا.

warsbut
19-01-2007, 09:06 PM
انشقاقات الكنيسة بعد مجمع خلقيدونية
"أنتم تعلمون أن رؤساء الأمم يسودونهم والعظماء يتسلّطون عليهم، فلا يكون هكذا فيكم، بل من أراد أن يكون فيكم عظيماً فليكن لكم خادماً، ومن أراد أن يكون فيكم أولاً فليكن لكم عبداً") مت25:20-27(
"لأني أخاف إذا جئت أن لا أجدكم كما أريد، وأوجَد منكم كما لا تريدون، أن توجَد خصومات ومحاسدات وسخطات وتحزّبات ومذمّات ونميمات وتكبّرات وتشويشات" (2كو 12: 20)
http://www.copts-united.com/C_U/Branches_CPTS/Egyptian_Studies/Frequently_Used_Photos/00-2007/01/Suzan%20Yacoub_120107.JPG
أولاً: انشقاق الكنيسة إلى خلقيدونية وغير خلقيدونية
كانت نتيجة لقرارات مجمع خلقيدونية عام 451م أن انقسمت الكنيسة إلى شطرين:
1- الكنائس الغير خلقيدونية: وتضم الكنيسة القبطية (ومعها الحبشية)، وكنيسة أنطاكية ،وكنيسة أورشليم، وكنائس آسيا الصغرى -عدا القسطنطينية- التي –كنائس آسيا الصغرى- ظلت متمسكة بقرارات المجامع الأولى ومعتقدات أثناسيوس وكيرلس وديسقوروس في طبيعة واحدة للمسيح أي اتحاد اللاهوت بالناسوت بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير. (وحالياً الكنائس الشقيقة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية هي الكنيسة الحبشية والإريترية والسريانية والهندية والأرمنية).
2- الكنائس الخلقيدونية: تضم كنيسة رومية، وكنيسة القسطنطينية - اللتين اعتنقتا المعتقَد القائل بأن للمسيح طبيعتين ومشيئتين.
والحقيقة أن كل من يقف على حوادث ميل أساقفة رومية للرئاسة العامة وكيف أنهم في سبيل الحصول عليها أراقوا دماء الأبرياء، لا يندهش إذا سمع بتنديدهم بمجمع أفسس الثاني القانوني وأحكامهم الغير قانونية في مجمع خلقيدونية- ما أدى إلى انشقاق الكنيسة.
واختصت الكنيسة المصرية (القبطية) نفسها وكنيسة سوريا (أنطاكية) التي على مذهبها وكل من تبعها بلقب "الأرثوذكسية" (أي المستقيمة الرأي).
سُمى أنصار مجمع خلقيدونية بـ "الملكيين" لأنهم كانوا على رأى الملك الروماني الخلقيدوني، وسُمى الأرثوذكسيين بـ "المتأصلين" أي الذين لم يغيّروا معتقدهم.. كما وصفت الكنائس الغربية- الكنائس الشرقية على أنه "مونوفيزيةMonophysite (أي تؤمن بطبيعة واحدة في المسيح)، بينما وصفت الكنائس الشرقية- الكنائس الغربية بأنها ديوفيزيةDiophysite (أي تؤمن بطبيعتين في المسيح).. وقد قاد أقباط مصر حركة المونوفيزية الأرثوذكسية في كل الشرق.
رفضت الكنيسة القبطية الاشتراك مع الهرطقة والاعتراف بقرارات مجمع خلقيدونية، وأبت الاعتراف بسلطة بطاركة الأروام الذين كان القيصر يعيّنهم على الكرسي السكندري.. واشتركت الكنيسة الحبشية مع أمها القبطية في ذلك، ورفضت رسامة مطارنتها بيد غير الأقباط الأرثوذكس ولا تزال على هذا الرأي إلى يومنا هذا.
بعد نياحة البابا ديوسقوروس في منفاه نصّب الأقباط بطريركاً لهم على الكرسي السكندري البابا ثيموثاوس الثاني (أيلورس) (26)، الذي عقد مجمع بالإسكندرية حرم فيهما مجمع خلقيدونية ورسالة لاون، وحرم البطريرك الخلقيدوني "بروتوريوس" الذي عيّنته الإمبراطورة على الكرسي السكندري وكل الكهنة التابعين له -والذي قام الأقباط بثورة هائلة ضده، أقمعتها جنود الرومان، وأستشهد فيها الآلاف من الأقباط معظمهم من الأساقفة والكهنة والرهبان ومن بينهم القديس مكاريوس أسقف إدكو- وتبرأ من شركة كنيسة رومية، والقسطنطينية (التي انحازت للخلقيدونيين بتأثير مركيان قيصر وبوليكاريا امرأته) وأنطاكية (التي كانت في أول أمرها منحازة للمذهب الخلقيدوني).
ثم عقد البابا تيموثاوس أيلورس مجمعاً آخر بالقسطنطينية عام 468م -بمساعدة القيصر الأرثوذكسي باسيليسكوس- بلغ عدد أعضائه 500 أسقف يتقدمهم البابا السكندري وحكم فيه ثانية بحرم مجمع خلقيدونية ولاون وطومس وأصدر منشوراً عاماً يقرّ بوحدة طبيعة المسيح ووجوب التمسّك بالإيمان النيقاوي الذي ثبتته ثلاثة مجامع مسكونية بالقسطنطينية وأفسس الأول وأفسس الثاني، وقد وقّع عليه ثيموثاوس السكندري وبطرس الأنطاكي وبولس الأفسسي وأنسطاسيوس الأورشليمي وأساقفة آسيا الصغرى والشرق، أما أكاكيوس بطريرك القسطنطينية فقد تردد في التوقيع.
وفي عهد البابا السكندري بطرس الثالث (منغوس) (27) عقد مجمعاً بالقسطنطينية عام 481م - بمساعدة الملك البار الأرثوذكسي زينون- لقبول شركة القسطنطينية بعد التحقق من توبة البطريرك أكاكيوس، واتفقا معاً على الإتحاد، ووقعا على "كتاب الإتحاد" المعروف باسم "هيوتيكون"، وحُكم فيه بحرم تعاليم آريوس ونسطور وأوطاخي وطومس لاون ومجمع خلقيدونية، وأُثبتت بنود كيرلس، وأُيدت مجامع نيقية والقسطنطينية وأفسس، ووقّع عليها البابا بطرس منغوس السكندري وبطرس القصّار بطريرك أنطاكية وأكاكيوس بطريرك القسطنطينية.
وقاوم فيلكس أسقف رومية مشروع الإتحاد، وعقد مجمعاً عام 484م حرم فيه البابا بطرس السكندري وأكاكيوس، فحرماه هما الاثنان بدورهما من شركتهما.
ثم في عهد أوفيميوس بطريرك القسطنطينية الذي كان على مذهب الملكيين، قطع هذا العلاقات الأرثوذكسية مع البابا بطرس السكندري.. فكان الذين اتحدوا مع باباوات الإسكندرية جهاراً من بطاركة القسطنطينية هم: أكاكيوس 481م، وأفراويطاس 491م، وتيموثاوس الأول 511م، وأنتيموس 535م، وسرجيوس 608م، وثيوذوروس 666م، ويوحنا 721م.. وخلاف ذلك تقّر كنيسة القسطنطينية بالمذهب الخلقيدوني.
أما الذين سلّموا في مصر بقرارات مجمع خلقيدونية فلم يكن بينهم مصري وطني واحد، ولكن جميعهم كانوا من الفئة اليونانية (الروم – الإغريق) القاطنة بمصر- وهي الفئة التي كانت تروّج بهذه البلاد لكل بدعة يبعثها إلينا الغرب، ولا ريب أن الطائفة الآريوسية التي شغلت الكنيسة القبطية مثلاً كانت بالضرورة يونانية.. بينما أن الشعب الأرثوذكسي الذي كان يسميه أعداؤه بالسابليين أو فيما بعد بالأوطاخيين كان بالضرورة وطنياً، وهذه الطائفة الوطنية الأرثوذكسية أو إن شئت قل المصرية كانت تشمل تلك الهيئة العظيمة نعني بها هيئة المتعبدين والرهبات وهؤلاء كانوا أقباطاً صميمين كما يتبيّن جليّاً من أسمائهم ومن جهلهم اللغة اليونانية وكانت تشمل أيضاً الجزء الأكبر من مسيحي الإسكندرية.. ونفس الهيئة اليونانية بمصر هي التي كدّرت سلام كنيستنا بالتسليم برأي المجمع الخلقيدوني.. وصار الأقباط من تلك الساعة يلقّبون أتباع ذلك المجمع بالسنوديين (أي المجمعيين) أو الإمبراطوريين.
كان نتيجة لهذا الانشقاق أن أضطهد قياصرة القسطنطينية الكنيسة المصرية وحاولوا بشتى الطرق أن يثنوا الكنيسة المصرية عن إيمانها ولكن باءت محاولاتهم بالفشل، فأرسلوا بطاركة من قِبلهم إلى الإسكندرية ليحلوا محل البطاركة الأقباط، وعُرف أولئك البطاركة المعيَّنين من قِبل الملوك بالبطاركة "الملكيين" وهم من أنصار معتقد مجمع خلقيدونية.. وبهذا أصبح في مصر بطريركان أحدهما يختاره الأقباط الأرثوذكس والآخر يرسله القيصر.. وكان الأقباط يرسمون بطريركهم سراً وكان لا يُسمح لهم بدخول الإسكندرية.. وظل الحال على هذا الوضع حتى سقوط الإمبراطورية الرومانية ودخول العرب مصر.
وقد أطلق خطأ بعض المؤرخون على الأرثوذكس المصريين لقب "يعاقبه" قائلين أن ذلك نسبة إلى "يعقوب" تلميذ البابا ديوسقوروس الذي أرسله إلى مصر عقب نفيه بحكم مجمع خلقيدونية لكي يثبّت الأقباط على معتقد الطبيعة الواحدة، وعلل البعض الآخر سبب هذه التسمية نسبة إلى "يعقوب البرادعي" الذي رُسم أسقفاً سنة 541م على إقليم أديسا إسمياً فقط لأنه كان كمرسَل يجول في أنحاء الولايات الرومانية لكي يضم سكانها إلى حظيرة الكنيسة المصرية.. وسواء صح هذا التعليل أو ذاك فإنه من الخطأ أن يطلَق على الأقباط المصريين هذه التسمية.

وتعترف الكنائس الغير خلقيدونية وهي الكنيسة القبطية ومن تبعها بثلاثة مجامع مسكونية فقط هي نيقية 325م، والقسطنطينية 381م، وأفسس 431م -وهي التي تعترف بها جميع الكنائس الشرقية والغربية (كما تعترف بقانونية مجمع أفسس الثاني 449م، إلا أنها لا ترفعه إلى درجة المجمع المسكوني حيث لا تنطبق عليه كل شروط المجمع المسكوني).. بينما تعترف الكنائس الخلقيدونية وهي الكنائس الكاثوليكية والروم الأرثوذكس بسبعة مجامع مسكونية هي نيقية 325م، والقسطنطينية 381م، وأفسس 431م، وخلقيدونية 451م (حيث تضم مجمع أفسس الثاني مع أعمال مجمع خلقيدونية)، والقسطنطينية الثاني 553م (لإدانة بدعة التناسخ أو التقمُّص)، والقسطنطينية الثالث 681م (لإدانة ذوي مذهب الطبيعة الواحدة، وإقرار مذهب طبيعتين ومشيئتين للمسيح)، ونيقية الثاني 787م (لإدانة محاربي الأيقونات، وإقرار وجوب تكريم الأيقونات لا عبادتها).

ثانياً: انشقاق كنيسة رومية عن كنيسة القسطنطينية
رأينا فيما سبق كيف تدخلت الأغراض والمطامع الشخصية في التفرقة بين صفوف الكنيسة الواحدة.. رأينا مجهودات بابا روما ضد بابا الإسكندرية.. ثم نراه الآن يوجّه مجهوداته ضد بطريرك القسطنطينية وما وصل إليه من مركز مرموق أقره مجمع خلقيدونية عام 451م- الذي منح بطريرك القسطنطينية حق الزعامة والتقدم، فاحتج أسقف روما ووقف الخصمان وجهاً لوجه في نضال وشجار حول لقب "الأعظم".. واستمر التنافس بينهما على السيطرة على العالم المسيحي إلى أن تم الانفصال الإداري بينهما بعد مجمع القسطنطينية الرابع عام 869م.
ثم من جهة أخرى قام شجار آخر عنيف بين الكنيستين حول إضافة كلمة إلى قانون الإيمان (وهي كلمة "الابن" التي أضافتها كنيسة روما إلى قانون الإيمان عن الروح القدس عند القول "نعم نؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب" وهنا تضيف كنيسة روما كلمة "والابن" فيقولون المنبثق من الآب والابن!!) وهذا يخالف الإنجيل وقرارات المجامع الأولى، وكان نتيجة لهذا أن اعترضت كنيسة القسطنطينية على ذلك كما اعترضت أيضاً على بعض العادات الكنسية التي وضعتها كنيسة روما كضرورة بقاء الكهنة غير متزوجين .. وظل النزاع قائماً بين الكنيستين حتى عام 1053م حيث أصدر بابا روما حُكم الحرم على أسقف القسطنطينية، فلم يكن من هذا الأخير إلا أن أذاع على العالم أن كنيسة روما قد هرطقت.
وكان نتيجة هذا الصراع والشجار انقسام آخر في الكنيسة، فانفصلت كنيسة رومية واختصت نفسها بلقب الكنيسة الكاثوليكية (أي الجامعة) أو اللاتينية أو الغربية (على أن أول من أستعمل لفظ كاثوليك للدعوة لتأييد الكنيسة مقابل حركات الخروج على مفاهيمها وعقائدها أي الهرطقات هو أسقف أنطاكية القديس أغناطيوس الأنطاكي في القرن الثاني الميلادي)، انفصلت عن كنيسة القسطنطينية التي اختصت نفسها بلقب كنيسة الروم أو الكنيسة اليونانية أو البيزنطية أو الشرقية، وسمّت نفسها الكنيسة الأرثوذكسية الخلقيدونية (تمييزاً لها عن الكنائس الأرثوذكسية التي لا تعترف بمجمع خلقيدونية).
(وكنائس الروم الأرثوذكس حالياً هم 15 كنيسة بكل من القسطنطينية والإسكندرية وأنطاكيا وأورشليم واليونان وروسيا ورومانيا وبلغاريا وتشيكوسلوفاكيا وجورجيا وبولندا وقبرص وصربيا وفنلندا وألبانيا).

ثالثاً: انشقاق الكنيسة البروتستانتية عن كنيسة رومية
تطورت الأمور في الكنيسة الكاثوليكية بسبب فساد البابوية حتى انشقت عنها الكنائس البروتستانتية (أي المعارِضة).
من يقرأ التاريخ يجد أن كنيسة روما وجهت كل مجهوداتها نحو السياسة والسيطرة على الأباطرة وإخضاعهم تحت سلطانها، فأدى هذا إلى نزاع شديد بين السلطتين الدينية والحاكمة -كان نتيجته ضعف البابوية وانحلالها.. وساعد على هذا الضعف اعتلاء كرسي البابوية أشخاص ممن لا أخلاق لهم فساءت أحوال كنيسة رومية ودب فيها الفساد، وتطرّق هذا الفساد إلى جميع الميادين الدينية في أوروبا وفسدت أيضاً الرهبنة وساءت الأحوال الدينية في الكنيسة إكليروساً وشعباً.
وقد قامت عدة محاولات تدعو إلى إصلاح حالة الكنيسة الكاثوليكية، ولكن بكل أسف نرى أن بعض هذه المحاولات قد حادت هي الأخرى عن جادة الصواب..
ويمكننا أن نلخّص هنا المحاولات التي قامت في ثلاثة فئات:
1- بعض المصلحين رأوا أن خير وسيلة للإصلاح هي البدء بحياتهم الشخصية حتى يصبحوا مثالاً صالحاً فيرى الناس أعمالهم الصالحة فيمجدوا الله في السماء فعاهدوا أنفسهم أن يحيوا حياة التضحية والتأثير في الآخرين بمثلهم الصالح، ومن هذه الفئة "توما الكمبيسي" الذي وضع كتاب (الإقتداء بالمسيح)..
2- وهناك فريق آخر أراد الإصلاح بأن شهَّر بمساوئ العصر، ولكنه ظل خاضعاً لسلطة البابا ولنظم الكنيسة..
3- أما الفريق الثالث فقد انحرف في تعاليمه فأنكر سلطة البابوية، وأنكر العقائد والتقاليد، واعتبر الكتاب المقدس هو المرجع الوحيد لكل العقائد والتعاليم الكنسية ومنهم "جون ويكلف" في إنجلترا و"جون هوس" في بوهيميا، وقد ظهر هذان الاثنان في القرن الرابع عشر.. وقد نسج على منوالهما "مارتن لوثر" الراهب الألماني في القرن السادس عشر، وهو الذي انشق عن الكنيسة الكاثوليكية وكوّن الكنيسة البروتستانتية..
عندما ساءت أحوال الكنيسة الكاثوليكية أصبح الرهبان طبقة ممقوتة فتحولت مثلهم من ترك العالم بما فيه من أجل عشرة الرب الصافية إلى أن أصبح كل من يئس من الحياة أو أراد الهروب من المسئولية لجأ إلى الأديرة - على أنه لم تُحرم الأديرة من وجود من هو متمسك بالبر والصلاح.. وفي وسط هذا الجو وجد الراهب لوثر وكان قد أحس بثقل الناموس الإلهي على ضميره وضاق ذراعه بالجهاد الروحي فكان ذلك مدعاة أن يقنع نفسه بأن الإنسان لا يتبرر بالجهاد الروحي ولا بترك العالم بل بالإيمان فقط وقد نسى أو تناسى ما قاله بطرس الرسول: "إن كان البار بالجهد يخلُص فالفاجر والخاطئ أين يظهران") 1بط18:4)، أما السبب المباشر الذي دعا مارتن لوثر على ترك الرهبنة وشق عصا الطاعة والخروج عن الكنيسة الكاثوليكية ليؤسس الكنيسة البروتستانتية فكان هو "صكوك الغفران" (فقد اعتقد الكاثوليك أن الإنسان لابد أن ينال جزاء ما فعله من شر في حياته، فإما أن يكون هذا الجزاء في الدنيا أو بعد الموت حيث يُطهَّر الإنسان من شره بعد الموت بعقابه فترة من الزمان -وتُعرف عندهم (بالمطهَر)، وهي بدعة يرفضها الأرثوذكس- ثم بعدها يذهب الإنسان للحياة الأبدية)، ثم أعطى باباوات روما لأنفسهم الحق في منح الناس صكوك غفران لتقصير مدة المطهر مقابل مبالغ من المال)، فأعلن لوثر -الذي كان في هذه الأثناء أستاذاً لعلوم الدين في جامعة ويتنبرج بألمانيا وراعياً لكنيستها- معارضته للبابا وأن البابوية ليست ذات مصدر إلهي.. وقد حرمت الكنيسة الكاثوليكية مارتن لوثر عام 1521م.
وقد عضد الناس لوثر وانضموا إلى صفوفه مدفوعين بعوامل مختلفة منها: كراهيتهم وتذمرهم من الضرائب التي فرضها عليهم البابا، وتوقع الفلاحون أن هذه الحرية المسيحية التي نادى بها لوثر قد تكون وسيلة لإعتاقهم من أغلال العبودية، والتحمس لهدم كل الأشياء في النظم القديمة وخلق عالم جديد يتمشّى مع عصر النهضة الحديثة..
واتخذ مارتن لوثر ثلاثة وسائل لجذب الناس إلى معتقده :أولها نشر كتاب حرّض فيه الأمراء على اختلاس أوقاف الأديرة وتحويل الأديرة إلى مدارس ومستشفيات عقلية، وبهذا جذب الأمراء إلى جانبه.. وثانيها التصريح لحاكم "هيش" بالزواج من إحدى النساء التي هام بها رغم أن زوجته حية، فصارت له زوجتان معاً وبهذا كسب وده فصرح له بإقامة شعائره الجديدة.. وثالثها أنه لكي يستميل الكهنة والرهبان -الذين ضاقوا ذرعاً بالرهبنة- جعل نفسه نموذجاً لهم فأفسد بكورية راهبة تدعى "كاثرين" ثم تزوجها وهو الراهب!! فأهان الإسكيم الملائكي وتزوج، كما أساء إلى أبوة الكهنوت حيث كان كاهنا،ً ثم عاش مع زوجته في البناء الذي كان قبلاً ديراً له!! حتى مرض بالفالج وتوفى عام 1546م.
رابعاً: انشقاق المذاهب البروتستانتية الأخرى
كان نتيجة لروح الانشقاق هذه التي سادت الكنائس أن تفشّت الفوضى وأصبح كل فرد لا يعجبه نظام الكنيسة التابع لها ينشق عنها مكوناً كنيسة جديدة باسمه، وهكذا قد جنحت الكنائس البروتستانتية إلى التعدد شيعاً وطوائف تحصى بالمئات.. وسنقتصر هنا على سرد تاريخ انشقاق بعضها..
الكنيسة الكالفينية: نسبة إلى مؤسسها "جون كالفن" (1509-1564م) الذي كان كاثوليكياً ثم اتصل بالبروتستانت وأصبح زعيم البروتستانتية في باريس ثم أصبح راعياً للكنيسة البروتستانتية في جنيف بعد أن أدخل عدة تعديلات عليها.
الكنيسة الأنجليكانية أو (الأسقفية): وقد كانت تابعة للكنيسة الكاثوليكية ثم انفصلت عنها عام 1534م، وقد مهد لهذا الانفصال "جون ويكلف" أما السبب المباشر فهو توبيخ بابا روما للملك هنري الثامن ملك إنجلترا فأعلن انفصال كنيسة إنجلترا رسمياً.. هذه الكنيسة رفضت سلطة البابا عليها- على أن تحتفظ بطابعها الكاثوليكي والطقوس والتقاليد القديمة بعد تنقيتها .. وتؤمن هذه الكنيسة بثلاثة أسرار بدلاً من سبعة هي المعمودية والإفخارستيا والكهنوت.. وهذه الكنيسة نشأت أولاً في إنجلترا ثم حملوها معهم إلى المستعمرات التي أنشئوها في أمريكا وكندا وأستراليا.
الطهوريون: وهم جماعة من متطرفي البروتستانت راعوا الصرامة والتزمّت في حياة الطهر، وهم متصوفون مدققين في الدين.
الانفصاليون أو الاستقلاليون: وهم جماعة رأت أن تتألف الكنائس من جماعات مسيحية تختار رعاتها وتكون حرة في أداء شعائر العبادة بدون تدخل من الدولة أو أي سلطة كنسية مركزية.
المعمدانيون: وهم طائفة من الاستقلاليين رأوا أن يعمد الناس كباراً بعد أن يبلغوا سن الرشد، وقد أسسها "يوحنا بنيان".
الأرمينوسيون: وقد أسسها شخص يدعى "يعقوب أرمينيوس" راعي كنيسة هولندا عام 1600م.
الأسفانكفيلديون: وقد أسسها شخص يدعى "غاباروس أسفانكفيلديوس" عام 1651م بأمريكا.
الراسكولنك أو (المنشقّين): وقد أسسها بعض الروسيين المتعصبين عام 1666م.
الكويكرس (المرتعدين): التي أسسها "جوارجيوس فكس" عام 1690م.
المثوديست أو (الطريق والنظام): وقد أسسها شخص يدعى "جون وسلي" عام 1726م.
المانونيت (معيدي المعمودية): وقد أسسها "مينون" الكاهن اللاتيني.
الأدفنتست أو) السبتيين): التي أسسها "ويليام ميلر" عام 1831م بأمريكا.
الظالدربيون أو (إخوة بلايموس): وقد أسسها الواعظ الأنجليكاني "دربي" عام 1840م في مدينة إخوة بلايموس الإنجليزية.
شهود يهوه: التي أسسها "تشارلس رصل" عام 1871م بأمريكا، وهي متأثرة بتعاليم الأدفنتست و تعاليم آريوس القديمة حتى أن البروتستانت يلقبونها بـ "الآريوسية الجديدة"، وتحمل فكراً يهودياً صهيونياً.
وهناك طوائف أخرى عديدة يعسر علينا سردها واحدة فواحدة منها الإصلاح، وكنيسة الله، وخلاص النفوس،. . . الخ

الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية
رأينا فيما سبق كيف تطورت الطوائف في الغرب بانشقاق الكنيسة الكاثوليكية عن الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، ثم الانشقاق البروتستانتي عن الكاثوليكي وما تبعه من انشقاقات أخرى.. والآن نلقي لمحة على تاريخ بعض كنائس الشرق..
الكنيسة القبطية (صخرة الإيمان الأرثوذكسي):
في مصر.. فنحن الأقباط سلالة الفراعنة، وقد بشّرنا الرسول مرقس الإنجيلي وظلت كنيستنا متمسكة بنفس التقاليد والعقائد والطقوس التي تسلمتها على ممر الأجيال، وكان لكنيستنا موقفها المشهود ضد الهرطقات والبدع التي ظهرت في العصور الأولى، فقادت المجامع المسكونية الأولى، وبفضل بطاركتها العلماء أمثال أثناسيوس وكيرلس وديسقوروس عُقد للعقيدة الأرثوذكسية الثبات رغم الهزّات العنيفة التي سببتها هذه الهرطقات.. وبدأ انشقاق الكنائس الأخرى تلو بعضها بعد انفصالها عن معتقد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية..
وحقاً قال الوحي الإلهي " في ذلك اليوم يكون مذبح للرب في وسط أرض مصر وعمود للرب عند تخمها.. مبارك شعبي مصر" (أش 19: 19، 25).
الكنيسة الحبشية:
في الحبشة (أثيوبيا).. وقد بشر فيلبس المبشِّر الخصي الحبشي وزير كنداكهملكة الحبشة وعمده حوالي عام 37م (أع26:8-40).. ويقال أن أول من بشر في بلاد الحبشة هو متى الرسول.. على أن انتشار المسيحية فيها يرجع الفضل فيه إلى "فرومنتوس" أول أسقف على الحبشة في القرن الرابع، وقد قام برسامته البابا السكندري أثناسيوس الرسولي.. وقد جرت العادة على أن يرسَل إلى الحبشة أساقفة مصريين حتى عهد قريب، ثم رُسم مطارنة وأساقفة من الأحباش، وفي عهد المتنيح البابا كيرلس السادس (116) رسم للأحباش بطريرك (جاثليق) طبقاً للإتفاقية المبرمة بين الكنيستين ثم استقلت بعد ذلك.

الكنيسة السريانية:
وهم القاطنين بين النهرين وشمال العراق وسوريا.. وقد آمنوا في القرن الأول الميلادي.. وكانوا خاضعين للكرسي الأنطاكي، ومنذ مجمع خلقيدونية انفصلوا عنه تابعين معتَقد الكنيسة القبطية في الطبيعة الواحدة .. وقد عُرف السريان كطائفة مستقلة منذ القرن السابع الميلادي.. وفي القرن الثاني عشر انقسمت كنيسة السريان إلى ثلاث شيع فضعف شأنها حتى أن بعضهم انضم إلى كنيسة روما.. ولذلك تجد بينهم اليوم كنيسة للسريان الكاثوليك.

الكنيسة الأرمنية:
هم سكان أرمينيا بالأناضول (الأناضول هو شبه جزيرة جبلية في غرب آسيا يشمل الجزء الآسيوي الأكبر من تركيا، ما يُعرف بآسيا الصغرى).. وقد بشّرهم تدّاوس وبرثولماوس الرسولين.. وقد اعتنق ملكهم المسيحية في القرن الرابع، وكانت تابعة لكرسي القسطنطينية (الكنيسة اليونانية)، وفي القرن السابع انفصلت عنها.

الكنيسة المارونية (نسبة للقديس مارون):
في لبنان، وقد كانوا فئة من فئات السريان الثلاثة السابق ذكرهم وقد كانوا تابعين للكرسي الأنطاكي في القرن الأول ثم انفصلوا عنه أيضاً بسبب مشكلة الطبيعة والطبيعتين.
ولكن أخيراً انضموا إلى الكاثوليك فأصبحوا طائفة كاثوليكية.

تاريخ دخول الكاثوليك والبروتستانت إلى مصر(الإرساليات)
لعله من أهم واجبات الكنيسة التبشير.. ولذلك إذا قرأنا كتب التاريخ نجد أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية قامت بعدة إرساليات لتبشير الوثنيين في أوروبا وبريطانيا وأسسوا هناك كنائس وأُخذت عنهم أنظمة الرهبنة،، وبينما كان غرض الأقباط من بعثاتهم الدينية تبشير الوثنيين لم يكن للمرسَلين الأجانب الذين أتوا إلى مصر من غرض سوى تحويل الأقباط الأرثوذكس إلى مذهبهم.

الكاثوليك في مصر:
منذ القرن السابع عشر الميلادي يحاول بابا روما إرسال رهبان كاثوليك إلى مصر لنشر هذا المذهب.. وعندما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر زاد عدد المتمذهبين بالكاثوليكية زيادة طفيفة.
وفي عهد محمد علي باشا كان للفرنسيين نفوذ عظيم في مصر، وعن طريقه أُرغم المعلم غالي (وكان صاحب المقام الأعلى) على الكـثـلكة بشرط أن لا يُكرَه على تغيير طقوس الكنيسة القبطية وعوائدها الشرقية - على أن يكون مثلاً يقتدي به بقية الأقباط بشرط ألا يُكرَهوا على تغيير طقوسهم وعقائدهم الشرقية.. ومن ذلك الحين وُجدت طائفة الأقباط الكاثوليك التابعين لبابا روما، وأُقيم أول بطريرك لهم عام 1899م.

البروتستانتية في مصر:
بدأ دخول البروتستانت مصر في منتصف القرن التاسع عشر عندما جاء أحد البروتستانت ويُدعى "لانش" الأمريكي وأقام بالإسكندرية.. ثم لحقه مرسل من اسكتلندا يُدعى "يوحنا هوج"، وبعد فترة من الزمان جاء إلى القاهرة عام 1862م، ثم استقر يوحنا هوج في أسيوط منذ عام 1865م وبدأ عمله التبشيري.

وأخيراً بعد دراسة تاريخ الانشقاق المؤلم نطلب إلى الله مع القديس إغريغوريوس الثيئولوغوس (الناطق بالإلهيات): "نعم أيها المسيح إلهنا ثبِّت أساس الكنيسة.. وحدانية القلب فلتتأصل فينا .. لتنقضي إفتراقات البيعة . . حل تعاظم أهل البدع.. ونحن كلنا احسبنا في وحدانية التقوى" (من صلوات القداس الغريغوري).
الله قادر أن يوحِّد الكنيسة فتكون بحق "كنيسة واحدة مقدسة مستقيمة جامعة رسولية".
له كل مجد وعظمة وسلطان من الآن وإلى الأبد أمين

warsbut
23-01-2007, 12:34 PM
محاولات جادة بالقرن العشرين من أجل توحيد الكنيسة
وجهود البابا شنوده الثالث بطريرك الإسكندرية والكرازة المرقسية (117) في ذلك
وحدة الإيمان في الكنائس هي محاولة جادة لإصلاح ما فعلته المجامع الأخيرة، ولرأب الصدع وعودة الكنائس المتباعدة منذ قرون...
عملاً بالوصية: "احترزوا إذاً لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه" (أع 20 : 28)، لتكون "رعية واحدة، وراع واحد (المسيح)" (يو 10: 16).
أولاً: الحوار مع الكنائس الأرثوذكسية الشرقية (الروم الأرثوذكس):-

بدأ بصورة غير رسمية عام 1964 في جامعة أرهوس بالدانمرك - بإشراف مجلس الكنائس العالمي، وعقدت الدورة الثانية عام 1967 في برستول بإنجلترا، ثم عام 1970 في جنيف بسويسرا، ثم عام 1971 في أديس أبابا بأثيوبيا.
وفي عام 1985 بدأ الحوار بصورة رسمية برعاية قداسة البابا شنوده الثالث (ممثلاً عن كنائس الأرثوذكس الغير خلقيدونييين، وهم الكنيسة القبطية ومعها الحبشية والإريترية، والكنيسة السريانية ومعها الهندية، والكنيسة الأرمنية) والبابا ديمتريوس بطريرك القسطنطينية (ممثلاً عن كنائس الروم الأرثوذكس الخلقيدونيين المنتشرة بالعديد من بلاد العالم، وتطلق بطريركية القسطنطينية على بطريركها لقب بطريرك المسكونة) واستمر مع البابا برثولماوس، حيث تم تشكيل لجنة عامة للحوار مكونة من 20 عضو ولجنة فرعية للحوار اللاهوتي مكونة من 6 أعضاء، وعقدت اللجنة العامة اجتماعها في سويسرا، وتم الاتفاق على أن يكون الموضوع الرئيسي للبحث هو "نحو كريستولوجية مشتركة".
وفي عام 1987تم وضع الاتفاق اللاهوتي الرسمي الأول حول طبيعة السيد المسيح، على أساس تعليم القديس كيرلس الكبير الذي دافع عن الوحدانية في طبيعة الله الكلمة المتجسد وفي شخصه والذي أعتبر الاعتراف بلقب والدة الإله (ثيئوطوكوس) هو أحد البراهين الرئيسية على أرثوذكسية التعليم، وكان قد وقع عليه في هذا العام أصحاب القداسة البابا شنوده الثالث بطريرك الإسكندرية للأقباط الأرثوذكس، ومار أغناطيوس زكا عيواص بطريرك أنطاكية للسريان الأرثوذكس، والبطريرك برثينيوس بطريرك الإسكندرية للروم الأرثوذكس، والبطريرك أغناطيوس الرابع بطريرك أنطاكية للروم الأرثوذكس، والكاثوليكوس كراكين الثاني بطريرك الأرمن الأرثوذكس، الذين اجتمعوا في دير الأنبا بيشوي بوادي النطرون قبيل اجتماع اللجنة التنفيذية لمجلس كنائس الشرق الأوسط، وقد عرض على اللجنة العامة للحوار في اجتماعها في 24 يونيو 1989 بدير الأنبا بيشوي برعاية قداسة البابا شنوده الثالث، حيث تمت الموافقة عليه.. وبذلك تم إنهاء خلاف دام نحو خمسة عشر قرناً.. وفي هذا الاجتماع تم اختيار المطران دامسكينوس (مطران سويسرا للروم الأرثوذكس) رئيساً للجنة، والمطران الأنبا بيشوي (مطران دمياط من الكنيسة القبطية) رئيساً مشاركاً
وفي اجتماع اللجنة العامة في الفترة من 23 إلى 28 سبتمبر 1990 في المركز الأرثوذكسي للبطريركية المسكونية في شامبيزي بجنيف بسويسرا تم اتفاق بُنيَّ على الاتفاق السابق، وقد نص على رفع الحروم بين العائلتين وبحث سبل التعاون بين كنائس العائلتين في المسائل الرعوية (التي سبقت أن درستها لجنة فرعية اجتمعت بدير الأنبا بيشوي في الفترة من 31 يناير إلى 4 فبراير 1990).. وتم إرسال الاتفاق إلى المجامع المقدسة للكنائس الأعضاء لاتخاذ قراراتها بهذا الشأن.
وفي اجتماع اللجنة المشتركة للحوار اللاهوتي بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنائس الأرثوذكسية الشرقية في المركز الأرثوذكسي في شامبيزى من 1إلى 6 نوفمبر 1993 - تبعاً للتفويض الموكل إليهم من كنائسهم- للنظر في إجراءات الشركة الكاملة، التقى الممثلون الرسميون لعائلتي الكنيستين الأرثوذكسيتين ومستشاروهم في جو من الصلاة والمحبة المسيحية الأخوية الدافئة والقلبية، ولقد عاشوا كرم ضيافة البطريرك برثولماوس الأول من خلال نيافة الأنبا دامسكينوس في المركز الأرثوذكسي للبطريركية المسكونية بسويسرا، وقد أتى المشاركون الثلاثون من ألبانيا وأستراليا وقبرص وتشيك ومصر وأثيوبيا وفنلندا واليونان والهند ولبنان وبولندا ورومانيا وروسيا وسويسرا وسوريا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.
ولقد أشترك في رئاسة اللقاءات المكتملة العضوية للجنة المشتركة نيافة الأنبا دامسكينوس مطران سويسرا نيافة الأنبا بيشوي مطران دمياط، ولقد شرح الأنبا دامسكينوس في مقاله الافتتاحي الإجراءات التي يجب أتباعها وأكد أن:
"اللقاء الحالي للجنة اللاهوتية المشتركة المكتملة للحوار بين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنائس الأرثوذكسية الشرقية ذو أهمية قصوى، ليس فقط من أجل تقييم صحيح للعمل اللاهوتي التاريخي للجنة الذي تم تحقيقه بالفعل في الاجتماعات السابقة وإنما أيضاً لتسهيل الإجراءات الكنسية اللازمة لإعادة الشركة الكاملة".
وبعد اللقاء الافتتاحي اجتمع كل من الطرفين على حدة لدراسة الأوراق التي تم تحضيرها في الموضوعات الآتية:
* ما هي السلطة الكنسية القادرة على رفع الحرومات الكنسية في كل من الطرفين، وما هي مستلزمات إعادة الشركة الكنسية؟
* أي من الحرومات لأي المجامع أو الأشخاص يمكن أن ترفع، وفقاً للاقتراح الوارد في الفقرة العاشرة من نص الاتفاق المشترك الثاني؟
* ما هو الإجراء الكنسي القانوني الذي سيتخذه كل من الطرفين لرفع الحرومات وإعادة الشركة للكنيسة في واقع حياة كنائسنا؟
* كيف يمكن أن نفهم وننفّذ إعادة الشركة الكنسية في واقع حياة كنائسنا؟
* ما هي النتائج القانونية والليتورجية للشركة الكاملة؟
ولقد تم إصدار تقريرين وتم تقديمهم للاجتماع العام للإيضاح والمناقشة في اليوم الثالث، وكنتيجة لهذه المناقشات قدم الأرثوذكس الشرقيون وثيقة رد فتحت الطريق أمام مناقشات أخرى في الاجتماع، وتم تشكيل لجنة صياغة مكوّنة من نيافة الأنبا بيشوي مطران دمياط ونيافة الأنبا غريغوريوس يوحنا إبراهيم أسقف حلب والأنبا مسروب كريكوريان من الجانب الأرثوذكسي، والأستاذ يوحنا رومانديس والأب جورج دراجاس وفلاسيوس فيداس من الجانب الأرثوذكسي الشرقي- الذين تم تعيينهم لتحضير الاقتراحات المقدّمة من الكنيستين لرفع الحرومات من الجانبين وإعادة الاتصال الكامل بينهم
وفيما يلي نص هذه الاقتراحات التي تم التصديق الكامل عليها بدون استثناء:-
في ضوء هذا الاتفاق المشترك عن طبيعة السيد المسيح الذي تم في دير الأنبا بيشوي عام 1989 والاتفاق المشترك الثاني في شامبيزى عام 1990 فقد وافق ممثلو العائلتين على أن رفع الحرومات والإدانات الماضية يمكن أن يتحقق على أساس الاعتراف المشترك بحقيقة أن المجامع والآباء الذين تم حرمانهم أو إدانتهم في الماضي هم أرثوذكسيون من جهة تعاليمهم، وفي ضوء الأربعة مؤتمرات غير الرسمية في 1964 و 1967و 1970 و 1971 والاجتماعات الثلاثة الرسمية في 1985 , 1989 , 1990
1 - فهمنا أن كلاً من العائلتين قد حافظت بإخلاص على العقيدة الأرثوذكسية عن طبيعة السيد المسيح، والاستمرار غير المنقطع للتقليد الرسولي - بالرغم من أنهم قد استخدموا المصطلحات اللاهوتية حول السيد المسيح بطرق مختلفة.
2 - يجب أن يتم رفع الحرومات بالإجماع في وقت واحد بواسطة رؤساء الكنائس من الطرفين عن طريق توقيع قرار كنسي مناسب يتضمن اعتراف كل من الطرفين أن الطرف الآخر أرثوذكسي من كل الوجوه.
3 - يجب أن يتضمن رفع الحرومات ما يلي:
* أن يتم إعادة الشركة الكاملة بين الطرفين فوراً.
* أن أياً من الإدانات والحرومات السابقة سواء كانت مجمعية أو شخصية لم تعد سارية فيما بعد.
* أن يتم الاتفاق على بيان بقائمة رؤساء الكنائس حتى يُستخدم في الليتورجية.
4 - وفي نفس الوقت يجب اتخاذ هذه الخطوات العملية:
* يجب أن تستكمل اللجنة الفرعية المشتركة للأمور الرعوية مهمتها ذات الأهمية الكبرى وفقاً لما تم الاتفاق عليه في اجتماع اللجنة المشتركة في 1990.
* أن يزور رئيسا اللجنة المشتركة رؤساء الكنائس لإطلاعهم على المعلومات الكاملة عن نتائج الحوار.
* أن يتم تعيين لجنة ليتورجية فرعية من الطرفين لدراسة النواحي الليتورجية الناتجة عن إعادة الشركة ولتقديم الاقتراحات المناسبة الخاصة بطقوس الصلوات.
* سوف تُترَك الأمور الخاصة بالإدارة الكنسية لتدبيرها بمعرفة السلطات الكنسية المحلية وفق قانونية ومجمعية عامة .
* أن يقوم رئيسا وسكرتيرا اللجنة المشتركة بإجراءات نحو إصدار المطبوعات المناسبة لشرح الفهم المشترك للإيمان ألأرثوذكسي- الذي قادنا إلى التغلب على الانقسامات الماضية، وأيضاً لتنسيق عمل اللجان الفرعية الأخرى.

ثانياً: الحوار مع الكنيسة الكاثوليكية:-
بدأ في سنة 1971 من خلال اللقاءات التي دعت إليها مؤسسة برو أورينتا "نحو الشرق" في النمسا، وحضر اللقاء الأول قداسة البابا شنوده الثالث (وكان وقتها أسقف التعليم والمعاهد الدينية)، وصدرت عن هذا اللقاء وثيقة كانت النواة للوثائق التي وقعت فيما بعد حول الاتفاق بين الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية بشأن طبيعة السيد المسيح، وجاء في هذه الوثيقة: "إننا نؤمن بأن ربنا ومخلصنا يسوع المسيح هو الله الابن المتجسد، تام في لاهوته وتام في ناسوته، لم يكن لاهوته منفصلاً عن ناسوته لحظة واحدة ولا لمحة بصر، وأن ناسوته واحد مع لاهوته دون اختلاط ولا امتزاج ولا انقسام ولا انفصال، فنحن في إيماننا المشترك بربنا الواحد يسوع المسيح نعتبر سره الفائق الوصف واللا متناهي، ويعجز العقل البشرى عن استيعابه".
وتواصلت الحوارات مع مؤسسة برو أورينتا، حيث عقد اللقاء الثاني في عام 1973، والثالث عام 1976، والرابع عام 1978، والخامس عام 1988 .
ومن جهة أخرى قام الكاردينال كويننج (رئيس أساقفة النمسا السابق ومؤسس جماعة برو أورينتا بالنمسا) بعدة زيارات لمصر، وقام بزيارة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عام 1975 حيث التقى بقداسة البابا شنوده والذي أصطحبه في زيارة للمتحف القبطي ودير أبو سيفين بمصر القديمة. كما احتفلت نفس المؤسسة عام 1991 بمرور 20 عام على بدأ الحوار مع الكنائس الأرثوذكسية الشرقية، وأقيم هذا الاحتفال في ضيافة البابا شنوده بدير الأنبا بيشوي بوادي النطرون.
الحوار مع الفاتيكان (كنيسة رومية)
بدأ هذا الحوار بصفة رسمية في أعقاب الزيارة التي قام بها قداسة البابا شنوده الثالث إلى روما في مايو عام 1973، حيث التقى بقداسة البابا الراحل بولس السادس، وتعد هذه الزيارة أول زيارة يقوم بها بطريرك قبطي أرثوذكسي للفاتيكان. وفي اللقاء عقدت جلسة مباحثات موسعة تحدث فيها البابا بولس السادس عن أمله في أن يكون هذا اللقاء نقطة انطلاق لعمل مشترك ومثمر من أجل الوحدة الكنسية، ورد البابا شنوده بكلمة جاء فيها "إنكم حينما تزورون بلادنا الجميلة مصر ذات التاريخ العريق المجيد ستشاهدون كنائسنا القديمة وآثار أجدادنا". وفي يوم 6 مايو أشترك الاثنان في الصلاة التي أقيمت بكاتدرائية القديس بطرس بالفاتيكان. وفي هذه الزيارة تسلم قداسة البابا شنودة الثالث رفات القديس أثناسيوس الرسولي- البطريرك القبطي العشرين، بعد أن بعد أن ظل في روما قرابة 16 قرنا. وفي ختام الزيارة صدر بيان مشترك، كما تم تشكيل لجنة مشتركة بين الكنيستين...
عقد أول اجتماع للجنة المشتركة في الفترة من 16 إلى 20 مارس 1974 بالقاهرة، وذلك بالمقر البابوي بالأنبا رويس، وافتتح الاجتماع قداسة البابا شنوده الثالث في حضور بطريرك الأقباط الكاثوليك الراحل الكاردينال إسطفانوس الأول وأيضاً سفير الفاتيكان في مصر. وجاء في البيان الختامي للاجتماع أن التعاون المشترك يعاون على الاختلافات القائمة بين الكنيستين في روح المحبة والاحترام المتبادل، كما يمكن الشهادة للإنجيل بالوسائل التي تتطابق مع الرسالة واحتياجات العالم وتطلعاته، ووضح البيان أن اللجنة خطت خطوة هامة في التعبير عن مفهوم واحد للمسيح الله المتجسد.
وتوالت اجتماعات اللجنة بالقاهرة حيث عقد الاجتماع الثاني في الفترة من 26 إلى 31 أكتوبر 1974، وتم فيه البحث في أسس الوحدة المنشودة التي تقوم على وحدة الإيمان والتقليد والحياة الكنسية كما كانت عليه قبل انعقاد مجمع خلقيدونية (451م)، وطلبت اللجنة إعداد عدة دراسات في هذا الصدد.
وتم استكمال مناقشة هذا الموضوع في الاجتماع الثالث الذي عقد في الفترة من 27 أكتوبر إلى أول نوفمبر 1975.
وفي الاجتماع الرابع تم بحث دور المجامع المسكونية والأسرار وعلاقتها بالكنيسة وسر الخلاص، إلى جانب بحث بعض المبادئ العامة المتعلقة بالعلاقات بين الكنيستين. هذا وقد تم وضع بروتوكول للحوار المسكوني بين الكنيستين الكاثوليكية والقبطية الأرثوذكسية، ووقع عليه قداسة البابا الراحل يوحنا بولس وقداسة البابا شنوده الثالث.
وفي 12 فبراير 1988 اجتمعت اللجنة المشتركة للحوار اللاهوتي بين الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة القبطية في دير الأنبا بيشوي بوادي النطرون بمصر.. وقد افتتح قداسة البابا شنوده الثالث هذا الاجتماع بالصلاة، واشترك فيه المونسنيور جيوفياني مورتي القاصد الرسولي بمصر والأب دويريه السكرتير بسكرتارية الوحدة المسيحية للفاتيكان ممثلين لقداسة البابا يوحنا بولس الثاني ومؤهَّلين من قداسته للتوقيع على هذا الاتفاق.
وقيل فيه: "قد سرّنا اللقاء التاريخي الذي تم في الفاتيكان في مايو سنة 1973 بين قداسة البابا بولس وقداسة البابا شنوده الثالث، وكان أول لقاء بين الكنيستين منذ أكثر من 15 قرناً، ووجدنا اتفاقا بيننا في كثير من النقاط الإيمانية، كما تقرر في ذلك اللقاء تكوين لجنة مشتركة لبحث نقط الخلاف العقائدية والإيمانية بين الكنيستين بهدف التوصل إلى الوحدة الكنسية. وكان قد حدث اجتماع في فيينا في سبتمبر سنة 1971 نظمته هيئة بروأورينتا بين لاهوتي الكنيسة الكاثوليكية ولاهوتي الكنائس الأرثوذكسية الشرقية - وهي كنائس الأقباط والسريان والأرمن والأثيوبيين والهنود- ووصلوا إلى أتفاق في موضوع طبيعة السيد المسيح. ونحن نشكر الإله أننا الآن يمكننا أن نوقّع على صيغة مشتركة كما تعبّر عن اتفاقنا الرسمي بخصوص طبيعة السيد المسيح. أما باقي نقاط الخلاف فستقوم اللجنة العامة للحوار المشترك بفحصها على التوالي بمشيئة الرب" .
وتوصل الطرفان إلى اتفاق تام حول صيغة طبيعة ومشيئة السيد المسيح، نصه كالتالي:
"نؤمن بأن ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح الكلمة المتجسد، هو كامل في لاهوته وكامل في ناسوته، وجعل ناسوته واحداً مع لاهوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ولا تشويش، ولاهوته لم ينفصل عن ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين، وفي الوقت نفسه نحرم تعاليم كل من نسطور وأوطيخا"
وهذه الصيغة هي التي كان قد اقترحها قداسة البابا شنوده الثالث في الاجتماع الأول الذي عقدته مؤسسة برو أورينتا في فيينا بالنمسا والمشار إليه قبلاً.

ثالثاً: الحوار مع الكنيسة الأسقفية:-
الكنيسة الأسقفية هي كنيسة إنجلترا (الكنيسة الأنجليكانية) بعد أن فصلها الملك هنري الثامن عن الكنيسة الكاثوليكية عام 1534م، وقد تفرّعت عنها مجموعة الكنائس الأسقفية.. وتدخل الكنيسة الأسقفية ضمن عائلة الكنائس البروتستانتية.. وهي في مصر عضو في المجلس الإنجيلي العام الذي يرأسه رئيس الطائفة الإنجيلية، وإن كانت تحتفظ ظاهرياً بثلاثة أسرار كنسية هي المعمودية والإفخارستيا والكهنوت.
وقد رفضت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بعض مواقف الكنيسة الأسقفية مثل رسامة المرأة لوظيفة مطران وقسيس، وفي هذا الصدد بعث قداسة البابا شنوده الثالث برسالة إلى مؤتمر لامبث عام 1988 قدمها نيافة المطران الأنبا بيشوي- والذي شارك بصفة مراقب في أعمال المؤتمر، وفيها شرح قداسته عقيدة الكنيسة القبطية في رفض رسامة المرأة لوظيفة الكهنوت.
رابعاً: الحوار بين الكنائس الأرثوذكسية الشرقية والكنائس المصلحة:-
نذرلاند في 13 ديسمبر 1994م
تشرّف الاجتماع بحضور قداسة البابا شنوده الثالث بابا السكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وقد ألقى قداسته كلمة في الجلسة الافتتاحية وحضر بعض الجلسات الأخرى.. وكان الاتفاق حول صيغة مشتركة لطبيعة المسيح.
المقدمة:
"في بحثنا عن فهم مشترك للخلافات الكائنة بيننا حول طبيعة السيد المسيح فكرنا أنه من الملائم أن نركز على صيغة إعادة الوحدة 433، تلك الصيغة تمثّل إتفاقية توصلت إليها كل من أنطاكية والإسكندرية، وكانت لاحقة للمجمع المسكوني الثالث عام 431 م، لذلك فإنها تمدّنا بنقطة ابتداء مشتركة للطرفين، ونحن نجد أن التفسيرات الموجودة في هذه الاتفاقية تلاءم العقيدة الخاصة بطبيعة السيد المسيح في تقليد كل منا".
صيغة الاتفاقية:
"نعترف بربنا يسوع المسيح الابن الوحيد للآب الكامل في لاهوته والكامل في ناسوته المكوَّن من روح عاقلة وجسد، المولود من الآب قبل كل الدهور من الناحية اللاهوتية وكذلك في ملئ الزمان وُلد من العذراء مريم من أجل خلاصنا بحسب ناسوته، له نفس الجوهر ذاته مع الآب من حيث اللاهوت ومساوياً لنا في الجوهر من حيث الناسوت لأن إتحاداً حدث بين الطبيعتين، لذلك نعترف بمسيح واحد وابن واحد ورب واحد. وفقاً لهذا المعنى للإتحاد الغير مختلط نحن نعترف بالقديسة العذراء أنها والدة الإله، لأن الإله الكلمة تجسد وصار إنساناً ومنذ اللحظة الأولى للحمل وحد بنفسه الهيكل الذي أخذه منها، وبالنسبة للعبارات الخاصة بالرب في البشائر والرسائل نحن ندرك أن اللاهوتيين يفهمون أن بعضها عام بالنسبة لأقنوم واحد والأخرى يميزونها بأنها تتعلق بالطبيعتين، فيفسر تلك التي تلاءم الطبيعة الإلهية وفقاً للاهوت المسيح وتلك التي من النوع المتواضع وفقاً لإنسانيته" (مبنياًً على صيغة إعادة الوحدة 433) .
"إن الأربعة توصيفات المستخدَمة التي تحدد سر الإتحاد الأقنومي ترتبط بتقليدنا المشترك عن طبيعة المسيح وهي: (بغير اختلاط) - (بغير تغيير) - (بغير افتراق) - (بغير انقسام).. أولئك الذين يتكلمون منا عن طبيعتين للسيد المسيح هم محقون فيما يعملون بما أنهم بذلك لا ينكرون الوحدة غير المفترقة وغير المنقسمة، وبالمثل أولئك الذين يتكلمون منا عن طبيعة إنسانية إلهية واحدة في المسيح هم محقون فيما يقولون بما أنهم لا ينكرون الحضور الفعال والمستمر للاهوت والناسوت في المسيح بغير تغيير ولا اختلاط".
ويتفق الطرفان على رفض التعليم الذي يفرّق أو يقسّم الطبيعة الإنسانية -كلاً من الروح والجسد في المسيح- عن الطبيعة الإلهية، أو يقلل من إتحاد الطبيعتين إلى مستوى مجرد اتصال. كما يتفق الطرفان على رفض التعليم الذي يخلط بين الطبيعة الإنسانية في المسيح مع الطبيعة الإلهية بحيث تُمتَص الأولى في الأخيرة وبذلك تنفي وجودها.. إن الإتحاد العام للاهوت والناسوت في الكلمة المتجسد لازم لخلاص الجنس البشرى "لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ الإِلهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ (يوحنا 3 : 16 )".
الخاتمة:
"في عرضنا هذه الصيغة ندرك سر عمل الإله في المسيح ونسعى لتوضيح اشتراكنا معاً في الإيمان الأصيل في طبيعة السيد المسيح الرب الواحد المتجسد. ونحن نقدم هذا البيان لسلطات الكنائس الأرثوذكسية الشرقية والإتحاد العالمي للكنائس المصلحة للنظر وعمل اللازم".
إمضاءات الرئيسين المشاركين:
صاحب النيافة المطران الأنبا بيشوي- السكرتير العام للمجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية
الدكتور القس ميلان أويشنسكي - السكرتير العام للإتحاد العام للكنائس المصلحة
قائمة الحاضرين من الكنائس الأرثوذكسية:
المطران بيشوي - الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، الأسقف موسى - الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، الأسقف أسطانيوس متى روجام -بطريركية السريان الأرثوذكس من أنطاكية، الأسقف ج . د . كوريليوس - الكنيسة الأرثوذكسية السريانية في الشرق (الهنــد)، الدكتور القس كوندورتام . م . جورج - الكنيسة الأرثوذكسية السريانية في الشرق (الهنــد)، القس سيف سيلاسي يوجنيس -الكنيسة الأثيوبية الأرثوذكسية.
قائمة الحاضرين من الكنائس المصلحة:
الدكتور القس كارل بلي - الكنيسة المصلحة النذرلاندية، الدكتور سبل بترا برحان - الكنيسة المصلحة الألمانية، الدكتور القس خريستوفر كافور- الكنيسة المصلحة من أمريكا، الدكتور القس بيتر ماك إنهميل -كنيسة أسكتلاندا، الدكتور القس ميلان أوبشنسكى - الكنيسة الإنجيلية في التشيك، الدكتور جورج سابرا - الإتحاد الإنجيلي في لبنان، القس ج . جايكربران سباستيان كنيسة جنوب الهند، الدكتور القس أوجنين ترتر - الكنائس المسيحية (الولايات المتحدة الأمريكية)، دكتور هـ . س . ولسن - كنيسة جنوب الهند.
نيافة الأنبا بيشوي (مطران دمياط وسكرتير المجمع المقدس) ومجالات العمل المسكوني:
ربما يكون من الصعب حصر الأسفار العديدة التي سافرها نيافة الأنبا بيشوي من أجل مساعي الوحدة الكنسية أو الحوارات مع الكنائس الأخرى ولكن لعله يمكننا أن نحصر هذا النشاط كالآتي:

1- الحوار مع الكنائس الأرثوذكسية البيزنطية (الروم الأرثوذكس).
2- الحوار مع الكنائس الكاثوليكية.
3- الحوار مع الكنيسة الأنجليكانية.
4- الحوار اللاهوتي مع الإتحاد العالمي للكنائس المصلحة W.A.R.C..‎
5- الحوار مع الأشوريين في إطار مجلس كنائس الشرق الأوسط كعضو، وفي إطار الحوار السرياني كمراقب.
6- الحوارات المتعددة الأطراف التي تجري داخل قسم الإيمان والنظام بمجلس الكنائس العالمي، وداخل قسم الإيمان والوحدة بمجلس كنائس الشرق الأوسط، وكذلك في لقاءات الطلبة والأساتذة في رابطة المعاهد اللاهوتية بالشرق الأوسط.
هذا بخلاف اللقاءات مع بعض الكنائس كالكنيسة السويدية أو غيرها وهي لقاءات وليست حوارات.
وأخيراً نطلب من الله أن يكمّل عمله معنا من أجل وحدة كنيسته، لتكون "كنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية" (من القداس الباسيلي).