warsbut
10-12-2006, 09:58 AM
العنف المقدس (2 من 3)
منذ بداية الستينيات بدأ جيرار أبحاثا مركزة في دراسات علوم الإنسان (الأنثروبولوجيا) السائدة واكتشف تقاربا بين بعض استنتاجاته وما سبق أن توصل إليه شخصيا عبر دراساته في روايات الأدب العالمي الكلاسيكي، وقيامه بفك رموزها. وبدأ في محاولة التوصل إلى نظرية عامة حول العنف والدين، وهو هدف طموح تم خلال عدد من الفرضيات المتتابعة والمترابطة قدمت ما لا يقل عن نظرية متكاملة (موروفوجينيك) حول كيفية نشوء النظام الاجتماعي والثقافي (social and cultural order). وبعد عِقد من البحث بدأ بنشر أفكاره في 1972.
نعرف قدر صعوبة تقديم أفكاره بصورة ميسرة، لكن سنحاول.
***
كبش الفداء وآلية التضحية
بدلا من أن يقدم "خاصية" (بيولوجية أو غيرها) تجعل العنف من طبيعة الإنسان، يجادل جيرار بأن المحاكاة للرغبات تقود البشر إلى التنافس بوصفهم "أبدالاً" أو "أقرانًا" (doubles) متكاثرين يدورون حول الهدف نفسه، فتؤجج فيهم العنف، الذي يتفاقم بدوره حتى حصول "أزمة" ينازعُ فيها الفردُ جميعَ أبداله. ويرى أن ضرورة فرض النظام والتماسك على المستوى المجتمعي والثقافي، لتلافي التفجر من الداخل والتشرذم، يتضمن بصورة لا واعية تكثيف واستقطاب العنف نفسه. ويتم ذلك بصورة موجهة ضد ضحايا يتم اختيارهم واستهدافهم.
أي إن "المحاكاة" التي سبق الكلام عنها، والتي تعمل على تفريق الناس فيما بينهم (وإن كانت توحِّدهم على مستويات متوازية لكن متضادة) يمكنها أن توحدهم في الواقع عبر التوافق على معاداة عدو مشترك تتهمه بالتسبب في الضائقة العامة؛ وإذ تتكالب عليه وتضحي به، تجد في ارتكاب هذه الجريمة تنفيسًا عن احتقانها وتجدِّد تماسُكها. فالعنف المحاكاتي الذي يقسم ويفرق الجماعة عندما يصيبها بالعدوى يتحول، بصورة مثيرة للدهشة، بحيث أن العداوات المختلفة يتم استقطابها (عبر آلية المحاكاة) وتوجيهها ضد طرف محدد. فإذا كانت "المحاكاة الاستحواذية" تفرق ما بين الناس إذا أدت إلى تنافس شخصين أو أكثر على نفس الشيء بهدف الاستحواذ عليه، إلا أن "المحاكاة التصادمية" ستوحد عن طريق توافق شخصين أو أكثر على معادة نفس العدو الذي يرغب الكل في القضاء عليه.
المهم، كما يقول جيرار أن الضحية ـ كبش الفداء (surrogate, scapegoat, bouc émissaire) هو مظلوم وبريء، لأنه عادة لم يرتكب أيَّ ذنبٍ، أو على الأقل لم يرتكب ذنبا يختلف عما يقترفه الآخرون؛ ذلك لأن جريمة كباش الفداء هي، بالأحرى، مجرد امتلاكهم لخصائص تجعلهم ـ خاصة في نظر الغوغاء الانتهازيين ـ مختلفين عن الآخرين. أي أن اختيار كبش الفداء دائما يتسند إلى علامات اختلاف ملامحية أو ثقافية يسهل التعرف والتركيز عليها، وخاصة في لحظات فقدان التوجه المجتمعي.
وغالبا ما تتحول أقلية عرقية أو ثقافية أو مجتمعية إلى كبش فداء عن طريق إلصاق نواقص مزعومة بها، تكون مهمتها توكيد الاستقطاب الموجه ضد أفراد تلك الأقلية مما يؤدي بالتالي إلى مزيد من التوكيد "لاستحقاقهم" في أن يكونوا مضطهدين. فمثلا يتم تهميش أقلية ما، ثم اتهامها بأنها تعيش على هامش المجتمع، وبالتالي تستحق الاضطهاد!
ويؤكد جيرار على الطبيعة التعسفية لاختيار كبش الفداء، إذ أن الضحية يتم اختيارها فقط لأنها "سهلة الاستهداف" (vulnerable) وقريبة يسهل ممارسة العنف ضدها. ويقول أن هذه الطبيعة التعسفية هي، في المعتاد، مخفية عن وعي وأعين من يقومون بها. بمعنى آخر فإن كبش الفداء لا يُنظر إليه كضحية "بريئة" في أعين مضطهديه. وهذا ضروري لكي يمكن لعملية التضحية بالبديل (sacrificial substitution) أن تعطي تأثرت مفيدة مجتمعيا. بل تصل الدرجة إلى أن يُنظر إلى كبش الفداء باعتبار أنه هو الذي يستفز الآخرين (بمجرد وجوده!) أو يضطهدهم!
لكن آلية التضحية بكبش الفداء ليست جزءا من "عقد اجتماعي" واضح، دخلته مكونات المجتمع عن قصد وبهدف الحفاظ على التماسك الاجتماعي. بل إن الآلية تتطلب، لكي تنجح في مهمتها، عدم إدراك ما يجري وإنكار حدوثه أو حتى إمكانية حدوثه! وهكذا فإن شكاوي الأقلية التي تصبح كبش الفداء باضطهادها تقابل بالإنكار والغضب والسخرية (راجع مقولات مثل "أسعد أقلية في العالم"...) والاتهامات العكسية.
ويلفت جيرار النظر إلى أهمية أن يكون العنف جماعيا بواسطة مرتكبيه بحيث لا يمكن اتهام أو لوم شخص محدد بارتكاب شيء ضد الضحية. فالكل مشتركون في الفعل ولديهم نفس الأدوار المتبادلة ـ باستثناء كبش الفداء بالطبع.
ويمكن أن تأتي الضحية من خارج الجماعة بشرط أن تكون قادرة على الاندماج فيها؛ أو من داخل الجماعة ولكن يتم تهميشها؛ أو تأتي من هوامش الجماعة (لا من الداخل ولا من الخارج).
في تضحيات قبائل الدنكا، لا يؤخذ الحيوان مباشرة لعملية التضحية، بل يجب عزله عن القطيع ويمر عبر فترة يعطى فيها إيواء بالقرب من الجماعة وتتلى عليه التلاوات الدينية لتقريبه أكثر من الجماعة التي سيقوم بالتضحية بالنيابة عنها. واليهود الألمان كانوا في نفس الوقت داخل الجماعة الوطنية الألمانية وأيضا على هامشها (بسبب خصوصيتهم الثقافية والدينية) تحولوا، على يد النازيين، إلى كبش فداء.
***
المقدس
يرى جيرار، مثل دوركهايم (الأنثروبولوجي الفرنسي من أوائل القرن العشرين)، أن "المقدس" هو التمثيل الموازي للتكوين المجتمعي. إي إنه ليس شيئا مضافا للمجتمع بعد أن يتشكل وينمو، بل ينشأ معه؛ وهو عنصر أساسي في المجتمع والنظام الاجتماعي (social order).
ويقدم جيرار فرضية أن آلية التضحية بكبش الفداء، التي يقع العنف في القلب منها، هي نفسها روح وقلب "المقدس" (sacred). فالمقدس ينشأ لأن البشر دائما يتصورون أن عنفهم الذاتي هو كيان مستقل عنهم، ويصبح "المقدس" دليلا للفرد على كون (المقدس) يتجاوزه ويتسامى عليه. ولكنه يسيء تقديم هذا التسامي، عن طريق إرجاع الأمر لشيء ما، خارج المجتمع. بينما الشيء الحقيقي الذي "يتسامى" فوق النظام الثقافي والاجتماعي، ليس هو سوى آلية كبش الفداء. بمعنى آخر فإن "المقدس" يتسامى بالصدام المحاكاتي عن طريق تصوير العنف الذي يغمر العلاقات البينية والشخصية، وما ينتج عنه من البحث عن واتهام كبش فداء، وكأنه ليس إلا تعبيرا عن غضب الآلهة.
فالمقدس، إذن، هو "مجموع الفرضيات الإنسانية" المتوقعة نتيجة للتواطؤ الجمعي للمجتمع. العنف ـ وتفعيل هذا العنف والتعامل معه ـ هو عماد وقوام هذه الفرضيات التي تشكل "المقدس". آلية كبش الفداء تتغلغل في كل الطقوس والأساطير؛ بل إنها تقع في قلب الغيبيات ومحاولات تشكيل العالم.
في المجتمعات التي تتمتع بنظام ثقافي (cultural order) مستقر نسبيا، فإن الأمر الذي يعطل حركة مسلسل العدوانية والعنف (المتبادل) هو، ببساطة، "الثقافة": تلك السلطات والطبقات المتراتبة، ذات الشرعية (المزعومة)، التي تنظم العلاقات، وتوجه العنف نحو القنوات "المناسبة"، وتعوض عن التجاوزات عبر وسائل عقابية مناسبة.
وبالمناسبة، فقد قام جيرار بأبحاث نظرية ـ ليس هذا مجال التعرض لها ـ حول معنى الثقافة وجذورها عبر التاريخ الإنساني، وخلص إلى استنتاج مهم وشيق بأنه في عملية انتقال الإنسان من البداءة إلى التحضر فالثقافة هي عملية تَمأسُس (institutionalization) للحلول التي تواجه بها الجماعةُ مشاكلَها، وليست الحلولَ نفسَها.
***
تقوم آلية التضحية بكبش الفداء بتشكيل وتكييف مؤسسات اجتماعية حيوية ثلاث: الطقوس والشعائر، والمحظور (المحرمات ـ التابو)، والأساطير (والأديان).
يقول جيرار أن دور الطقوس هو تجديد أو استعادة التأثيرات النفسية العلاجية (therapeutic) لعملية التعبئة الأصلية المصاحبة لآلية التضحية بكبش الفداء البريء، وذلك عن طريق إيجاد قنوات تتسم بالتقديس لممارسة العنف. أي إن الطقوس تعمل على تجديد التوحد الخلاصي الذي يوفره العنف الأصلي العفوي ضد كبش الفداء، وذلك عن طريق إعادة تمثيله بصورة انتقائية.
وكبش الفداء، الذي يتم اختياره بحسب علامات صغرى (كالاختلاف في لون البشرة، أو عاهة طفيفة، إلخ)، يصير قربانًا، تقوم الجماعة بتكرار إعدامه ـ شعائريًّا هذه المرة ـ كلما ظهر عنفُ المحاكاة من جديد.
آلية التضحية بكبش الفداء لا تلغي العنف، بل تحتفظ بالرغبة في الانتقام عن طريق خدعة تنفيسها على ضحية لن يتسبب قتلُها (أو اضطهادُها) في أي انتقام عكسي. وهذا هو السبب وراء الشعور التطهيري المرتبط بطقوس الأضحية المتكررة بصورة دورية.
أما المحظورات (المحرمات ـ التابو) فمهمتها أن تمنع، أو توجه (canalize)، العنف عن طريق استبعاد علامات المحاكاة المرتبطة به.
وتبدو الطقوس دائما وكأنها تعكس أو تقلب المحظورات، التي تشكل دوما العناصر الأكثر معيارية (normative) للثقافة.
أما بخصوص الأساطير، فالأصل، عند جيرار، أنه في كل ثقافة توجد جريمة قتل مؤسِّسة تحصر عنف المحاكاة في اتجاه معين، وتصبح الأساطير صدى لها. فالأسطورة، بهذا المعنى، تعكس حدثا واقعيا، وليست مجرد نسيج محبوك من الحكايات الخرافية. والجريمة الأصلية، يتم حصرها في "اللاوعي" وحجبُها بعناية، ولا يفكر الفرد في اتهام نفسه بارتكابها بما أنها تخص الجميع ومن شأنها أن تولد نتائج طيبة. إذ إن المحاكاة الصدامية ليست لها عواقب خطيرة: بل هي التي تسمح بذلك، عبر "تصعيد" (sublimation) تبادلي.
في المجتمعات الحديثة يقوم القضاء الذي يعلو فوق الأطراف المتصارعة بوقف دائرة تبادل العنف عن طريق تفكيك التناظر والتشابه بين الصراعات. ولكن بنفس الدرجة إذا لم يكن القضاء متوافرا ـ أو لم يعد له الاحترام الكافي أو فقد قدرته على العدالة ـ فإن الطبيعة التكرارية المحاكاتية للعنف ترجع للظهور مرة أخرى.
وإلى مقال آخر لكي نرى تطبيق جيرار لنظرياته على بعض الأديان.
منذ بداية الستينيات بدأ جيرار أبحاثا مركزة في دراسات علوم الإنسان (الأنثروبولوجيا) السائدة واكتشف تقاربا بين بعض استنتاجاته وما سبق أن توصل إليه شخصيا عبر دراساته في روايات الأدب العالمي الكلاسيكي، وقيامه بفك رموزها. وبدأ في محاولة التوصل إلى نظرية عامة حول العنف والدين، وهو هدف طموح تم خلال عدد من الفرضيات المتتابعة والمترابطة قدمت ما لا يقل عن نظرية متكاملة (موروفوجينيك) حول كيفية نشوء النظام الاجتماعي والثقافي (social and cultural order). وبعد عِقد من البحث بدأ بنشر أفكاره في 1972.
نعرف قدر صعوبة تقديم أفكاره بصورة ميسرة، لكن سنحاول.
***
كبش الفداء وآلية التضحية
بدلا من أن يقدم "خاصية" (بيولوجية أو غيرها) تجعل العنف من طبيعة الإنسان، يجادل جيرار بأن المحاكاة للرغبات تقود البشر إلى التنافس بوصفهم "أبدالاً" أو "أقرانًا" (doubles) متكاثرين يدورون حول الهدف نفسه، فتؤجج فيهم العنف، الذي يتفاقم بدوره حتى حصول "أزمة" ينازعُ فيها الفردُ جميعَ أبداله. ويرى أن ضرورة فرض النظام والتماسك على المستوى المجتمعي والثقافي، لتلافي التفجر من الداخل والتشرذم، يتضمن بصورة لا واعية تكثيف واستقطاب العنف نفسه. ويتم ذلك بصورة موجهة ضد ضحايا يتم اختيارهم واستهدافهم.
أي إن "المحاكاة" التي سبق الكلام عنها، والتي تعمل على تفريق الناس فيما بينهم (وإن كانت توحِّدهم على مستويات متوازية لكن متضادة) يمكنها أن توحدهم في الواقع عبر التوافق على معاداة عدو مشترك تتهمه بالتسبب في الضائقة العامة؛ وإذ تتكالب عليه وتضحي به، تجد في ارتكاب هذه الجريمة تنفيسًا عن احتقانها وتجدِّد تماسُكها. فالعنف المحاكاتي الذي يقسم ويفرق الجماعة عندما يصيبها بالعدوى يتحول، بصورة مثيرة للدهشة، بحيث أن العداوات المختلفة يتم استقطابها (عبر آلية المحاكاة) وتوجيهها ضد طرف محدد. فإذا كانت "المحاكاة الاستحواذية" تفرق ما بين الناس إذا أدت إلى تنافس شخصين أو أكثر على نفس الشيء بهدف الاستحواذ عليه، إلا أن "المحاكاة التصادمية" ستوحد عن طريق توافق شخصين أو أكثر على معادة نفس العدو الذي يرغب الكل في القضاء عليه.
المهم، كما يقول جيرار أن الضحية ـ كبش الفداء (surrogate, scapegoat, bouc émissaire) هو مظلوم وبريء، لأنه عادة لم يرتكب أيَّ ذنبٍ، أو على الأقل لم يرتكب ذنبا يختلف عما يقترفه الآخرون؛ ذلك لأن جريمة كباش الفداء هي، بالأحرى، مجرد امتلاكهم لخصائص تجعلهم ـ خاصة في نظر الغوغاء الانتهازيين ـ مختلفين عن الآخرين. أي أن اختيار كبش الفداء دائما يتسند إلى علامات اختلاف ملامحية أو ثقافية يسهل التعرف والتركيز عليها، وخاصة في لحظات فقدان التوجه المجتمعي.
وغالبا ما تتحول أقلية عرقية أو ثقافية أو مجتمعية إلى كبش فداء عن طريق إلصاق نواقص مزعومة بها، تكون مهمتها توكيد الاستقطاب الموجه ضد أفراد تلك الأقلية مما يؤدي بالتالي إلى مزيد من التوكيد "لاستحقاقهم" في أن يكونوا مضطهدين. فمثلا يتم تهميش أقلية ما، ثم اتهامها بأنها تعيش على هامش المجتمع، وبالتالي تستحق الاضطهاد!
ويؤكد جيرار على الطبيعة التعسفية لاختيار كبش الفداء، إذ أن الضحية يتم اختيارها فقط لأنها "سهلة الاستهداف" (vulnerable) وقريبة يسهل ممارسة العنف ضدها. ويقول أن هذه الطبيعة التعسفية هي، في المعتاد، مخفية عن وعي وأعين من يقومون بها. بمعنى آخر فإن كبش الفداء لا يُنظر إليه كضحية "بريئة" في أعين مضطهديه. وهذا ضروري لكي يمكن لعملية التضحية بالبديل (sacrificial substitution) أن تعطي تأثرت مفيدة مجتمعيا. بل تصل الدرجة إلى أن يُنظر إلى كبش الفداء باعتبار أنه هو الذي يستفز الآخرين (بمجرد وجوده!) أو يضطهدهم!
لكن آلية التضحية بكبش الفداء ليست جزءا من "عقد اجتماعي" واضح، دخلته مكونات المجتمع عن قصد وبهدف الحفاظ على التماسك الاجتماعي. بل إن الآلية تتطلب، لكي تنجح في مهمتها، عدم إدراك ما يجري وإنكار حدوثه أو حتى إمكانية حدوثه! وهكذا فإن شكاوي الأقلية التي تصبح كبش الفداء باضطهادها تقابل بالإنكار والغضب والسخرية (راجع مقولات مثل "أسعد أقلية في العالم"...) والاتهامات العكسية.
ويلفت جيرار النظر إلى أهمية أن يكون العنف جماعيا بواسطة مرتكبيه بحيث لا يمكن اتهام أو لوم شخص محدد بارتكاب شيء ضد الضحية. فالكل مشتركون في الفعل ولديهم نفس الأدوار المتبادلة ـ باستثناء كبش الفداء بالطبع.
ويمكن أن تأتي الضحية من خارج الجماعة بشرط أن تكون قادرة على الاندماج فيها؛ أو من داخل الجماعة ولكن يتم تهميشها؛ أو تأتي من هوامش الجماعة (لا من الداخل ولا من الخارج).
في تضحيات قبائل الدنكا، لا يؤخذ الحيوان مباشرة لعملية التضحية، بل يجب عزله عن القطيع ويمر عبر فترة يعطى فيها إيواء بالقرب من الجماعة وتتلى عليه التلاوات الدينية لتقريبه أكثر من الجماعة التي سيقوم بالتضحية بالنيابة عنها. واليهود الألمان كانوا في نفس الوقت داخل الجماعة الوطنية الألمانية وأيضا على هامشها (بسبب خصوصيتهم الثقافية والدينية) تحولوا، على يد النازيين، إلى كبش فداء.
***
المقدس
يرى جيرار، مثل دوركهايم (الأنثروبولوجي الفرنسي من أوائل القرن العشرين)، أن "المقدس" هو التمثيل الموازي للتكوين المجتمعي. إي إنه ليس شيئا مضافا للمجتمع بعد أن يتشكل وينمو، بل ينشأ معه؛ وهو عنصر أساسي في المجتمع والنظام الاجتماعي (social order).
ويقدم جيرار فرضية أن آلية التضحية بكبش الفداء، التي يقع العنف في القلب منها، هي نفسها روح وقلب "المقدس" (sacred). فالمقدس ينشأ لأن البشر دائما يتصورون أن عنفهم الذاتي هو كيان مستقل عنهم، ويصبح "المقدس" دليلا للفرد على كون (المقدس) يتجاوزه ويتسامى عليه. ولكنه يسيء تقديم هذا التسامي، عن طريق إرجاع الأمر لشيء ما، خارج المجتمع. بينما الشيء الحقيقي الذي "يتسامى" فوق النظام الثقافي والاجتماعي، ليس هو سوى آلية كبش الفداء. بمعنى آخر فإن "المقدس" يتسامى بالصدام المحاكاتي عن طريق تصوير العنف الذي يغمر العلاقات البينية والشخصية، وما ينتج عنه من البحث عن واتهام كبش فداء، وكأنه ليس إلا تعبيرا عن غضب الآلهة.
فالمقدس، إذن، هو "مجموع الفرضيات الإنسانية" المتوقعة نتيجة للتواطؤ الجمعي للمجتمع. العنف ـ وتفعيل هذا العنف والتعامل معه ـ هو عماد وقوام هذه الفرضيات التي تشكل "المقدس". آلية كبش الفداء تتغلغل في كل الطقوس والأساطير؛ بل إنها تقع في قلب الغيبيات ومحاولات تشكيل العالم.
في المجتمعات التي تتمتع بنظام ثقافي (cultural order) مستقر نسبيا، فإن الأمر الذي يعطل حركة مسلسل العدوانية والعنف (المتبادل) هو، ببساطة، "الثقافة": تلك السلطات والطبقات المتراتبة، ذات الشرعية (المزعومة)، التي تنظم العلاقات، وتوجه العنف نحو القنوات "المناسبة"، وتعوض عن التجاوزات عبر وسائل عقابية مناسبة.
وبالمناسبة، فقد قام جيرار بأبحاث نظرية ـ ليس هذا مجال التعرض لها ـ حول معنى الثقافة وجذورها عبر التاريخ الإنساني، وخلص إلى استنتاج مهم وشيق بأنه في عملية انتقال الإنسان من البداءة إلى التحضر فالثقافة هي عملية تَمأسُس (institutionalization) للحلول التي تواجه بها الجماعةُ مشاكلَها، وليست الحلولَ نفسَها.
***
تقوم آلية التضحية بكبش الفداء بتشكيل وتكييف مؤسسات اجتماعية حيوية ثلاث: الطقوس والشعائر، والمحظور (المحرمات ـ التابو)، والأساطير (والأديان).
يقول جيرار أن دور الطقوس هو تجديد أو استعادة التأثيرات النفسية العلاجية (therapeutic) لعملية التعبئة الأصلية المصاحبة لآلية التضحية بكبش الفداء البريء، وذلك عن طريق إيجاد قنوات تتسم بالتقديس لممارسة العنف. أي إن الطقوس تعمل على تجديد التوحد الخلاصي الذي يوفره العنف الأصلي العفوي ضد كبش الفداء، وذلك عن طريق إعادة تمثيله بصورة انتقائية.
وكبش الفداء، الذي يتم اختياره بحسب علامات صغرى (كالاختلاف في لون البشرة، أو عاهة طفيفة، إلخ)، يصير قربانًا، تقوم الجماعة بتكرار إعدامه ـ شعائريًّا هذه المرة ـ كلما ظهر عنفُ المحاكاة من جديد.
آلية التضحية بكبش الفداء لا تلغي العنف، بل تحتفظ بالرغبة في الانتقام عن طريق خدعة تنفيسها على ضحية لن يتسبب قتلُها (أو اضطهادُها) في أي انتقام عكسي. وهذا هو السبب وراء الشعور التطهيري المرتبط بطقوس الأضحية المتكررة بصورة دورية.
أما المحظورات (المحرمات ـ التابو) فمهمتها أن تمنع، أو توجه (canalize)، العنف عن طريق استبعاد علامات المحاكاة المرتبطة به.
وتبدو الطقوس دائما وكأنها تعكس أو تقلب المحظورات، التي تشكل دوما العناصر الأكثر معيارية (normative) للثقافة.
أما بخصوص الأساطير، فالأصل، عند جيرار، أنه في كل ثقافة توجد جريمة قتل مؤسِّسة تحصر عنف المحاكاة في اتجاه معين، وتصبح الأساطير صدى لها. فالأسطورة، بهذا المعنى، تعكس حدثا واقعيا، وليست مجرد نسيج محبوك من الحكايات الخرافية. والجريمة الأصلية، يتم حصرها في "اللاوعي" وحجبُها بعناية، ولا يفكر الفرد في اتهام نفسه بارتكابها بما أنها تخص الجميع ومن شأنها أن تولد نتائج طيبة. إذ إن المحاكاة الصدامية ليست لها عواقب خطيرة: بل هي التي تسمح بذلك، عبر "تصعيد" (sublimation) تبادلي.
في المجتمعات الحديثة يقوم القضاء الذي يعلو فوق الأطراف المتصارعة بوقف دائرة تبادل العنف عن طريق تفكيك التناظر والتشابه بين الصراعات. ولكن بنفس الدرجة إذا لم يكن القضاء متوافرا ـ أو لم يعد له الاحترام الكافي أو فقد قدرته على العدالة ـ فإن الطبيعة التكرارية المحاكاتية للعنف ترجع للظهور مرة أخرى.
وإلى مقال آخر لكي نرى تطبيق جيرار لنظرياته على بعض الأديان.