عرض الاصدار الكامل : نظرة إلي التعليم المسيحي في أيامنا : بقلم الأب هنري بولاد-اليسوعي
warsbut
03-12-2006, 09:32 AM
نظرة إلي التعليم المسيحي في أيامنا
الأب هنري بولاد-اليسوعي
موضوع الثالوث الأقدس بالغ الأهمية في الإيمان المسيحي.ذلك بأن أكثر الأسئلة وأحرجها في هذا الميدان تدور حول الثالوث الأقدس,سواء أكانت من الأسئلة التي نطرحها علي أنفسنا أم من التي يطرحها علينا الآخرون.وعلي طول مراحل حياتنا,تلقينا الكثير في دروس التعليم الديني وسمعنا ما هو أكثر في العظات.وترسخ إيماننا بالثالوث الأقدس في حياتنا علي مستوي غير واع في أغلب الأحيان,وقد نمارسه تلقائيا في حياتنا الروحية,لكننا نفاجأ,وربما إلي حد الفزع,حين نجد أنفسنا عاجزين عن إيجاد رد مقنع وعلي مستوي منطقي من التفكير.
أسئلة كثيرة قد نفاجأ بها:لماذا التثليث ولا الوحدانية المجردة؟ وما هي الأسس الفكرية المقنعة في هذا الميدان؟ وما هي مصادر إيماننا بالثالوث الأقدس؟ وما هي انعكاسات هذا الإيمان علي ممارستنا,وعلي حياتنا العملية وحياتنا الروحية؟.
لا يكفي الاعتماد علي الكاهن للحصول منه علي جواب,أو في كل مرة نضيق بهذه الأسئلة,فنسرع إليه لاهثين بحثا عن الراحة من معاناة القلق الناتج تساؤلات من هذا النوع...لا شك أن لدي الكاهن أجوبة,ولكن يجب علينا أن نكتشف نحن أنفسنا هذه الأجوبة.حينئذ,وحينئذ فقط,تصير هذه الأجوبة والردود جزءا حيويا من كياننا وحياتنا,يعيش معنا ونعيش معه,ولا يصبح جزءا منفصلا عنا,قد نفقده في أية لحظة أو مرحلة من خطوات حياتنا.
هناك أيضا العديد من القضايا والمشاكل المعاصرة التي تولي اختيار موضوع الثالوث الأقدس أهمية خاصة.فمن ناحية,قويت التيارات المضادة للإيمان,ومن ناحية أخري ضعف التعليم المسيحي الذي يلقن في المدارس في هذه الأيام...وازدادت أعباء الكهنة والرعاة,فمست الحاجة إلي أن ينشأ تيار من العلمانيين,من أصحاب الفكر الديني المتعمق,يتفرغ لوضع الأساس العقلي لحياة الشباب الإيمانية,ولكل من يبحث عن أساس فكري,منطقي,للإيمانيات المسيحية.ومن ثمة يتفرغ الكهنة لحياة تدبير الكنيسة الروحي باعتبارها جماعة المؤمنين.قد لا يكون ذلك بمعني الفصل بين مهمتين أو وظيفتين,كلتاهما علي قدر خطير من الأهمية,بل لإيجاد التكامل بين جانبين هامين في الحياة المسيحية:جانب العقل وجانب الروح.ويمكننا أن نري صورة من هذا التكامل في حياة الكنيسة الأولي.والأمثلة علي ذلك عديدة,وتتجسد في أولئك الذين تفرغوا لمهمة الدفاع عن الإيمان المسيحي وقد بدأوا خارجا عن رجال الإكليروس.
لهذه الأسباب كلها,كان اختيار موضوع الثالوث الأقدس في محكمة العقل موضوعا لإعمال الفكر,التأمل في عدد من المقالات التالية.
warsbut
10-12-2006, 09:28 AM
العقل والحقائق الإيمانية
الأب هنري بولاد اليسوعي
موضوعنا الذي سنناقشه الآن هو الثالوث الأقدس في محكمة العقل يحاول الإنسان أن يضع الثالوث الأقدس,سر الله كله,في ميزان عقله.وقد يكون هذا طموحا,أن لم يكن غرورا وكبرياء,إذ كيف يستطيع الإنسان المحدود,بعقله المحدود,أن يقيم ويضع في ميزان عقله سر الثالوث الأقدس,الذي هو سر الله؟.
ولعل بعضنا يذكر قصة القديس أوغسطينس,الفيلسوف الكبير الذي عاش في القرن الخامس الميلادي,وهو من أعظم شخصيات تاريخ الكنيسة.كان يتمشي في أحد الأيام علي شاطئ البحر ذهابا وإيابا,يتأمل في الثالوث الأقدس,ويحاول أن يحل مشاكله,ليري كيف يمكن أن يكون ثلاثة في واحد,وواحدا في ثلاثة.وبينما هو كذلك,رأي طفلا وقد حفر حفرة صغيرة علي الشاطئ وراح يملأ هذه الحفرة من ماء البحر بواسطة صدفة صغيرة.ابتسم له أوغسطينس وقال له:ماذا تفعل؟ أجاب:أريد أن أضع البحر في هذه الحفرة.قال له أوغسطينس:هذا مستحيل,يا حبيبي,لأن الحفرة صغيرة جدا.فرد عليه الطفل:كذلك أنت عندما تحاول أن تضع الثالوث الأقدس,وهو أعمق الأسرار في عقلك المحدود.واختفي الطفل من أمام أوغسطينس.
لا أعلم هل هذه القصة واقعية أم خيالية,لكن المهم أن الغرض منها واضح,وهو أن الإنسان يجد نفسه عاجزا,حين يحاول أن يضع سر الله في عقله المحدود.
أهمية استخدام العقل في تقبل الحقائق الإيمانية
قد يبدو هذا العنوان متناقضا مع سالفه,ولكن ذلك غير صحيح,إذ أن الإنسان,عندما يولد في إطار عائلة مسيحية,يقبل إيمانا موروثا عن أهله,ويقبله بطريقة عمياء,تصلح لعمره الصغير.فإن ظل علي هذا المستوي -مستوي الإيمان التقليدي المسلم به- بعد أن كبر,قد يكون هذا خطأ,إذ أن الله منحنا ما نسميه العقل,ونحن نستخدم هذا العقل لحل مسائل الرياضة والعلوم واللغات والتجارة والعمارة وحل مشكلات الحياة.نستخدمه في كل المجالات,ولكن,حين نصل إلي المستوي الإيماني,نقول:قف,لا تستخدم عقلك,إن في استخدامه لخطرا.لماذا؟ هل هناك تناقض بين الإيمان الذي يأتي من الله,والعقل الذي هو أيضا من الله؟ هل نعتبر الإنسان الذي يتساءل حول إيمانه مخطئا؟ أقول:لا,وليس مسموحا فقط أن يستخدم العقل في مجال الإيمان والدين,بل أن ذلك واجب ضروري وحتمي.
في كل إنسان,حين يتعدي المرحلة الابتدائية,وبالطبع الإعدادية والثانوية,أن يدخل في حوار بينه وبين إيمانه,لأن هذا العقل هبة من الله,فلا نتركه عقيما.حاول أن تتعقل إيمانك,ويجب أن يكون هناك تفاعل بين الإيمان والعقل.العقل ينير الإيمان,والإيمان ينير العقل.وهذا التفاعل مثمر,إذ نتج عنه ما نسميه علم اللاهوت.فعلم اللاهوت هو المحاولة التي نستعملها الآن معا حتي نتعمق في سر من أسرار المسيحية الأساسية في ضوء العقل,وهذه محاولة لابد منها.لا يمكن أن نستمر في ترديد جمل محفوظة عن ظهر القلب,حتي إذا سئلنا عن إيماننا,نقول:هذا هو إيماننا...كيف؟...وضح... لا أعرف,هذا هو إيماني.هل هذه إجابة كافية؟.
يعتقد بعضهم أن هذا البحث الإيماني واجب علي الكاهن فقط.ولكن الكاهن لا يذهب إلي الجامعة,إلي الورشة,إلي المصنع.فعلي العلماني أن ينشر الإيمان في كل هذه الأوساط التي لا يصل إليها الكاهن.كلنا رسل,وليس هناك فرق بين الكاهن والعلماني في هذا المجال.علينا جميعا أن نحمل هذا الإيمان إلي الأوساط التي نعيش فيها,في أي مكان.فالاجتهاد في فهم الدين واجب إذا علي كل مؤمن.
warsbut
21-01-2007, 10:46 AM
لماذا يعجز المخلوق عن أن يتيح لله مجالا كافيا للتعبير عن محبته اللامتناهية؟
الأب هنري بولاد اليسوعي
11- لأن المخلوق محدود في الاستيعاب والقبول,إذ أن الله,مهما بذل من محبة وأفاضها علي مخلوقاته,لايستطيع أن يفيض علينا كل ما لديه من محبة,فإن للمخلوق طاقة محدودة للأخذ والقبول والاستيعاب,فيكون العطاء محدودا,لا من حيث المعطي,أي الله,بل من حيث القابل,أي الخليقة والإنسان.وبما أن الله بذل وسخاء مطلقان,فمن الواضح أن الخليقة عاجزة عن أن تتيح لله مجالا كافيا لتحقيق محبته اللامحدودة,إذ ليس من طاقة المحدود أن يستوعب اللامحدود.ومهما كثر عدد المخلوقات,تظل هذه الحقيقة ثابتة,إذ إن المحدود+ المحدود لايمكن أن يساوي اللامحدود,والمحبة الإلهية اللامحدودة لايمكن أن تعبر عن ذاتها بطريقة مطلقة من خلال الكائنات المحدودة,أي المخلوقات.
لايعني هذا أن الله لايحبنا,لكن كل شخص يأخذ من حب الله بقدر استيعابه.فلا يمكن لكوب أن يستوعب من الماء أكثر من سعته,مهما صب فيه من ماء,فخلاصة القول هو أن المخلوق عاجز تماما عن أن يتيح لله مجالا مناسبا للتعبير عن محبته اللامحدودة.
2- لأن الخلق محدود في الزمن أيضا.الخلق له بداية ونهاية لم يكن منذ الأزل,بل ظهر في زمن ما وفي مرحلة معينة من تاريخ الكون فأطرح هنا سؤلا: هل كان الله يتمتع بصفة المحبة من قبل وجود الإنسان والكون؟ الجواب طبعا: نعم ولكن من هذا الطرف الآخر الذي كان الله يحبه قبل إنشاء العالم؟ فمن الضروري أن يعيش الله محبته,سواء كان العالم موجودا أو لم يكن..لذا يستحيل أن يمثل العالم الطرف الآخر للمحبة الإلهية,لأنه محدود في الزمن.
3- لأن الله لايمكن أن يتقيد بالخلق تقيدا ضروريا..لو كان تحقيق الذات الإلهية مرتبطا بالمخلوق ارتباطا حتميا,لما كان الله إلها,وإن كان الله مقيدا بالمخلوق حتي إن المخلوق يصبح شرطا أساسيا لتحقيق ذاته الإلهية وللتعبير عن محبته,لايبقي الله إلها.الله هو الغني,أي في غني عن أي كائن آخر سواه,وهو المكتفي بذاته.
من الواضح مما سبق أن الله,حتي يكون الله,يجب أن يتصف بالمحبة المطلقة,وأن المحبة تقتضي الثنائية,وأن الثنائية علي شكل إله آخر مستحيلة,إذ لا إله إلا الله,وأن الثنائية علي الخليقة والإنسان مستحيلة,لأن الإنسان عاجز عن يمثل الطرف الآخر للمحبة الإلهية للأسباب التي عرضناها,إننا مضطرون إذا لعجزنا عن إيجاد الثنائية خارج إطار الألوهية,إلي البحث عنها داخل إطار الله ذاته,أي في داخل إطار وحدانية الجوهر الإلهي,لا في خارجه
warsbut
28-01-2007, 11:02 AM
ضرورة المحبة في الله ومقتضياتها
الأب هنري بولاد-اليسوعي
مادام الله واحد,فكيف نفسر عقيدة الثالوث؟ الثالوث الأقدس لا يفسر إلا من خلال إطار الوحدانية,ولكن كيف يمكن أن نجمع بين وحدانية الله وتثليثه؟ هذه مشكلة ضخمة عانت منها الكنيسة كثيرا في القرون الثلاثة الأولي من تاريخها,وتصدت في أثنائها للكثير من البدع,إذ إن الموضوع ليس سهلا.لا يجوز أن نعتقد بأن أجدادنا المسيحيين الأوائل قد تقبلوا هذه الحقيقة بسهولة,كما نجترع رشفة ماء,بل إنهم بالتفكير الجاد المضني صاغوا هذه الحقيقة في قانون الإيمان الذي جاء نتيجة مجمع نيقية سنة 325 ثم مجمع القسطنطينية الأول سنة 381,وأصبح هذا النص هو المرجع الأساسي لإيماننا,ولكن لم يتم ذلك إلا بعد اجتهاد شاق ومعاناة طويلة لتحديد بعض المفاهيم الخاصة بالثالوث,وعلي هذا,فإننا لا نستغرب أن نجد صعوبة في هذه العقيدة.والآن فلنبدأ في التسلسل المنطقي الذي سيجعلنا نتعمق في الموضوع شيئا فشيئا.
الله كامل:
كلنا نوافق علي أن الله كامل,وأنه,إن لم يكن كاملا,فلا يكون الله.فكلمة كامل تعني أن الله يجمع في ذاته كل الصفات الحسنة علي الإطلاق.إن كنت أنا ذكيا,فهو ذكي علي الإطلاق,وإن كنت حكيما,فهو حكيم علي الإطلاق.وإن كنت رحيما فإنه رحيم علي الإطلاق.فإن كان في العالم محبة,ومصدر العالم هو الله,يجب إذا أن يمتاز الله بهذه المحبة علي الإطلاق.والخلاصة أن كل الصفات الحسنة التي في العالم هي في الله,ولكن علي وجه الإطلاق.
الله محبة:
في نظر الفكر المسيحي,يلخص الاعتراف بأن الله محبة كل صفات الله التي يمكن أن نصفه بها,لأن كون الله محبة يفترض أن يكون رحيما ورزاقا وغفورا...إلخ.
ولكن الاعتراف بأن الله محبة لا ينفصل عن الاعتراف بأن الله ثالوث,والاثنان مرتبطان ارتباطا حتميا,كما سنراه في مايلي.ونصل لهذه النتيجة بالاستعانة بالعقل البحت,واضعين طبعا في الخلفية إيماننا وعقيدتنا.
ما هي المحبة؟
المحبة هي بذل وعطاء,فعندما نقول:إن الله محبة.نعني أن تلك المحبة تقضي لدي الله بذلا وعطاء.ولكن إن تساءلنا:بذل وعطاء لمن؟.افترضنا أن المحبة تقتضي ثنائية:حتي يكون هناك محبة,يجب أن يكون هناك طرفان:طرف يعطي وطرف يستقبل.يبدو لنا إذا تناقض ظاهري بين كون الله واحدا وكونه محبة.ونعود للسؤال:بذل وعطاء لمن؟
تظهر هنا عدة اقتراحات أو احتمالات سنضعها ونناقش كلا منها:
* أولا: أن يكون الطرف الثاني إلها آخر.إن ذلك أمر مرفوض أصلا,لأن العقل لا يقبل تعدد الألهة,كما سبق وأوضحنا.
* ثانيا: إن قلنا:إن الله يحب نفسه,نلغي صفة المحبة منه,لأن حب الذات عكس المحبة ونقيضها,ولأن المحبة تحتم وجود علاقة عطاء وتبادل ومشاركة.
* ثالثا: قد يقول قائل:إن الله أفاض من محبته علي الخلق والبشر,فلا داعي إذا أن نفترض داخل إطار الألوهية مجالا آخر للتعبير عن هذه المحبة.وعلي هذا الرأي,يمكننا أن نعترض للأسباب في المقال القادم.
www.anbawissa.org/vb