PDA

عرض الاصدار الكامل : الموت ... ما هو؟


د. حازم
19-10-2006, 11:38 AM
أحاطت بى فى الأيام الأخيرة أحداث كثيرة ننظر إليها كبشر على إنها أحداث حزينة إذ إنتقل فى كنيستنا فى كندا شخص أحبه كثيراً كان فى مقام الأب ليس لى فقط بل لكل الكنيسة، و كم كنت أتعزى حينما أزوره فى المستشفى و هو راقد ينتظر ساعة إنتقاله التى حددها الأطباء ببضعة أسابيع. كنت أزوره فلا يكف عن الدعابة و المرح و الضحك و إلقاء النكات و القفشات، و كأننا نحن المرضى و هو الذى أتى ليرفه عنا و يخفف من أتعابنا.

لذلك رأيت أنى أريد أن أبحث و أكتب عن الموت و طبيعته و أنواعه لعل الكتابة فى هذا الموضوع تفيقنى من غفلتى الروحية و تكون سبب بركة لكم عند مشاركتكم القراءة لهذه الخواطر و تصحيح ما هو خطأ فيها.

د. حازم
19-10-2006, 11:38 AM
أولاً: أنواع الموت
==========

هناك عدة أنواع من الموت:
1- الموت الجسدى: و فيه تنفصل الروح عن الجسد حيث تذهب الروح إلى مكان إنتظار قبل دينونة القيامة الأخيرة. فان كانت روح أحد الأبرار فمكان إنتظارها هو الفردوس، و إن كانت روح أحد غير المؤمنين و الأشرار فمكان إنتظارها فى الجحيم. أما الجسد فيعود إلى تراب مرة أخرى منتظراً هو أيضاً يوم القيامة لكى يقوم بطبيعة أخرى غير قابلة للفناء. و تتم دينونة كلا من الجسد و الروح معاً. فليس من العدل الإلهى أن تكافأ الروح ولا يكافأ الجسد "لان هذا الفاسد لا بد ان يلبس عدم فساد وهذا المائت يلبس عدم موت" (1 كو 15 : 53) . فكما أن الروح كان لها عمل كذلك الجسد. فهو الذى يصوم، و هو الذى يصلى فيما هو متعباً، و هو الذى يذهب إلى الكنيسة، و هو الذى تعذب، و فى أحيان كثيرة تعرض للقتل. لذلك يستوجب الجسد التنعم فى الأبدية فى الحضرة الإلهية فى ملكوت السموات كما الروح تماماً. و كذلك أيضاً جسد الأشرار يستوجب العذاب الأبدى و ليس الروح فقط. فخطايا الزنا، السرقة، السكر، القتل، و مثلها كثير قد إرتبكها الجسد. لذلك فالعدل الالهى يوجب عقوبة الجسد أيضاً فى نار لا تنطفئ و دود لا يموت فى جهنم.

2- الموت الروحى: و هو موت يحدث كنتيجة طبيعية للخطية و كما يقول بولس الرسول "حتى كما ملكت الخطية في الموت هكذا تملك النعمة بالبر" (رو 5 : 21). و ليس هناك حل وسط فإما نحن أحياء بالنعمة أو أمواتاً بالخطية كما يقول الوحى الإلهى "اما للخطية للموت او للطاعة للبر" (رو 6 : 16). و الموت الروحى هو الموت الذى حكم به على آدم و ذريته من بعده إذ كان كلام الله لآدم هكذا "واما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها . لانك يوم تأكل منها موتا تموت" (تك 2 : 17). و بالفعل فلقد مات آدم روحياً بسبب خطيته، و فقد نقاوته، و صار عارفاً - و عاملاً - للخير و الشر، و نحن من بعده. "من اجل ذلك كأنما بانسان واحد دخلت الخطية الى العالم وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت الى جميع الناس اذ اخطأ الجميع" (رو 5 : 12). لذلك فالخطية كما أن أجرتها موت (رو 6 : 23)، كذلك فهى فى حد ذاتها موت. لأن الخطية تفصلنا عن الله، و هى خصومة مع الله. ما دام الله هو مصدر كل حياة، إذاً فمن البديهى و المنطقى أن يكون الانفصال عنه هو موت. لذلك يقول بولس الرسول أن الخطاة "أموات بالخطايا" (أف 2 : 5). و موت الروح ليس كموت الجسد. فموت الجسد نهائى إذ لا فرصة أخرى بعد الموت للحياة. أما الروح فممكن إقامتها بالتوبة و الاعتراف و ممارسة وسائط النعمة. و يبدو هذا جلياً واضحاً فى كلام الأب فى مثل الإبن الضال إذ وصف حالة إبنه بإنه "كان ميتاً فعاش" (لو 15 : 24). و ما دام هناك فرصة للحياة بالجسد، فهناك فرصة للتوبة و الحياة مرة أخرى روحياً. و الرب يعطى كل واحد مننا فرصة للتوبة كما يقول فى سفر الرؤيا عن الزانية "واعطيتها زمانا لكي تتوب عن زناها" (رؤ 2 : 21). و الروح القدس فى داخلنا ينخسنا، و يوبخنا، و يرشدنا، و يعلمنا. لذلك قال الكتاب "لا تطفئوا الروح" (1 تس 5 : 19).

د. حازم
19-10-2006, 11:39 AM
ثانياً: ما بعد الموت
==========

كلنا يخشى الموت لأننا نخشى المجهول. و الانسان بطبيعته يخشى التغيير. و المثل البلدى يقول "اللى تعرفه أحسن من اللى ما تعرفوش". فنحن نعرف ما هى الحياة، و لكننا نجهل الموت. فلو عرفنا ماذا بعد الموت ما كنا خفنا منه إلى هذه الدرجة. و لعلنا نخاف لأننا خطاة و لم نتب. فالخوف هنا هو من دينونة ما بعد الموت. لكن ليست الدينونة بعد، فبعد الموت تكون فترة إنتظار تليها الدينونة.

ماذا لو نرجع قليلاً بالذاكرة إلى الوراء حيث أيام المدرسة. و لنتخيل أن إمتحان آخر العام قد غيروا نظامه فأصبح إمتحان مفاجئ. الذى سيحدث أن المعلم سيقول أن إمتحان آخر العام إمتحان مفاجئ فى أى لحظة. لذلك علينا بالاستذكار كل حين بلا كلل و لا ملل. علينا أن نكون مستعدين دائماً لهذا الامتحان. و فى وقت لا نتوقعه يعلن المدرس عن أن هذه اللحظة سيتم فيها إمتحاننا. ماذا سيكون شعور كل واحد منا؟!! هناك ثلاثة أنواع من المشاعر:
(1) تلميذ سيفرح بالامتحان لأنه يذاكر يومياً و قد حفظ المناهج عن ظهر قلب، و تمرن كثيراً، و حل أسئلة كثيرة و نماذج إمتحانات. لذلك فقد تعب و آن الأوان أن يأخذ مكافأته على هذا المجهود. فهو فى إشتياق إلى هذه اللحظة حتى يترك هذه السنة الدراسية و يذهب إلى مستوى أعلى. لذلك فهو كان يحيا و يتمنى هذه اللحظة كل يوم.

(2) تلميذ يرتعب و يبكى و يصرخ لأنه لم يستذكر جيداً، و بعض هؤلاء التلاميذ إستذكروا و لكن فى مواد أخرى غير التى سيمتحن فيها. فالاثنين ضمنا الرسوب و يعلمون مصيرهم المحتوم. لذلك فالامتحان بالنسبة لهم هو مصدر رعب. و كل يوم كان يمر عليهم كانوا يمنون أنفسهم بأن المدرس سينسى ولن يقوم بامتحانهم، أو أن المدرس طيب القلب و سينجح الجميع، أو أنه لا يوجد إمتحان و تلك خرافة فقط إبتدعها التلاميذ الذين يستذكرون حتى يجدوا سبب لما يفعلونه. لذلك فمجرد ذكر الامتحان لهم كان يقابل بالسخرية. أما فى ساعة الامتحان فهم فى رعب رهيب و بكاء و صرير أسنان.

(3) تلميذ لا يعلم إذا ما كان ما إستذكره يكفى لنجاحه أم لا. و لكنه بعد الامتحان و طبقاً لما أجابه فى ورقة الاجابة يعلم تماماً إذا ما كان سينجح أم لا.

و جميعهم ينتظر بعد الموت النتيجة. التلميذ الذى كان ينتظر الامتحان بشغف، و كذلك من إستطاع أن يحل الامتحان ينتظرون النتيجة بشغف لأنهم يعلمون عدل المصحح و إنهم سينجحون. لذلك ففترة إنتظارهم هى فترة جميلة رائعة و ينتظرون بفارغ الصبر إعلان النتيجة ليتم تصعيدهم إلى سنة دراسية أعلى. أما من لم يستذكر، أو من إستذكر فى مادة أخرى، أو من إستذكر و لكن ليس بالقدر الكافى فهؤلاء سيكون إنتظارهم فترة من الجحيم لأنهم يعلمون ما ينتظرهم من رسوب.

تفسير المثل الذى سبق:
+ المصحح و المدرس هو الله.
+ المنهج الدراسى هى وصايا الله.
+ الاستذكار هو الجهاد الروحى.
+ الامتحان المفاجئ هو الموت.
+ التلاميذ هم نحن.
+ التلميذ الذى ينتظر الامتحان بشغف هم الصديقون و الأبرار و الشهداء و المعترفين و القديسين.
+ التلميذ الذى لم يستذكر هم كل من عاش فى الخطية.
+ التلميذ الذى إستذكر فى مادة أخرى هم غير المؤمنين برب المجد يسوع المسيح إذ كان لهم إيمان بإله آخر، أو دين آخر، أو فكر آخر.
+ فترة الانتظار بين الامتحان و النتيجة هى فترة الحياة فى الفردوس للأبرار، أو الجحيم للأشرار.
+ يوم إعلان النتيجة هو يوم القيامة الأخيرة.

لعلكم الآن عرفتم ما هو معنى الموت، و ما بعد الموت، و لماذا المشاعر المتفاوتة فى إنتظار الموت. ربنا يعطنا أن نكون مستعدين ساهرين كل حين.

د. حازم
19-10-2006, 11:40 AM
و ما دمنا قد تكلمنا عن الموت، إذاً يجب علينا أن نتكلم عن المجئ الثانى. و هذه هى المرحلة التى تلى فترة الانتظار فى الفردوس للأبرار أو الجحيم للأشرار. و سوف نناقش فى هذا الجزء النقاط التالية:

1- حتمية المجئ الثانى:
==========

المجئ الثانى موضوع يشغل بال كثيرين و يتساءل الناس: "متى يكون مجئ الرب؟!". بل أن البعض بدأ يعين أزمنة معينة مثل 4/4/1984، و خريف 2001، و سنة 2016. و لجأ البعض لتفسير الرموز و الأرقام التى ذكرت فى سفر دانيال على أنها علامات و رموز مخفية قد تكشف لنا سر المجئ الثانى للرب. و محاولة معرفة متى يكون المجئ الثانى ليست نوع من الخطية لأنه حينما سأل التلاميذ رب المجد عن موعد المجئ الثانى لم يبخل عليهم بالاجابة، بل بالعكس كانت إجابته واضحة، و مستفيضة، و وافية. و لقد وبخ رب المجد الكتبة و الفريسيين لأنهم لم يفهموا و لم يعرفوا أن يميزوا الآزمنة حتى يعرفوا موعد مجئ المخلص قائلاً لهم: " يا مراؤون! تعرفون أن تميزوا وجه السماء. و أما علامة الأزمنة فلا تستطيعون؟!" ( مت 16 : 3 ).

و المجئ الثانى حتمى و لا مفر منه، فلا يوجد إمتحان بلا نتيجة. و لو تخيلنا أن الطلبة قد عرفوا إنه لا يوجد نتيجة للإمتحان فكيف يكون رد فعلهم؟! بالتأكيد لا مبالاة. فليمرحوا و يلعبوا و ليذهب الامتحان إلى الجحيم. و يكون الطالب الذى إستذكر و حبس نفسه فى بيته بعيداً عن كل صنوف اللهو قد أضاع وقته هباء. ليس هكذا عدل الله! فطالما نؤمن بعدل الله، يجب أن نؤمن بالمجئ الثانى.

فلو لم يحدث المجئ الثانى لانتفى عدل الله لأنه بذلك سيتساوى البار و الشرير، الظالم و المظلوم، القديس و الخاطئ، الغنى و لعازر، الشهداء و من قتلوهم، الخروف و الجداء. و لو يحدث المجئ الثانى فما كان له لزوم المجئ الأول، و كذلك قصة الفداء كلها تكون باطلة إذ لا لزوم لها طالما الجميع سيتساوى عند الله. و هذا يقودنا إلى نقطة أخرى و هى الفرق بين المجئ الأول و المجئ الثانى.

2- الفرق بين المجئ الأول و المجئ الثانى:
=================

1- المجئ الأول كان للفداء و الخلاص، و أما المجئ الثانى فهو للدينونة و القصاص.
2- فى المجئ الأول جاء السيد المسيح - له المجد - كإبن الإنسان مولوداً فى مزود بقر بوداعة و تواضع. أما فى المجئ الثانى سيأتى فى مجده على السحاب كإبن الله.
3- فى المجئ الأول جاء رب المجد ليكرز بقبول توبة الخطاة، أما فى المجئ الثانى سيأتى للحصاد و إنهاء فرص التوبة.
4- فى المجئ الأول عاش السيد المسيح فى الجسد مدة محدودة، أما فى المجئ الثانى سيأخذنا معه لنتمتع بالأبدية، و يلقى بالأشرار ليتعذبوا إلى الأبد أيضاً.
5- فى المجئ الأول نزل إلى الجحيم من قبل الصليب ليصعد بأرواح الأبرار و الصديقين من الجحيم إلى الفردوس. أما فى المجئ الثانى سيأتى السيد المسيح تحف به الملائكة ليأخذ الأرواح من الفردوس ليلبسهم أجساد نورانية ليصعدوا معه إلى الملكوت ليتنعموا، و يلقى بالخطاة و غير المؤمنين فى جهنم مع إبليس و ملائكته حيث نار لا تنطفئ و دود لا يموت.
6- فى المجئ الأول قدم المحبة و الغفران للجميع حتى للخطاة و الزناة. أما فى المجئ الثانى سيقدم المحبة للذين أحبوه و عملوا بوصاياه، بينما سيقدم البغضة للذين رفضوه.

و أخيراً أود أن أقول أن السعى وراء معرفة علامات الأزمنة و تخمين قرب المجئ الثانى هى كمن يجرى وراء سراب. و المجئ الثانى يتم بموت الانسان حيث ستنتهى حياته على الأرض و لن يكون له فرصة أخرى. فما عمل قد عمل، و إن كان قد قدم توبة فقد قبلت، و إن لم يكن فقد لصقت به خطيته للأبد. و يوم تنفصل روح الانسان عن جسده فلا شفاعة تنفعه لا من ملائكة ولا رئيس ملائكة و لا أبرار و لا شهداء و لا قديسين و لا السيدة العذراء أم النور الطاهرة مريم نفسها تقبل شفاعتها. فقد إنتهى الزمان و لم يعد سوى الدينونة.

"مبارك الله ابو ربنا يسوع المسيح الذي حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية لرجاء حيّ بقيامة يسوع المسيح من الاموات" ( 1 بط 1 : 3 )

د. حازم
19-10-2006, 11:42 AM
ما دمنا نتكلم عن الموت و المجئ الثانى، فلا بد أن نتكلم عن التوبة التى هى المعمودية المتجددة و التى بها نغتسل من خطايانا حتى نكون مستحقين أن ندخل إلى فرح سيدنا فى الفردوس.

معروف إنه لا يوجد خطية بلا مغفرة إلا التى بلا توبة. و طالما أعطانا الله فرصة فى الحياة فكل يوم يعتبر فرصة للتوبة. و هو يعطنا زماناً للتوبة لكى نتوب. و لكن هل كل توبة مقبولة من الله؟! هذا السؤال قد يبدو لكثيرين أن إجابته هى (نعم) لأن باب التوبة مفتوح كل حين كما قال رب المجد "من يقبل اليّ لا أخرجه خارجاً" (يو 6 : 37). و يستدلون بذلك على قبول رب المجد يسوع المسيح توبة اللص اليمين فى لحظة حينما خاطبه قائلاً "أذكرنى يا رب متى جئت فى ملكوتك". فأجابه السيد المسيح قائلاً "اليوم تكون معى فى الفردوس" (لو 23). لذلك فالتوبة مقبولة فى أى وقت حتى لو على فراش الموت.

و لكن ...

يؤسفنى أن أقول أن هناك صلاة وتوبة غيرمسموعة و غير مقبولة أمام عرش النعمة. لذلك حينما يخاطب الشعب و "يقولون لماذا صمنا ولم تنظر . ذللنا انفسنا ولم تلاحظ" (إش 58 : 3) فيجيبهم الله قائلاً "فحين تبسطون أيديكم أستر عينيّ عنكم وإن كثرتم الصلاة لا أسمع. (لماذا؟!) ايديكم ملآنة دماً" (إش 1 : 15). بل أن بولس الرسول يقول عن عيسو "لم يجد للتوبة مكاناً مع إنه طلبها بدموع" (عب 12 : 17).

و يذكر سفر اللاويين من الحيوانات و الطيور النجسة المحرم على شعب إسرائيل أكلها "البوم والغوّاص والكركي" (لا 11 : 17). و يفسر لنا القديس القس منسى يوحنا لماذا هذه الطيور بالتحديد قائلاً:
1- البوم طائر يعيش طول اليوم نائماً و لا ينشط إلا فى الليل. مثله مثل الانسان الذى يعيش طول عمره بلا أعمال صالحة و لا ينشط سوى قرب فى آخر عمره.
2- الغواص طائر له رائحة فم كريهة جداً، و لكن بعد موته تستخرج مادة طيبة الرائحة من غدة فى فمه. مثله مثل من يعيش طول عمره فى الخطية، و لكنه يبدأ فى عمل الخير عند موته أو بعد موته كأن يتبرع بأمواله للمحتاجين مثلاً.
3- الكركي طائر لا يصيح طول عمره، و لكن عند موته يصيح بصوت عذب جداً. مثله مثل من لا يكلم الله و لا يصلى إلا و هو يحتضر و يموت يبدأ فى طلب المغفرة على خطاياه.

لقد أورد الله هذه الطيور الثلاثة فى الطيور النجسة التى لا يأكل منها شعب الله رمزاً لعدم قبول الله توبة من يقدمها فى آخر أيامه. و هناك قصة تحضرنى أود أن أرويها لكم.

تحكى القصة عن رجل بخيل جداً، لا يعرف شئ عن فضيلة العطاء. و طالما ما كلمه إبنه فى إن الصدقة و العطاء فضيلة تشفع له يوم الدينونة. فكان يقول الأب لإبنه أن يقدم صدقة باسمه بعد أن يموت. و طالما أراد الابن أن يقنع والده، و لكن الأب كان يصم آذانه. و فى إحدى الأيام كان يسير الأب و إبنه معه فى طريق مظلم، و كان الابن يحمل فانوس ليضئ الطريق. فتعمد الابن أن يسير خلف والده و هو يحمل الفانوس. فقال الأب لإبنه: "ما لك تسير متأخراً و أنت تحمل الفانوس؟! النور خلفى و لا أرى أمامى فكأنه بلا فائدة". و كأن الولد كان ينتظر هذا الطلب من أبيه فاندفع يقول: "هكذا يا أبى أعمال الخير التى تتبع الانسان لا تنفعه بعد موته، كما أن النور لا ينفعك طالما كان خلفك".

و لكن لماذا لا يقبل الله التوبة فى آخر أيام الانسان؟! الموضوع باختصار أن هذا الانسان يتوب لسبب من إثنين:

1- إما إنه يتوب عن خطية لم يعد له القدرة على فعلها. كأن يكون إنسان قاتل حكم عليه بالاعدام. هذا الانسان إنما يقدم توبة فقط حتى يسرق الفردوس، لا لإنه نادم فعلاً عن خطيته. و هو يندم و يتوب عن القتل لأنه لم يعد له القدرة على قتل أى أحد بعد أن صار فى السجن منتظراً تنفيذ حكم الاعدام. أو كأن يتوب إنسان عن خطية الزنا بعد أن شاخ و لم يعد يقوى على ممارسة هذه النجاسة بحكم تقدمه فى السن. هذا الانسان يتوب عن خطية بعد أن شبع بها ما دام كانت فيه قوة على ممارستها. أما الآن فهو يتوب عن خطية شبع منها تماماً و أرضى شهوته ضارباً بكل الوصايا عرض الحائط. و ها هو يتوب عنها لأنه لا يقوى على ممارستها فى هذه السن. أو كأن يسقط لص من على المواسير أثناء محاولته لسرقة إحدى الشقق. فهل سيقبله الله لو صرخ و هو فى الهواء "أذكرنى يا رب متى جئت فى ملكوتك" قائلاً له "اليوم تكون معى فى الفردوس"؟!! بالطبع هذا كلام غير منطقى و يتنافى مع عدل الله.

2- النوع الثانى هو نوع يتوب عن الخطية ليسرق الفردوس و يهرب من نار جهنم و العذاب الأبدى. و هذا النوع يبدى توبته بدموع و هو على فراش الموت صارخاً أن يرحمه الله و يغفر له ذنوبه التى عملها. هذا النوع لا يحب الله. و لكنه يريد أن يربح العالم كله، و فى نفس الوقت لا يخسر نفسه. فهو يريد أن يتمتع بملذات الحياة على الأرض، و أن يتمتع بالفردوس أيضاً. و هو حقيقة ليست رغبة فى التمتع بالفردوس بقدر ما هو رعب من نار جهنم. و هذا النوع يؤجل التوبة فى شبابه حتى يشيخ و يقدم التوبة عند موته أملاً فى الهروب من الجحيم إلى الفردوس. و الله ليس بساذج ليخضع لعملية النصب هذه من قبل هؤلاء من يظنون أنهم سيربحون كل شئ بذكائهم. فالله كل يوم يعطهم فرصة للتوبة، و لكنهم ينطبق عليهم قول الكتاب "أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة؟!" (رو 2 : 4).

و قد يسأل البعض كيف قبل الله توبة اللص اليمين، و القديسة بائيسة التى تابت فى ساعاتها الأخيرة؟! بالنسبة للص اليمين فلقد قال فيه أحد القديس أغسطينوس أن الله جعله الأول و الأخير من نوعه. لقد جعله أول من يسرق الفردوس فى لحظة حتى لا ييأس كل من يريد التوبة الحقيقية، و جعله الأخير حتى لا يطمع كل منافق فى الفردوس ظاناً إنه قد يكسبه بكلمات قليلة ينطقها عند موته. أما فى حالة القديسة بائيسة فقد ماتت و هى فى ريعان شبابها و لم تكن تعرف أن ساعتها قد جاءت. هذه القديسة ماتت بعد أن قدمت توبتها بصدق مستعدة أن تحيا عمرها كله فى الطهارة و النقاوة. و لقد رأى الله صدق توبتها، و إستقبل دموعها كرائحة بخور طيبة.

و لكن ...
قد يسأل البعض قائلاً: هل كل توبة ساعة الموت غير مقبولة؟! فيجيبهم الله "أنا الرب فاحص القلب مختبر الكلى لأعطي كل واحد حسب طرقه حسب ثمر أعماله" (أر 17 : 10). إن كانت التوبة من كل القلب بندم حقيقى عن الشر فالله يقبل هذه التوبة حتى و إن كانت فى الهزيع الأخير. أما لو كانت هذه التوبة عملية نصب يحاول بها الانسان الهروب من عذاب جهنم حيث نار لا تنطفئ و دود لا يموت فهو حالم. فالله عادل و ليس بساذج حتى يخدعه بشر أملاً فى ربح الدنيا و الآخرة.

فلنسرع جميعاً و لنتب الآن لأننا لا نعرف ماذا سيكون غداً، و لا نؤجل التوبة لأننا لا نضمن أن نعيش للحظة التى نتمنى أن نتوب فيها.

و أود أن أختم بقصة قرأتها تقول أن أحد الشباب صلى لله حتى يعلمه بساعة إنتقاله، و كان يصلى كثيراً حتى يعلمه الله بهذه الساعة. و أخيراً ظهر له ملاك و قال له إنه سوف يموت بعد ثلاث سنوات. فرح الشاب جداً و قرر أن يعيش حياة الخطية و الملذات الأرضية لمدة سنتين، و فى السنة الثالثة يقدم توبة بدموع حتى يرث الملكوت. و بالفعل إنطلق هذا الشاب ينهل من كل الملذات الآرضية لمدة سنيتين كاملتين. و فى سهرة ليلة رأس السنة الثالثة قرر أن يسهر سهرة الوداع للملذات ليبدأ التوبة من اليوم التالى فى بداية السنة الجديدة. سهر و سكر و خلاعة و مجون و زنا. و فى آخر السهرة إستقل سيارته عائداً لبيته حتى ينام و يصحو ليقدم توبة عن خطاياه. و لكن واأسفاه! فى طريق العودة إصطدمت سيارة الشاب بسيارة نقل كبيرة فتحطمت سيارته، و إنتقل الشاب إلى المستشفى يعانى إصابات خطيرة فى المخ. و على أثر هذه الاصابات دخل الشاب فى غيبوبة لمدة كبيرة. و فى ليلة رأس السنة كان الجميع يحتفلون بينما روح الشاب كانت تفارقه إلى الجحيم حيث ينتظر يوم الدينونة ليلقى به فى جهنم.

و لكن ليست هى قاعدة عامة ولا خاصة أن التوبة فى الساعات الأخيرة لا تقبل غالباً لأن الله هو الوحيد الفاحص القلوب و الكلى و يعرف ما لا يعرفه الانسان عن نفسه. لذلك فهو الوحيد الذى له السلطان لمحاسة كل واحد فينا. و لكن يجب علينا أن نحترس و نسهر السهر الروحى اللائق بانتظار العريس.

يا رب إرحمنا