PDA

عرض الاصدار الكامل : +++ دراسات متنوعة فى الكتاب المقدس +++


الملاك الحارس
19-09-2006, 08:51 AM
http://amal.e3sarcom.net/upload/BIBLE3%20vir.jpg

+++ مجدا لاسم الرب القدوس +++
الى الابد أمين

فى هذا الموضوع مجموعة من الدراسات المتنوعة للكتاب المقدس ..
الموضوع طويل الى حد ما ..


وبرجاء الردود فى اخر الموضوع وشكرا لكم والرب يبارك حياتنا جميعا

الملاك الحارس
19-09-2006, 08:52 AM
======= 1 =======
إعلان الله العجيب



الله بعد ما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه
(عبرانيين 1:1)
الله المتكلم
في أول أصحاح من الكتاب المقدس ترد عبارة هامة مليئـة بالدلالات تتكرر فيه إحدى عشرة مرة ، هى عبارة « قال الله ». فالله الذي نعرفه هو الله المتكلم. أما الأصنام فلها أفواه لكنها لا تتكلم، ولها آذان ولا تسمع (مز115: 5،6)، وعليه فلا يمكن للبشر أن يكونوا في شركة مع تلك الآلهة الوهمية. على عهد إيليا صرخ أنبياء البعل لساعات طويلة « يا بعل أجبنا، فلم يكن صوت ولا مجيب » (1مل 18: 26-28). أما الله الحي الحقيقي فليس كذلك، وأن يصمت الله فهذا في ذاته قضاء رهيب (1صم28).
والآية التي صدرنا بها هذا الفصل والتي تحدثنا عن الله المتكلم تعتبر تلخيصاً للكتاب المقدس كله. فالعهد القديم تلخصه العبارة « الله ... كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة »، والعهد الجديد تلخصه العبارة « كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه »!
يظن البعض أن الله في العصور المتأخرة فقط فكر أن يعطى للنـاس كتاباً، وأنه قبل ذلك لم يكن لدى البشر إعلان من عند الله. ترى أيمكن أن يكون ذلك كذلك؟ هل الكتاب الذي يعلن لنا الله يعتبر ترفاً للبشرية يمكن الاستغناء عنه، أم أنه ضرورة حتمية لا غنى عنها كالماء والهواء؟! قال المسيح في رده على الشيطان أثناء التجربة فى البرية، ما اقتبسه من سفر التثنية « ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله » (مت4:4، تث8: 3).
نعم، إن الإنسان المخلوق من الله لا يحتاج إلى الخبز فحسب، بل إلى كلام الله أيضاً. وما كان يمكن مطلقاً أن يترك الله البشرية تتخبط في دياجير الظلام والجهل قروناً بدون إعلان منه، فبدون إعلان الله نمسي في ظلمة حالكـة. من كان بوسعه أن يجيب عن تساؤلات الإنسان العديدة والملحة؛ إنه يتساءل هل من إله يتحكم في هذا الكون؟ وإذا كان هناك إله فهل هو يدري بنا أو يهتـم بشئوننا، أم أنه مشغول بنفسه في عليائه؛ خلقنا وتركنا نسير كيفما نسير؟
عن هذا قال واحد من أصحاب أيوب « أَإلى عمق الله تتصل ؟ أم إلى نهاية القدير تنتهي؟ هو أعلى من السماوات، فماذا عساك أن تفعل؟ أعمق من الهاوية فماذا تدرى؟ أطول من الأرض طوله، وأعرض من البحر!» (أى 11: 7-9). وهذه العبارة تعنى ببسـاطة أن إدراك كنه الله ليس في حدود إمكانيات عقولنا البشرية. لذا نقرأ أيضاً في نفس السفـر « القدير لا ندركه »(أى37: 23). وقال إشعياء النبي « حقاً أنت إله محتجب يا إله إسرائيل المخلص » (إش 45: 15). وهو نفس ما أكده الرسول بولس في العهد الجديد عندما قال عن الله « المبارك العزيز الوحيد... ساكناً في نور لا يُدنى منه » (1تى6: 15،16).
أحد القديسين القدامى، هو القديس إيرينيوس قال: "علمنا الرب أن لا أحد يقدر أن يعرف الله إلا إذا كان الله بنفسه هو المعلم". أي أننا لا نقدر أن نعرف الله بدون الله. أليس أمراً حتمياً ومنطقياً أنه لكي نحصـل على معرفة صحيحة عن الله كان يجب أن يتنازل هو ويعلن لنا عن ذاته؟ كما قال المرنم «بنورك نرى نوراً» (مز 36 : 9). أو بكلمات أخرى؛ بالإعلان الإلهي يمكننا أن نفهم.
لكن ليس معرفة الله فقط هي التي يجهلها الإنسان، بل هناك أسئلة كثيرة عند الإنسان عن أشياء خارج دائرة المنظور ودائرة ما قد يستطيع الإنسان بالبحث أن يصل إليه، وتحتاج إلى إجابة مقنعة، ولا يوجد سوى الله الذي بوسعه أن يعطى إجابة عليها. مثل : من أنا؟ ولماذا أتيت؟ وإلى أين أسير؟ وما هو المصير؟ حتى سليمـان في كل حكمته - بغير إعلان إلهي - قال « من يعلَم روح بنى البشـر هل هى تصعـد إلى فـوق؟ وروح البهيمة هل هى تنزل إلى أسفل؛ إلى الأرض؟» (جا 3 : 21).
نعم يفكـر الإنسان في هذا السؤال الهام: هل هناك خلاص للإنسان؟ وما السبيل إليه؟
بل ويفكر أيضاً في الألم ويتساءل لماذا يتألم البشر؟ ويفكر في الموت ويتساءل ماذا بعد الموت؟
هذه الأسئلة عينة للعديد من الأسئلة الجادة الموجودة في قلب الإنسان؛ فأين يجد الإنسان الإجابة الشافية عليها؟ أيمكن أن الله يخلق الإنسان ويتركه حائراً لا يعرف لماذا جاء ولا إلى أين يمضى؟
الله تكلم بأنواع وطرق كثيرة
يخبرنا الكتاب المقدس أن الله عندما خلق الإنسان لم يقصد أن يتركه لحال سبيله، بل إذ كان يحب الإنسان، فقد قصد أن تكون له شركة معه. فمحبة الله للإنسان لم تكن وليدة الزمان، لكنها أزلية. نحن نعرف أن الله أزلي ولا يتغير، وعليه فهو لم يكن في البداية مشغولاً عنا ثم أخيراً فكر فينا، بل هو منذ البداية يحبنا. ومن سفر التكوين 2،3 نفهم أن الله بعد خلقه للإنسان كان يأتي إليه ويتمشى معه، يتكلم إليه ويسمعه، كان بينهما أخذ وعطاء، مودة وشـركة . لقد ميز الله الإنسان عن باقي الخلائق بأن جعله عاقلاً ناطقاً؛ عاقلاً يستقبل كلامه ويفهمه، ناطقاً يتكلم مع الله، وهذا ما يميز الإنسان عن الحيوان
هذا ما كانه الإنسان فى البداية يوم خلقه الله. ثم دخلت الخطية (تك3) التي أفسدت كل شئ، فتمت كلمات إشعياء النبي « آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم » (إش59: 2). وبعد السقوط، عندما جاء الرب كالعادة للإنسان، اختبأ آدم وامرأته خلف أشجار الجنة، لأن الخطية قطعت العلاقـة بين الإنسان والله. لكن الله لم يترك الإنسان، بل أتى إليه مقدِماً الإعلان العظيم عن نسل المرأة الذي يسحق رأس الحية. وهذا معناه أن الله لم يترك الإنسان بعد السقوط يتوه في الظـلام، بل زوده بنور الإعـلان العظيم عن المسيح « نسل المرأة ». ثم في تكوين 4 نرى تعامل الله مع الإنسان المطرود خارج الجنة وكيف « بالإيمان قدم هابيل لله ذبيحـة أفضل من قايين » (عب11: 4). بل ولقد تكلم الله أيضا إلى قايين ليقوده إلى الطريق الصحيح المقبول عند الله. كل هذا يبرهن على أن الله اتصـل بالإنسان منذ البداية. ويختم نفس الأصحاح (تك4) بعبارة « حينئذ ابتُدِئ أن يُدعى باسـم الرب »؛ أي أنه كانت هناك شهادة لله على الأرض ابتداء من أنوش بن شيث الذي ولدته حواء عوضاً عن هابيل.
ثم يأتي الأصحاح الخامس من سفر التكوين لنرى كيف دعم الله الشهادة الشفهية بالأعمار الطويلة. ففي هذه الحقبة من الزمان، ولم يكن فن الكتابة قد اختُرع بعد، كانت الشهادة لله تنتقل من السلف إلى الخلف شفاهة، والرب قصد أن يطيل في عمر البشر لدعم هذه الشهادة، حتى أن متوشالح الذي مات في سنة الطوفان، بعد الخليقة بمدة 1656 عاماً، عـاصر آدم نفسه مدة 143 سنة!


.. يتبع ..

الملاك الحارس
19-09-2006, 08:53 AM
ولكن الإنسان بعد الطوفان بفترة وجيزة تهور في مأساة الوثنية، فلم تعد المشكـلة هي إبعاد الله وكلامه عن فكر الإنسان كما كان فى العالم القديم؛ عالم ما قبل الطوفان، بل إن الإنسان في هذه الحقبة استبدل حق الله بالكذب، فاستلزم أن يكون لله شعب يحافـظ على الشهادة له، فاختار الله إبراهيم وعائلته الذي قال له « هل أخفي عن إبراهيم ما أنا فاعله، وإبراهيم يكون أمة كبيرة وقوية... لأني عرفته لكي يوصى بنيه وبيته من بعده أن يحفظوا طريق الرب » (تك18: 17-19). ولما تكوّن هذا الشعب الذي اختاره الرب، وفي نفس الوقت قصرت أيام سني الإنسان إلى طولها الحالي، وكان موسى هو الإناء المستخدم من الله لإعلان هذا الأمر (مز 90: 10)، كان هو نفسه الإناء المستخدم لكتابة الأسفار الأولى للكتاب المقدس.
الكلمة المكتوبة
رغم أن الله لم يترك نفسه قط بدون شاهد (أع 14: 17)، ورغـم أن الشهادة لله كانت في البداية شفاهية - كما رأينا - فقد أتى الوقت الذي أصبح ينبغي أن يكون فيه لله شهادة مكتوبة.
وهناك عدة مميزات للشهادة المكتوبة عن الشهادة الشفاهية:
1- حفظها من الفساد والتلف: بالإضافة عليها أو الحذف منهـا أو التبديل فيها. فطالما أن الوثنية دخلت، ومن ورائها الشيطان بقدرته الفائقة على التزوير (كما اتضح من تجربته لحواء في الجنة - تك3)، أصبح لازماً أن يكون لله شهادة مكتوبة.
2- حفظها من النسيان: وهو الغرض الذي ذكره الرب في أول إشارة إلى كتابة كلامه بالوحي «فقال الرب لموسى اكتب هذا تذكاراً في الكتـاب وضعه في مسامع يشوع» (خر17: 14 انظر أيضاً يش1: 8).
3- نقلها من جيل إلى جيل: فعندما تكتب الشهـادة لا تكون مقتصرة على عمر الإنسان الذي أوحى الله إليه بها، لا سيما بعد أن قصرت الأعمار (2بط1: 14،15، 1كو10: 11).
4- لنشرها في كل مكان: فلا تقتصر على ظروف من يتلقى الوحي؛ من مرض أو شيخوخة أو حتى سجن (إر 36: 5،انظر أيضا إر 32: 2، 3، 33: 1، 39: 15،...)، بل يمكنها الانتشار في كل العالم (انظر كو4: 16).
وعندما أعطى الله كلمته مكتوبة حرص على أن يوضح أهمية تلك الكلمة؛ فهو أولاً طلب حفظها في أهم بقعة في كل الأرض « خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم » (تث31: 26) « فكتبت علـى اللوحين مثل الكتابة الأولى الكلمات العشر التي كلمكـم بها الرب . . . ووضعت اللوحين في التابوت الذي صنعت فكانا هناك كما أمرني الرب » (تث10: 4،5). فلقد وُضعت « الشهادة » داخل « تابوت الشهادة » في « خيمة الشهادة ». لاق بالمرنم أن يقول فيما بعد « أنت أوصيت بوصاياك أن تُحفظ تماماً» (مز119: 4).
وكتابنا المقدس لم يهبط من السماء دفعة واحدة، بل لقد استغرقت كتابته فترة زمنية نحو1600 سنة، وفى خلال هذه السنين كان الكتاب ينمو شيئا فشيئاً. الكتاب إذاً كائن حي؛ بدأ صغيراً، ومع ذلك كان كاملاً وفيه حياة. ولما نما ظل كاملاً وظلت فيه الحياة.
والكتاب في مولده ونموه يذكرنا بمولد الفجر وشـروق الشمس، ثم ازدياد نورها إلى أن تصل إلى أوج النور عندما تتوسط الشمس كبد السماء، ولا شئ يختفي من حرها.
لقد عامل الله البشرية في طفولتها كما نتعامل مع الطفل في روضة الأطفال. فالأطفال في سني الروضة يتعلمون الأبجدية وشيئاً من الدروس الأولية البسيطة؛ إننا طبعاً لا نعلمهم الخرافات،بلما هو صحيح، لكن على قدر مستواهم البسيط. ثممع نمو الطفل، تكبر معارفه؛ وعندها نحنلا نقوم بتصحيح ما تعلمه الطفل فى البداية، بل فقط نعمق معارفه إذ يبنى على ما سبق أن تلقنه بصورة أولية بسيطة.
ولقد شبه أحدهم نمو الكتاب المقدس تدريجياً بامرأة تسير في حديقة غناء إلى جوار الرجل العظيم الذي يمتلك تلك الجنة. والمرأة ممسكة في يدها باقة رائعة من الورود الجميلة أهداها لها صاحب الحديقة. ومن آن إلى آخر يقطف الرجل وردة أخرى من فردوسه ويضيفها إلى باقة الورود التي تمسكها السيدة، إلى أن اكتملت تلك الباقة الرائعة. ولو أن الباقة كانت مقدرة ومعتبـرة من السيدة حتى قبل اكتمالها؛ من بداية أول خمس زهرات قدمها ذلك السيد العظيم، وسلمها لهذه المرأة العزيزة على قلبه. هكذا تماماً كان تقدير المؤمنين إلى أسفار الوحي المقدس منذ البداية.
وعندما نقرأ في سفر المزامير؛ المزمور التاسع عشـر مثلاً، كان ما يقرب من ثلثي أسفار الكتاب المقدس لم يُكتب بعد، فإننا نجد كيف كان داود يُقـدِّر الكتاب الذي بين يديه ويعتبره وحي الله الكامل، المحيى، والحق (ع7-9).
كتاب الله
سُئِل مرة أحد قادة المسيحية في القرن الثالث، اشتهر بالحكمة، عن المصدر الذي منه استقى المعرفة والحكمة، فأجاب: "إن كل ما تعلمته يرجع الفضل فيه لكتابين، الكتاب الأول هو ظاهرياً كتاب صغير، وأما الكتاب الآخر فهو كبير جداً. الكتاب الأول يتكون من صفحات عديدة، بينما الكتاب الثاني يشتمل على صفحتين فقط. صفحات الكتاب الأول بيضاء ومكتوب فوقها بأحرف سوداء، أما الكتاب الثاني ذو الصفحتين فإحداهما زرقاء والأخرى خضراء؛ وفى الصفحة الزرقاء حرف كبير ذهبي، وعدة أحرف أصغر فضية، والصفحة الخضراء عليها حروف كثيرة من كل الألوان".
وغنى عن البيان أن الكتاب الكبير الذي قصده هذا الحكيم هو كتاب الطبيعة، وأما الكتاب الصغير فهو الكتاب المقدس. الله هو كاتب كلا الكتابين؛ أرسل أحدهما لكل الخليقة، والثاني لشعبه فقط. كتاب الطبيعة هو الكتاب الأشمل الذي بوسع كل البشر أن يقرأوه، والكتاب المقدس هو الكتاب الأكمل الذي يحدثنا عن جوانب لم يخبرنا بها الكتاب الأول. الكتاب الأول حدثنا عن قدرة الله وحكمته، والثاني عن قداسة الله ومحبته. الكتاب المنظور يشتمل على أعمال الله والكتاب المسطور يشتمل على أقوال الله؛ لكن كليهما يحدثنا بطريقة صريحة ومقنعة عن مجد الله.
ما أسعدنا إذاً بهذا الكتاب المقدس. إنه رسالة الله إلي الإنسان، لا رسالة الإنسان إلى أخيه الإنسان. السماء والأرض تزولان، وهذا الكتاب لا يزول (مت24: 35). تنحل العناصر محترقة، وتحترق الأرض والمصنوعات التي فيها، وأما كلمة الرب فتثبت إلى الأبد (2بط3: 10، 1بط1: 25). ومع أنه أقدم كتاب عرفته البشرية، ولكنه لا يبلى ولا يتغير. لقد مرت عليه ألوف السنين ومع ذلك فهو لا يحتاج إلى تحديث ولا إلى تنقيح. هو كتاب لا يشيخ ولا يهرم، بل كالنسر يجدد شبابه دائماً. إنه كتاب كل العصور، فلا يوجد كتاب نظيره لا زال البشر يقرؤونه بشغف ولذة وخشوع، ويجدون فيه دائما شيئاً جديداً، مما يبرهن على أن صاحبه هو الله الأزلي الأبدي. ولا زال هو موضع احـترام الملايين الذين آمنوا به فصار لهم نبراساً وهدى، صحح أخطاءهم، وقوّم اعوجاجهم، وأرشدهم إلى الطريق الأبدي.
يتكون هذا الكتاب من قسمـين رئيسيين؛ العهد القديم والعهد الجديد. كل صور ورموز وطقوس العهد القديم تتجاوب مع الشخص المحوري في العهد الجديد بصورة فائقة، لا يمكن أن تكون من صنع إنسان كائن من كان.
هو أكثر جدا من مجرد كتاب، إنه مكتبة تضمنت أسفاراً من شتى البلاد ثم جُمعت معاً فإذا هي كتاب واحد. فيه تاريخ وفيه نبوة، فيه قصة وفيه رسالة، فيه شعر وفيه شريعة، لكن النبوة فيه صادقة ودقيقة مثل التاريخ، والقصة مملوءة بالتعاليم مثل الرسالة، والشعر يعبر عن فكر الله مثل الشريعة.
نعم ما أسعد البشر بهذا الكتاب؛ فهو يضفي على القصور بهجـة وعلى الأكواخ نوراً وسعادة. يصلح للمتعلم ولغير المتعلم، وفيه يجد الإنسان حاجته في المعرفة عن الله، وعن نفسه، عن التاريخ وعن المستقبل، عن الخلاص وعن الثواب والعقاب.
ثم إنه كتاب الأجيال كلها، إذ لا توجد قصص ملذة للصغـار مثل قصص الكتاب المقدس، ولا نصائح أنفع للشباب من نصائح الكتاب المقدس، ولا رفيق للرجال أو أنيس للشيوخ أعظم أو ألذ من الكتاب المقدس. بل إنه كتاب كل الأوقات والظروف والأحوال. الكتاب الذي يفوق الكتب جميعا سـداً لحاجات النفس البشرية.
هذا هو كتاب الله العجيب الذي لم يترك شيئاً من الأمور إلا وحدثنا عنه. حدثنا عن الأزلية والأبدية، وعن الحياة اليومية. حدثنا عن الخوف والسلام، عن الحب والحسد، عن هيكل الله وبيوت الأوثان. وفيه نسمع أصوات الحرب وترانيم السلام، صرخات المجاعة وأناشيد الحصاد. نلتقي فيه بالملوك والكهنة، بالرعاة والجنود. نشاهد فيه مناظر في الأرض ومناظر في البحر، مدناً وقرى، جبالاً وودياناً. لكن الأجمل من ذلك أننا من خلال هذا كله - كما سنري فيما بعد - نستطيع أن نستمع إلي صوت الله متكلماً إلينا.
إنك إذا أمسكت به سرعان ما تجده قد أمسك بك. حسناً قال نابليون بونابرت القائد الفرنسي الشهير مرة مشيراً إلي الكتاب المقدس في حضور ثلاثة من كبار قادته: "الكتاب الذي علي المائدة هو بالنسبة لكم كتاب. لكنه أكثر من ذلك بالنسبة لي. إنه يتحدث إلـىّ. إنه كما لو كان شخصاً"
الكتاب الفريد
قبل أن ندخل في تفصيلات عظمة هذا الكتاب، وهو ما سنفعله بالتفصيل في الفصول التالية، نحب أن نمر في عجالة سريعة على بعض نواحي تفـرد هذا الكتاب الفذ.
أولاً : هو أقدم كتاب في العالم - فلا يوجد اليوم كتاب بقدم هذا الكتاب الذي كُتبت أسفاره الأولى بواسطة موسى من قبل 3500 سنة ، أي نحو عام1500 ق. م.
ثانياً: أطول فترة كتابة - فهناك أشخاص عملوا مراجع قيمة استغرقت منهم عشرات السنين، لكن لا يوجد كتاب قط استغرق ما استغرقه الكتاب المقدس لكي يُكتب، فلقد كتب على مدى 1600 سنة.
ثالثاً: أكبر عدد مخطوطات - فإن عـدد المخطوطات القديمة للكتاب المقدس هو 24600 مخطوط، وهو يمثل أكبر عدد مخطوطات قديمة لأي كتاب قديم، والكتاب الذي يليه في كثرة عدد مخطوطـاته هو إلياذة هوميروس وعدد مخطوطاتها هو فقط 643 (ستمائة وثلاثة وأربعون)!!
رابعاً: أول كتاب تُرجم في العالم - لم يسبقه في ذلك أي كتاب على الإطلاق، إذ تُرجم العهد القديم من العبرية إلى اليونانية نحو عام 282 ق. م، كما سنشرح ذلك بأكثر تفصيل في الفصل السادس.
خامساً: أغلى مخطوط في العالم - عندما عرضت حكومة روسيا الشيوعية المخطوط السينائى - الذي سنتحدث عنه في الفصل الخامس - للبيع، اشترته الحكومة البريطانية بمبلغ 510 ألف دولار أمريكي ، وهو يمثل أعلى مبلغ يدفع في أي مخطوط على الإطلاق حتى ذلك التاريخ.
سادساً: أول كتاب طبع بأسلوب الطباعة الحديثة، عندما قام جوتنبرج مخترع ماكينة الطباعة بألمانيا بطبع مائة وعشرين نسخة منه (الفولجـاتا) على الورق وكان ذلك في أواخر القرن الخامس عشر.
سابعاً: أكبر عدد ترجمات - فلقد تُرجـم حتى الآن؛ كله أو أحد أجزائه إلى نحو 1946 لغة ولهجة، بل إن بعض هذه اللغات التي تُرجـم إليها الكتاب ليس لها كتابة إلا الكتاب المقدس. والكتاب الذي يليه هو أعمال لينين، الذي تُرجِم إلى أكثر قليلا من مائتي لغة فقط.
ثامناً: أعلى معدل توزيع في العالم - لقد كان الكتاب المقدس ولا يزال أوسع الكتب انتشاراً، إذ يطبع ويوزع من هذا الكتاب نحو 150 مليون نسخة سنوياً، أي نحو 5 نسخ في كل ثانية من ثواني الليل والنهار.
بالإضافة إلى كل ما سبق فقد كان أول تلغراف فى العالم آية من آيات الكتاب المقدس، عندما أرسل البروفيسور مورس مخترع التلغراف أول إشـارة تلغرافية فى 24 مايو سنة 1844 نصها « ما فعل الله » (وهي الآية الواردة في سفر العدد23: 23).
كما أنه يمثل أطول تلغراف في العالم، حيث تم إرسال العهد الجديد كله في تلغراف طويل من نيويورك إلى شيكاجو عندما ظهرت ترجمة الملك جيمس المنقحة Revised Version في مايو عام 1881.
كما كان أول كتاب يسافر إلى الفضاء الخارجي إذ حُمل مصوراً على ميكروفيلم. كما أن أول آية من آياته قُرِئت على سطح القمر، عندما قال رائد الفضاء الأمريكي وهو هناك « في البدء خلق الله السماوات والأرض ».
الكتاب المقدس بالإضافة إلى ما سبق هو الكتـاب الأول من حيث الإعجاب به. فمنذ عصر الرسل وحتى اليوم نشاهد نهراً متدفقاً لا ينقطع من الأدب الذي أوحى به الكتاب المقدس؛ من فهارس وقواميس وموسوعات وأطالس ومعاجم وجغرافية وعلم آثار الكتاب، بالإضافة إلى ما لا يحصى من الكتب اللاهوتية والتربية المسيحية والترانيم التعبدية، وسير القديسين وتاريخ الكنيسة والكتابات التأملية والتفاسير إلى غير ذلك من المؤلفـات ما يعسر على الحصر.
لكنه أهم من كل ذلك هو الكتاب الوحيد الذي يعطي تاريخاً متصـلاً للبشرية من آدم إلى يومنا الحاضر. وهو الكتاب الوحيد الذي عندما يذكر التاريخ القديم لا يذكره كمجرد قصة بل نرى فيه غرضاً إلهياً في هذا التاريخ. كما أنه هو الكتاب الوحيد الذي يحتوي على نبوات مفصلة بصـورة عجيبة، تمت ولا زالت تتم بكل دقة. ثم إنه الكتاب الذي يقدم أسمى روحيات، وأرقى أدبيات عرفها بنو البشر. وأخيراً وليس آخراً؛ هو الكتاب الوحيد الذي يقنع الإنسان بخطئه، من ثم يقوده إلى الشخص الوحيد الذي بوسعه أن يحرر من الخطية.
نعم هو الكتاب الوحيد الذي يشير لنا إلى الشخص الوحيد. فكما أن المسيح ليس له في كل الكون نظير، هكذا كتاب الله ليس له نظير. في مزمور 40 نقرأ « بدرج الكتاب مكتوب عني » (ع7). ترى من هو هذا الشخص المتكلم هنا؟ وإلى أي كتـاب هو يشير؟ إنه الشخص الفريد ويشير إلى الكتاب الفريد. فالمتكلم هو المسيح ابن الله، والكتاب هو الكتاب المقدس كلمة الله. الشخص هو الكلمة المتجسد، والكتاب هو الكلمة المكتوبة.
إننا في الكتاب المقدس نلتقي بذاك « الذي كتب عنه موسى في الناموس والأنبياء يسوع ابن يوسف الذي من الناصرة » (يو1: 45). فأينما قرأنا في الكتاب نجد المسيح. الكلمة المكتوبة تقدملنا الكلمة الحي الأزلي. وإن كنت مشتاقاً أنتعرف هذا الشخص الفريد أو هذا الكتاب الفـريد فإننا ندعوك إلي الكتاب المقدس قائلين لك كما قال فيلبس لنثنائيل في يوحنا1: 46

الملاك الحارس
19-09-2006, 08:53 AM
======= 2 =======
الكتاب المقدس, كلمة الله



لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذى حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ
(عبرانيين 4: 12)
ختمنا حديثنا في الفصل السابق بالمشابهة بين كتاب الله ومسيح الله. لعل أوضح تلك المشابهات هو أن كليهما يسمى كلمة الله*. فالكتاب المقدس هو الكلمة المكتوبة، والمسـيح هو الكلمة المتجسد. وسنخصص هذا الفصل للحديث عن هذا الموضوع المنعش
الكلمة المكتوبة والكلمة الحية
هناك مشابهة قوية بين إيماننا بالوحي، وإيماننا بالتجسد. الطبيعتان (الطبيعة الإلهية والإنسانية) ظاهرتان في الواحد، والصوتان (صوت الله وصوت الإنسان) يُسمعان في الآخر.
سَلْ أي مؤمن حقيقي؛ من هو المسيح؟ والإجابة على ذلك واضحة من قول الرسول بولس « وبالإجماع عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد » (1تي3: 16). لما سألت المطوبة مريم سؤال الدهشة: كيف أحبل وألد ابناً وأنا عذراء؟ أجابها المـلاك « الروح القدس يحل عليك، وقوة العلي تظللك، فلذلك القدوس المولود منك يدعى ابن الله » (لو1: 35). وكما أتى الروح القدس إلى بطن المطوبة العذراء مريم، وأنـتج فيها هذا الشئ القدوس المولود منها، هكذا أيضاً أتى الروح القدس إلى عقل بل وكيان موسى وداود وإشعياء وباقي كتبة الوحي؛ لقد ظللتهم قـوة العلي، ولذلك فإن الشيء المقدس الذي أنتجوه من عقولـهم وكتبوه بأقلامهم ودونوه بلغتهم؛ يدعى كلمة الله.
بالنسبة للمسيح كان هناك إناء بشري هو العذراء مريم؛ تكوّن ناسوت المسيح في بطنها، لكن الروح القدس حل عليها وقوة العلي ظللتها، فنتج المسيح الخـالي من الخطية. وبالنسبة للكتاب المقدس هناك أواني بشرية، لكن الروح القدس هيمن تماماً عليهم (2بط1: 21)، فنتج الكتاب المقدس الخالي من الخطأ.
بناء على ما سبق يمكن القول: كما أن شخص المسيح له طبيعتان؛ الطبيعة الناسوتية، والطبيعة اللاهوتية؛ عنصر بشرى استمده من المطوبة مريم، وعنصر إلهي بالروح القدس، هكذا أيضاً الكتاب المقدس يتكون من عنصر بشري مستمد من كتبة الوحي؛ علمهم واختباراتهم ولغتهم... إلخ وعنصر إلهي من الروح القدس، ونتيجة لذلك فإنه كما كان المسيح كلمة الله المتجسد خاليـاً من الخطية، هكذا كلمة الله الموحى بها خالية من الخطأ. إن بشرية الرب يسوع المسيح هي مثل بشريتنا تماماً في كل شئ ماخلا الخطية، وبشرية الكتاب هى مثل كل الكتب ما خلا الخطأ.

العنصران: الإلهي والبشرى

لا مجال للقول إذاً أنه إن كان المسيح هو الله فكيف يكون إنساناً، أو إن كان هو إنساناً فكيف يكون الله. وبالمثل لا مجال للقول إذا كان الكتاب المقدس هو كلمة الله فكيف يكون قد كتبه إنسان، ولا إن كان قد كتبه البشر فكيف يكون كلام الله. وإنجيل لوقا الأصحاح الأول يحدثنا عن العنصرين في المسيح (ع35،42)، كما حدثنا أيضا في فاتحته عن العنصرين في الوحي. ونحن كما نؤمن بالحقيقة الأولى، نؤمن أيضاً بالحقيقة الثانية. وسوف نعود في الفصل التالـي إلى هذه النقطة الهامة
التشابه بين الكلمة المكتوبة والكلمة المتجسد
1- السرمدية: فالمسيح أزلي (يو1:1)، والكلمة المكتوبة تعلن لنا أشياء سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا (1كو2: 7-10). والمسيح أبدي (رو9: 5) وكذلك أيضاً الكلمة المكتوبة (مز119: 89، 1بط1: 25).
2- التكوين: لقد تكون المسيح بالروح القدس « هيأت لى جسداً » (عب10: 5، انظـر أيضاً لو1: 35)، ونفس الأمر يقال عن الكلمة المكتوبة، فلقد « تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس » (2بط1: 21).
3- البشرية: فالله الساكن فى نور لا يدنى منه، أصبح قريباً من الإنسان فى شخص المسيح، ووصل إلى أبسط البشر إذ أخذ صورة عبد صـائراً فى شبه الناس ووضع نفسه، وهكذا أيضاً أفكار الله التي لا تُفحَص كُتبت في لغة بشرية يستطيع أبسط البشر أن يقرأها ويفهمها (يو5: 39).
4- النمو: بدأ المسيح جسداً صغيراً ثم أخـذ ينمو شيئاً فشيئاً (لو2: 40)، وهكذا أيضاً الكتاب؛ بدأ صغيراً ثم أخذ ينمو.
5- الاتساع: قبل الصليب كان المسيح محدوداً بالجسد، داخل حدود اليهودية، لكن بعد الموت والقيامة ملأ الكل، وأومن به فى العالم (أف4: 10، 1تى 3: 16). وكذلك أيضاً الكتاب، فكان أولاً كتاباً يهودياً، وبعد حلول الروح القدس انتشر فى كل العالم، وتُرجم إلى كل اللغات.
6- العصمة : فالمسيح عندما تجسد أشبهنـا فى كل شئ ما عدا الخطية، والكتاب المقدس هو كتاب مثل باقى الكتب ما خلا الخطأ.
7- العنصران: يحتوى شخص المسيح على العنصر الإلهـي والعنصر البشرى، فهو إله كامل وهو إنسان كامل، إنه إنسان لكنه كلى العلم وكلى القدرة، وهكذا الكتاب أيضاً كامل يرد النفس (مز19: 8) وكلمة الله حية وفعالة (عب4: 12).
8- السلطان: المسيح كان يتكلم بسلطان وليس كالكتبة (مر1: 22، مت7: 29) ولم يتكلم قط إنسان هكذا مثله (يو7: 46) وهكذا الكتاب المقدس له سلطانه على القلوب والضمائر (2مل22: 11).
9- التحدي: لا تقدر أن تقف من المسيح موقف الحياد؛ كثيرون يرفضون المسيح، لأن أعمالهم شريرة (يو3: 19) كما أن الكثيرين يقدرونه فوق كل شخص آخر ويؤمـنون به بكل قلوبهم. وهكذا الكتاب المقدس، يرفضه الكثيرون لأن أعمالهم شريرة، ويقدره الآخرون فوق أى كتاب آخر، ويعظمونه كعظمة اسم الله ذاته (مز138: 2)
10- النصرة: اضطُهد المسيح حتى الموت لكنه غلب الموت وقام من القبر. والكتاب المقدس حاولوا إبادته بكل الوسائل؛ ظنوا أنهم مشوا في جنازته، لكنه لازال كتاباً حياً ويهب الحياة.
11- الإعـلان: المسيح يعلن نفسه لمن يؤمن به (يو9: 35-38) والكتاب المقدس لن يفهمه سوى من يؤمن به (1كو1: 18، 2: 14، 2كو3: 14-16، 4: 3،4).
12- التأثير: المسيح يخرج من فمه سيف ماض ذو حدين (رؤ1: 16، 2: 12، 16، 19: 15)، وكذلك يُشبّه أيضا الكتاب المقدس بالسيف (عب4: 12، أف6: 17).
13- التطهير والاغتسال: كلاهما يطهر الحياة (تى2: 14، يو13: 8، 1بط1: 22، أف5: 26)
14- كلاهما يقدس: المسيح هو الذي قدّسنا (عب2: 11، 13: 12)، وكذلك الكلمة المكتوبة (يو17: 17).
15- كلاهما الحق: فلقد قال المسيح عن نفسه « أنـا هو الطريق والحق والحياة » (يو14: 6) وهكذا كلمة الله هي الحق (يو17: 17، مز119: 142).
16- كلاهما الحيـاة: فلقد قال المسيح « أنا هو ... الحياة » (يو11: 25، 14: 6)، وهكذا أيضا الكلمة المكتوبة (1بط1: 23، يو6: 63، 68).
17- الخبز للجائع: المسيح قال عن نفسه « أنا هو خبز الحياة » (يو6: 35،48)، والكتاب المقدس هو أيضا خبز (مت4: 4).
18- النور للأعمى: قال المسيح « أنا هو نور العالم » (يو8: 12)، والكلمة المكتوبة هي أيضا نور (مز119: 105).
19- كلاهما يخلص ويدين: فالمسيح يخلص الخاطئ التائب وهو الديان للرافضين (أع4: 12، 10: 42)، والكتاب أيضا يخلص (2تى3: 15، 1كو15: 2) ويدين (يو12: 48).
20- كلاهما يشهد للآخر: فالمسيح شهد باستمرار للكلمة المكتوبة؛ لوحيها وسلطانها، والكلمة تشهد باستمرار للمسيح، فهو موضوعها (1بط1: 10-12، لو24: 27، 44).
إن الذين يعتبرون المسيح هو المخلص الوحيد هم أنفسهم الذين يعتبرون الكتاب المقدس هو المرجع النهائى والفريد، وكذلك الذين لم يكتفـوا بالمسيح فى أمر خلاصهم، فإنهم أيضا لم يكتفوا بالكتاب كمرجعهم النهائى. أما نحن فإننا بسرور نقبل الأول كأساس الخلاص الكامل، والثاني كمصدر التعليم النهائي. فالمسيح بالنسبة لنا هو المخلص وليس سواه (أع4: 12)، وكتابه مرجعنا للتعليم وليس غيره.
ليس معنى ذلك أننا نجعل الكتاب المقدس هدفاً لسجودنا، أو موضوع عبادتنا، كلا فليس إلى جوار المسيح مخلص أو رب. إن الكتاب المقدس هو فقط الوسيلة الإلهية التي سُرَّ الله أن يستخدمها لكيما يعلن لنا عن شخصه ويقودنا بهذا الأسلوب إليه. ومع أننا نحترم كلمة الله وننحني باحترام أمام كلامه، لكننا لا نعبد سوى الله الآب والابن والروح القدس.
سلطان الكتاب المقدس، وقوة تأثيره
أشرنا فيما سبق إلى المشابهة بين الكلمة الحي المتجسد؛ ربنا يسوع المسيح في تأثيره العجيب، وبين تأثير الكلمة المكتوبة بالوحي. والواقع إن الكتاب المقدس كأنه يشير إلى الأعمال العظيمة التي عملها فى الإنسانية مما نسمعه وننظره ويقول نفس ما قاله المسيح مرة لرسل يوحنا المعمدان « اذهبا وأخبرا . . . بما تسمعان وتنظـران؛ العمى يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشرون. وطوبى لمن لا يعثر فيَّ » (مت 11: 4-6).
بل ويستطيع المؤمن أن يشير إلى كتاب الكتب هذا قائلاً ما قالته السـامرية عن المسيح: هلموا انظروا (كتاباً) قال لى كل ما (نويت)، أليس هذا كتاب الله؟!
يقول الرسول « لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين، وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكـار القلب ونياته » (عب4: 12).
حقيقة لا تقبل الجدل أنه لا يوجد فى كل العالم كتاب مثل الكتـاب المقدس له من الأعداء ومن المحبين العدد الذي لا يُحصى من الملايين!! لماذا يعادونه ويكرهونه؟! لأنه الحق - لو لم يكن قد وصل إلى ضمائرهم وبكتّهم ما كانت لهم حاجة إلى إجهاد أنفسهم في مقاومته، فكما قال رجل الله داربى "الناس لا يسلحون أنفسهم ضد القش بل ضد السيف الماضي الذي يرتعبون من مضاء حديه".
وإلى أي حد يحبونه؟ إلى الحد الذي جعل الآلاف من المؤمنين تضحي بكل شيء حتى الحياة من أجله. إن من يقرأ التاريخ يقف بإعجاب خشوعي أمام العديد من الرجال والنساء على مر الأجيال والقـرون، الذين جُـلِدوا أو نُشِروا أو أُحرِقوا أو ماتوا بالجوع أو الصلب لسبب إيمانهم بأن الكتاب المقدس هو كتاب الله.
منذ أعوام، عندما كانت الشيوعية لا زالت تسيطر على دول الاتحاد السوفيتي، أُلقى القبض على شابة مسيحية فى روسيا اسمها عايدة بتهمة مجاهرتهـا وكـرازتها بالمسيح، وقضت في أحد معسكرات الاعتقال 4 سنوات. وعندما سُئلت بعد ذلك عن أصعب ما كان في السجن، فإنها لم تتحدث عن الطعام،ولا البرد، ولا الوحدة. لكنها قالت "هو أن تعيش بدون الكتاب المقدس5"
لماذا أحب كل هؤلاء الكتاب المقدس إلى هذا الحد؟ السبب لأنه كتاب غير عادى. إنه كتاب الله، رسالة السماء. وكما تعلو السموات عن الأرض هكذا يعلو هو عن سائر الكتب!
مرة وقف أحد المبشرين يعظ، فقاطعه فيلسوف كان حاضراً الاجتماع بالقـول إنك تعظ من الكتاب المقدس معتبراً إياه كلمة الله. فمن قال لك إنه كذلك؟ رد المبشر عليه بهدوء طالباً منه إن كان بوسعه أن يحضر إلى الاجتماع في اليوم التالي ومعه شخص واحد كان معروفاً فى المدينة بفساده وشره، ولما قرأ فلسفاته أو أية فلسفة أخرى تغيرت حياته إلى حياة جديدة فاضلة؛ وفى المقابل لذلك فإنه (أى المبشر) مستعد أن يحضر معه عشـرات ممن كانوا أشـراراً وسكيرين وتعساء جداً لكن الكتاب المقدس بدّل حياتهم إلى حياة التقوى والسعادة.
أليست هذه حقيقة واقعة؟ أليس لكلمة الله تأثير عجيب في النفوس؟! ومرة ثانية نتساءل لماذا يكره الناس الكتاب المقدس؟
حدث مرة أن سافر رجل من أمريكا مع ابن أخيه فى رحلة تجارية، وكان معهما مبلغ كبير من المال. وكان عليهما أن يجتازا منطقة نائية غير مأهولة بالسكان فى وسط غابات أمريكا. وإذ أرخى الليل سدوله على المسافرين أخذا يبحثان عن أقرب مأوى يأويان إليه. فرأيا من بعيد كوخاً، اتجها إليه وقرعا بابه. ولما فتح لهما رجل قروي عجوز، هو صاحب الكوخ، سألا إن كانا بوسعهما أن يبيتا ليلتهما عنده. فرحب بهما، وقادهما إلى غرفة بسيطة كان عليهما أن يفترشا أرضها ليبيتا هناك. قرر الرجل أن يتناوب هو وابن أخيه السهر لحراسة الثروة التي معهما. لكن - وفى أثناء نوبة نوم الرجل - لاحظ أن ابن أخيه يستعد أيضاً للنوم. فذكره بما اتفقا عليه من ضرورة سهر أحدهما لحراسة المال. فقال له الشاب: لا حاجة لنا إلى ذلك، فإننا هنا في أمان نحن وأموالنا، فلقد رأيت صاحب البيت يقرأ في الكتاب المقدس مع أفراد أسرته، ثم يصلي طالباً البركة والراحة لهم ولضيوفهم!!!
وكم من شعوب بدائية وهمجية حولتها كلمة الله إلى شعوب راقية! يُذكَر أن رجلاً كـان قبلاً من آكلي لحوم البشر، كان جالساً يقرأ في كتابه المقدس بخشـوع، فمر عليه أحد الأوربيين الملحدين، وسأله عن الكتاب الذي يقرأه. فأجاب الرجل البربري : أنا أقرأ كتاب الله. فردّ عليه المتمدن قائلاً: هذه سخافات تغلبنا عليها قبلكم، ولابد أنكم يوماً تعرفون الحق مثلنا. فأجابه الرجل البربري: لولا هذه السخافات في نظرك لكنت اليوم طعامي في غذائي، لكن ما تسميه أنت سخافات كان له الفضل في تغيير حياتي! نعم كم غيرت كلمة الله من حياة الكثيرين. واليوم حدث العكس بالأسف، فما التشويـش الحاصل فى العالم إلا نتيجة انصراف تلك الشعوب وتحولها بعيداً عن الكتاب المقدس.
ونحن نقول ما قاله المسيح مرة « من ثمارهم تعرفونهم؛ هل يجتنون من الشوك عنباً أو من الحسك تيناً؟ » (مت7: 16). ألم يتغير الشاب الماجن أغسطينوس إلى أشهر قديسي المسيحية بفضل هذا الكتاب؟ إن آية واحدة هي تلك الواردة في رومية 13: 11 كانت كافية لإحداث تغيير كامل في حياة أغسطينوس! ونحن نعـرف أن الميـاه لا تعلو فوق مصدرها. لو لم يكن هذا الكتاب سماوياً لما أمكنه أن يغير حياة الملايين إلى حياة القداسة والتقوى!
قال خادم الرب توري أنه عندما يتقابل مع أفاضل النـاس الذين لهم علاقة حية مع الله ومع الكتاب المقدس فإنه يقول لهم عادة أشكر الله لأجـل إيمانكم بالكتاب المقدس لأن هذا يقوى إيماني أيضاً. كما أنه عندما يتقابل مع الذين لا يؤمنون بالكتاب المقدس ويلاحظ فسـاد سلوكهم وشر أفعالهم فإنه يقول فى نفسه: إنى أشكر الله أيضاً، فهؤلاء الناس هم أيضاً يزيدون إيماني فى الكتاب المقدس!
وكلمة الله ليس فقط تغير الحياة بل تملؤها بالسعادة. تحـدث "سبرجن" عن سيدة عجوز كانت تجلس لتبيع الفاكهة، وكانت تصرف وقت فراغها فى قراءة الكتاب المقدس، عندما سألها أحد الزبائن "ماذا تقرأين؟" فقالت "أقرأ كلمة الله" -أجابها: "كلمة الله! ومن أدراك إذا كانت هذه كلمة الله؟" ارتبكت المرأة فى البداية، لكنها سألته "أفي إمكانك أن تبرهن لي أن الشمس ساطعة؟" فقال "ما أيسر ما تطلبين. فإن برهاني على ذلك هو ما تشعرني به من دفئها وما أراه من نورها" فأجابت المرأة وقد شاع الفرح في قسمات وجهها "والكتاب المقدس هو كلمة الله لأنه يبعث فيَّ الدفء والنور"!!
قال عنه رجل الله داربي6 "فرحى، وتعزيتي، وطعامي، وقوتي لنحو ثلاثين سنة كان هو الكتاب المقدس الذي قبلته بلا أدنى ريب ككلمة الله".
مرة أرسل واحد من الملحدين إلى مؤمن شاب مجموعة من الكتب التي تنكر وجود الله، ونصحه أن يقرأ في هذه الكتب الأدبية، لا في ذلك الكتاب البالي المسمى بالكتاب المقدس. فرد عليه المسيحي قائلاً: عزيزي، إذا عرفت أي كلام أفضل من موعظة الجبل، أو من مثل الابن الضال، أو إذا كان لديك أية موضوعات تعزي النفس وتطمئنها أفضـل من مزمور 23، أو وقع تحت سمعك أو بصرك أية كتابات تلقي الضوء على المستقبل، وتكشف لنا قلباً أكثر لطف وصلاح من قلب الآب أفضل مما يفعله العهد الجديد، فإني أرجوك أن ترسلها إليَّ7!
وبعد، فإننا بصدد الحديث عن هذا الكتاب العظيم، نذكر تلك الحادثة للشاعر والقصصي الإنجليزي الشهير "والتر سكوت" الذي عاش من عام 1771 إلى 1832 وكانت مكتبته العامرة تحتوى على نحو 20 ألف كتاب. قال وهو على فراش الموت لصديقه لوكهارت أن يقـرأ له في الكتاب. ولما نظر ذاك إلى المكتبة الضخمة وما فيها من كتب عديدة سأله "أي كتاب تقصد؟" أجابه السير والتر "لا يوجد إلا كتاب واحد يجب أن ندعوه الكتاب، وهو الكتاب المقدس8".
صدقت يا والتر. إن الكتاب المقدس هو كتاب الكتب لأنه هو كلمة الله. ومع بطرس يقول كل مؤمن للرب يسوع:
« يا رب إلى من نذهب؟ كلام الحياة الأبدية عندك!!» (يو 6: 68).

الملاك الحارس
19-09-2006, 08:55 AM
======= 3 =======

الــوحـــي ومعناه



تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس
(2بطرس 1: 21)
ما هو الوحي؟
فهمنا من الفصل الأول أن الكتاب المقدس هو إعلان الله، وأنه الإعلان الوحيد الذى منه حصلنا على المعلومات الإلهية، وبدونه ما كنا نعرف أي شـئ عن خلاص النفس ولا عن الأبدية ولا عن الله. ولقد أصاب واحد عندما قال إن فلاحاً بسيطاً يقرأ الكتاب المقدس وهو سائر خلف محراثه يستطيع أن يعرف عن الله أكثر مما يعرف العالم فى مختبره، أو حتى أستاذ اللاهوت إذا كان ينكر وحي الكتاب المقدس.
الكتاب المقدس هو وحي الله. ومع أن تعبير «وحي الكتاب المقدس» ليس تعبيراً كتابياً بحصر اللفظ؛ إلا أن مضمونه واضح كل الوضـوح في الكتاب المقدس كله. ولقد نشأ هذا التعبير من قول الرسول بولس « كـل الكتاب هو موحى به من الله » (2 تي 3: 16). هذه الكلمة «موحى به من الله » لم ترد سوى فى هذا النص، لكن هذه المرة الفريدة، مليئة بالمعاني الغنية والمباركة. فهي باليونانية؛ لغة العهد الجديد الأصلية «ثيوبنوستوس»- وتعنى حرفياً؛ نفَس أو نسمة الله. فالكتاب المقدس هو إذاً أنفاس الله أرسلها إلى أواني الوحي. قديماً نفخ الله في أنف الإنسان نسمة حياة « فصار آدم نفساً حية » (تك 2: 7)، أما الكتاب المقدس فهو ذات أنفاس الله، وهو لذلك كتاب يهب الحياة الروحية، كقول الـرب له المجد للتلاميذ « الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة » وكرد بطرس عليه « يارب إلى من نذهب؟ كلام الحياة الأبدية عندك » (يو 6 : 63، 68).
عرف "وبستر" الوحي كالآتي: "هو تأثير روح الله الفائق للطبيعة على الفكر البشرى، به تأهل الأنبياء والرسل والكتبة المقدسون لأن يقدموا الحق الإلهي بدون أى مزيج من الخطأ". ويوضح الرسول بطرس أن الأنبياء، أواني الوحي، أثناء كتاباتهم المقدسة كانوا تحت تأثير سلطان الروح القدس فيما كتبوا، ليس فقط مسترشدين به، بل أيضاً مسوقين منه (2بط 1: 21). علق على هذا وليم كلي بأن الله استخدم أناس الله كالعربات لتحمل إلينا قصده من إعطاء كلمته. فوظّف عقولهم وقلوبهم، لغتهم وأسلوبهم، لكنه أوصل إلينا بها حكمته في إتمام قصده بصورة تسمو فوق الأداة المستخدمة، وبمعزل تام عن أدنى خطأ.
طريقة الوحي
هناك فصل هام يشرح لنا مسألة الوحي فيه يقول الرسول بولس « كما هو مكتوب ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه، فأعلنه الله لنا نحن بروحه، لأن الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله. لأن من مِن الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه، هكذا أيضاً أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله. ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله، التي نتكلم بها أيضاً لا بأقوال تعلمها حكمة إنسانية، بل بما يعلمه الروح القدس، قارنين الروحيات بالروحيات. ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة. ولا يقدر أن يعرفه (يعرف هذه الأمور) لأنه إنما يُحكَم فيه (فى هذه الأمور) روحياً. وأما الروحي فيحكم في كل شئ وهو لا يحكم فيه من أحد» (1كو2: 9-15).
في هذا الفصل الهام يذكر الرسول بولس ثلاثة أمور هي:
أولاً : الإعلان؛ حيث أعلن روح الله القدوس لكتبة الوحي أفكار الله العجيبة. فهذه الأمور – كما فهمنا – هى ما لم تر عين ولا سمعت أذن ولا خطرت على بال إنسان، لكن روح الله القدوس – الذي يفحص كل شئ حتى أعماق الله – أعلنها لأواني الوحي. ويوضح الرسول في ع11 أن الإمكانية الوحيدة لحصولنا على هذا الإعلان هو روح الله. هذه هي الخطوة الأولى فى موضوعنا؛ أعنى الإعلان.
ثانياً : الوحي؛ فتحت السيطرة المطلقة والهيمنة الكاملـة من الروح القدس، تمت صياغة ذلك الإعلان بذات أقوال الروح القدس، فتم القول « قارنين الروحيات بالروحيات ». هذه الآية تفسَر في أحيان كثيرة تفسيراً خاطئاً، إنها لا تعنى مقارنين الروحيات بالروحيات، أو مقارنين أقوال الكتاب ببعضها، بل تعني أن الرسل كانوا موصلين الإعلانات المعطاة لهم من الروح القدس بذات العبارات التي يريد الروح القدس أن يستخدمها.
ثالثاً : الإدراك؛ وهذه هى المرحلة الثالثة من قصة وصول أفكار الله إلينا. فبعد أن أُعلن الحق بالروح القدس لرجال اختارهم الله، ثم أوحى الروح القدس إليهم ليوصلوا لنا هذه الأفكار بذات الكلمات التي أملاها عليهم روح الله، فإنه يلزم لإدراك الحق وامتلاكه أن يكون المؤمن في حالة روحية، لأن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله، ويستحيل عليه قبول وفهم الأمور الإلهية.
هذه الأمور الثلاثة هي إذا كالآتي:
الخطوة الأولى: من الله إلى كاتب الوحي، وفيه يصل إلى ذهن كاتب الوحي ما يريد الله أن يقوله. هذا هو الإعلان.
الخطوة الثانية : من أواني الوحي إلى الرقوق أو الورق. وفيه يكتب النبي ما يريده الله أن يكتبه. وهذا هو الوحي.
الخطوة الثالثة : من الرقوق أو الورق إلى قلب القارئ ، وفيه يتقبل الإنسان الاستنارة من جهة ما يريده الله أن يقوله، وما كتبه الله فى الكتاب. وهذا هو الإدراك
هذه هى الخطوات الثلاث لوصول أفكار الله إلى الإنسان. إنها تشمل المنبع والمجرى والمصب. والكل من عمل روح الله.
وواضح أننا اليوم لسنا في زمن الإعلان أو الوحي، لكننا لا زلنا نحتاج إلى استنارة من روح الله القدوس لنفهم المكتوب (مز119: 18).



الخطوات الثلاث من فكر الله إلى قلب المؤمن

نظريات الوحي
حاول اللاهوتيون تفسير الوحي ، وقدموا لذلك نظريات متعددة، نذكر منها:
1- النظرية الطبيعية: فاعتبر البعض أن الوحي هو إلهام طبيعي كذلك الإلهام الذي يصاحب الشعراء والأدباء فى كتابة قصائدهم وأعمالهم الفنية.
لكن هذه النظـرية مرفوضة لأنها تتجاهل العنصر الإلهي الذي يؤكده الكتاب المقدس عندما يقول « تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس » (2بط1: 21).
2- النظرية الميكانيكية أو الإملائية: وفيها قالوا إن الله قام بإمـلاء كتبة الوحي ما كتبوا، تماماً كما لو كان يحرك آلة كاتبة أو إنساناً آلياً.
هذه النظريـة على عكس النظرية السابقة تتجاهل العنصر البشرى، ولا يوجد أدنى سند لهذه النظرية في الكتاب المقدس، بل على العكـس إن لنا العديد من الأدلة على أن شخصية الكاتب ومشاعره ظاهرة فيما كتب (انظر رو9: 1-5). فكتابات الأنبياء والرسل تحمل طابع زمانهم وظروفهم واختباراتهم. لقد أحس إشعياء بالرهبة المقدسة وهو يحدثنا عن الرؤيا المسجلة فى أصحاح 6 من نبوته، كما وغمر إرميا في الأحزان الكثيفة وهو يكتب مراثيه، وامتلأ قلب داود بالفرح وبالعرفان وهو يكتب مزاميره الشهيرة مثل مزمور23، 103،...الخ
إننا نوافق تماما الكاتب الألماني "إريش ساور‎" الذي قال حاشا أن نقول إن الله ألغى شخصية كتبة الوحي فيما كتبوا، فهذا الأسلوب من الوحي لا يليق بالله مطلقا. إننا نجد مثل هذا الأسلوب فى الوثنيات والعبادات الشيطانية التي فيها تُفقِد الأرواح الشريرة الإنسـان شخصيته (انظر 1كو12: 2، مر5: 1-9). أما الإعلان الإلهي فإنه لا يلغى شخصية أواني الوحي، إذ أن أحد أهداف الإعلان الإلهي هو وجود شركة بين روح الإنسان وروح الله، فالله لا يسر بأن يشغل آلة ميتة، بل إنساناً ذا مشاعر، لا مجرد عبد بل صديق.
ولهذا فإننا نرفض أيضا نظرية الوحي الإملائي أو الميكانيكي.
3- النظرية الموضوعية: بمعنى أن الله أوحى لأواني الوحي بالفكرة فقط، دون العبارات نفسها، إذ ترك لكل كاتب أن يختار العبارات التي تروق له دون تدخل من جانبه. ولعل الذين اقترحوا هذه النظرية أرادوا بها تفـادى أية تناقضـات في الكتاب المقدس لا يعرفون حلها، أو أى عدم دقـة تاريخية أو علمية مزعومة.
لكننا أيضـاً نرفض هذه النظرية إذ أن الكتاب ينقضها. فكما أشرنا فيما سبق هناك فارق بين الإعلان والوحي، الإعلان كان للفكرة، لكن لئلا يعجز كتبة الوحي عن توصيل أفكار الله بكل دقة، فإن الله لم يتركهم يختارون العبارات. هذا ما أكده الرسول بولس عندما قال « لا بأقوال تعلمها حكمة إنسانية، بل بما (مشيراً إلى الأقوال) يعلمه الروح القدس » (1كو2: 13). وأيضاً قوله عن اليهود إنهم « استؤمنوا (لا على أفكار الله، بل) على أقوال الله » (رو3: 2). وأيضاً ما قاله استفانوس عن موسى إنه « قبل من الله أقوالاً حية ليعطينـا إياها » (أع7: 38). وداود يقول « روح الرب تكلم بي، وكلمته (وليس أفكاره) على لساني » (2صم23: 2)
إننا نتفق مع المصلح الشهير لوثر الذي قال: لم يقل المسيح عن أفكاره إنها روح وحياة، بل « الكلام (أو بالحري ذات الألفاظ) الذي أكلمكم به هو روح وحياة » (يو6: 63).
4- النظرية الجزئية: وتعنى أن هناك أجزاء فى الكتاب المقدس موحى بها، وأخرى غير موحى بها. ولكي ما يثبت أحد اللاهوتيين هذه النظرية، فإنه فسر الآية الواردة في فاتحـة الرسالة إلى العبرانيين « الله … كلم الآباء قديماً بأنواع (وفى حاشية الكتاب بأجزاء أو جزئياً) وطرق كثيرة »، والمقصـود من هذه الآية أن إعـلانات العهد القديم المتنوعة والكثيرة لم تكن كاملة، وكانت تنتظر الكمال في تجسد الكلمة، ومجيء الابن الحبيب بالجسد، لكن هذا اللاهوتي فسرها بأن ليس كل الكتـاب على نفس الدرجة من الوحي والعصمة؛ فنوع من الكلام هو وحي كامـل، والبعض الآخر وحي جزئي، وأجزاء ثالثة ليست وحياً على الإطلاق. لكن هذا اللاهوتي ارتبك ولم يعرف كيف يجيب عندما سأله واحد: وكيف تعرف أن عبرانيين 1:1 الآية التي بنيت عليها نظريتك هى ضمن آيات الوحي الكامل التي يمكنك الاستناد عليها؟
كلا ، بل إننا نتفق تمامـاً مع "رينيه باش" الذي قال: سواء كان الإناء المستخدم في الوحي مقتدراً فى القول كموسى، حكيماً كدانيـآل، فاسداً كبلعام، عدواً كقيافا، مقدساً كيوحنا، بلا جسد كالصوت الذي سُمِع فوق جبل سيناء، بلا شعور كاليد الكاتبة على حائط قصر بابل. . . فإن الفكـركان من الله، والعبارة أيضاً من الله.
5- النظرية الروحية: بمعنى أن الله أعطى الوحي للروحيـات فقط، أما الأمور الأخرى التاريخية أو العلمية. . .الخ فهي تحتمل الخطأ، شأنها شأن أية كتابات أخرى في ذلك الزمان. ويقول أصحـاب هذه النظرية إن الله تكلم إلينا فعلاً عن طريق كتابه المقدس، لكن ليست نصوص الكتاب هى كلمة الله، بل فقط الرسالة الروحية التي أتت إلينا من خلال هذه الكلمات. فحادثة دانيآل في جب الأسود مثلا هي في نظرهم قصة خياليـة لكنها مع ذلك تصور لنا أهمية الصلاة! ومعجزة تكثير الخبز لم تحـدث فعلاً - هكذا هم يقولون - لكنها تعلمنا الإيثار وتقديم ما عندنا للآخرين، وهكذا. عبر عن هذه النظرية واحد عندما علق على قصة إغلاق إيليا للسماء، وإعالة الغربان له بالقول: هذه القصة من الوجهة التاريخية خاطئة، ومن الوجهة الروحية صحيحة!!
ينتج عن هذه النظرية الفاسدة عدم قبول ذات كلمات الكتاب باعتبارها « أقوال الله »، كما أنها تجعل القارئ حراً تماماً أن يقبل أو يرفض ما يـراه هو صحيحاً أو خطأ فى عبارات وأقوال الوحي. وعندما نرفض إعطاء السلطان لكلمات الكتاب المقدس ففيمن نثق بعد ذلك يا ترى؟ أيجوز لنا أن نجعل من أنفسنا قضاة على أقوال الله؟
ترى من الذي يقرر ما هو صحيح، وما ليس له قيمة؟ كيف يمكنك التمييز بين الحقائق والتعاليم ؟ هل نترك ذلك لتذوقنا نحن للأمور؟ إننا بذلك نكون قد وضعنا أنفسنا فوق الوحي لنحكم نحن عليه، وبذلك يفقد الوحي معناه أصلاً. ثم كيف نفصل رسالة الوحي عن الخلفية التي منها قُدِمَت لنا هذه الرسالة؟ وأين في كل الكتاب نجد هذا الفاصل المزعوم؟ أين نجد ولو إشـارة أو تلميحاً عنه؟ أين في كل الكتاب يمكننا أن نستنتج أن جزءاً من الوحي مهم وآخر غير مهم؟
الوحي اللفظي أو الكلي
قال المعلم المقتدر ف.ب.هول: نحن لسنا بحاجة أن نضع نظرية لشرح الوحي الحرفي أو اللفظي، فهذه شأنها شأن كل الحقائق الإيمانية لا نفسرها بل نقبلها بالإيمان. ونحن إذ نوافق هذا المعلم المعتبر، فإننا لن نشرح الوحي لكننا نُعرّفه كالآتي: هو تأثير إلهي مباشر يؤثر على ذهن كتبة الوحي، به تأهلوا لأن يقدموا الحق الإلهي بدون أدنى مزيج من الخطأ؛ وبناء عليه فإن الروح القدس أعطى كتبة الوحي لا الأفكار فحسب، بل قادهم قيادة ماهرة في إنشاء العبارات اللازمـة للتعبير الخالي من الخطأ عن هذه الأفكار التي أعلنها لهم.
الإدراك هنا ليس له المركز الأول؛ فقد يكون ذهن النبي مستنيراً إلى حد ما من جهة ما يكتب، أما الوحي فلا يوجد فيه شئ اسمه "إلى حد ما"، بل هو تملُّك كامل من الروح القدس لأواني الوحي، سواء أدرك النبي ما يقول أو لم يدرك. فمع أنه توجد درجات فى الإدراك، إلا أنه لا يوجد درجات في الوحي. لقد كان لدى داود بعض الإدراك، ويوحنا المعمدان كان إدراكه أكبر من داود، ورسـل العهد الجديد كان إدراكهم أكبر من يوحنا المعمدان، أما الوحـي الذي أُعطى لداود، بل وأقول أيضاً الذي أُعطى قبله لبلعام، هو وحي بنفس القدر الذي أُعطى لبولس.
والوحي يجعل النبي يتكلم بغض النظر عن حالته؛ فقد يتكلم دون توقع منه كالنبي الشيخ في بيت إيل (1مل13: 20)، أو دون دراية بما يقول كما حدث مع قيافا (يو11: 51)، أو دون رغبة منه كما حدث مع بلعام (عد23،24)، أو دون إدراك كامل لكل أبعاد ما يقول كما حدث مع معظم أنبيـاء العهد القديم (دا12: 8،9 و 1بط1: 11،12).
ومع أن الوحي عصم الأنبياء من الخطأ، لكنه لم يفقدهم شخصياتهم. إن ظهور شخصياتهم يمثل العنصر البشرى في الوحي، وحفظ الروح القدس لهم من أي خطـأ في التعبير عن أفكاره السامية يمثل العنصر الإلهي. لقد تزود كتبة الوحي بمعونة خاصة من الروح القدس حفظتهم تماماً من الخطأ، دون أن يعنى ذلك أنهم تزودوا بقدرات إدراكية فائقة، فهذه القدرات خاصة بالله مصدر الوحي، لا الأنبياء أواني الوحي.
عن هذا الوحي اللفظي والكامل قال أمير الوعاظ سبرجون: إننا نناضـل لأجل كل كلمة في الكتاب المقدس، ونؤمن بالوحي الحرفـي واللفظي لكل كلمة من كلماته، بل إننا نعتقد أنه لا يمكن أن يكون هناك وحي للكتـاب إذا لم يكن الوحي حرفياً، فلو ضاعت الكلمات فإن المعاني نفسها تضيع.
وقال الأسقف رايل: إن الإيمان بالوحـي الحرفي اللفظي، رغم كل ما فيه من صعوبات، هو أفضل عندي من الشكوك والحيرة. فإني أقبل هذه الصعوبات وأنتظر باتضاع حلها، لكن طوال فترة انتظاري فإني أقف على الصخرة.

الملاك الحارس
19-09-2006, 08:57 AM
أمثلة لتوضيح «الوحي اللفظي»
والقصد من تسميته بالوحي اللفظي أن نبرز أهمية الألفاظ، فالألفاظ هامة جداً للتعبير الدقيق عن الفكر، وهي مختارة اختياراً إلهياً لهذا القصد. وهاك بعض الأمثلة التي توضح ذلك.
1- زمن الفعل: ففي محاورة للرب يسوع مع فريق من الصدوقيين (أحد الفرق الدينية على أيام المسيح) الذين ينكرون أمر القيامة، أوضح أن القيامة أمر متضمَّن في الكتب استناداً على قول الله لموسى « أنـا إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب ». لقد بنى المسيح تعليمه في هذه الآية على زمن الفعل. فمن قول الرب « أنا إله » بصيغة الحاضر - وليس "أنا كنت إله" (I am, not I was) هذا معناه أنهم أحياء عنده، لأن الله ليس إله أموات (مت22: 31-33). ونفس هذا الأمر نجده أيضاً عندما أعلن الرب يسوع أمام اليهود قائلاً « قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن (وليس أنا كنت) » (يو8: 58). وهذا معناه أنه الله الواجب الوجود.
2- ضمير الملكية (حرف الياء): إذ يسأل الرب يسـوع الفريسيين قائلاً « المسيح ابن من هو؟ » ثم يستطرد قائلاً « فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلا قال الرب لربى اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك؟ فإن كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه؟» (مت 22: 43- 45).
3- المفرد وليس الجمع: يؤكد الرسول بولس تعليماً مبنياً علي لفظ واحد مكتوب بالمفرد لا بالجمع في قوله « أما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفى نسله (بالفرد لا الجمع. ثم يوضح قائلاً) لا يقول وفي الأنسال كأنه عن كثيرين، بل كأنه عن واحد (وفي نسلك) الذي هو المسيح » (غل3: 16)
4- كلمة واحدة فقط عليها التركيز: فكلمة واحدة فقط يكون لها مدلول هام يؤثر بقوة في المعنى، وهو ما نجده فى الرسالـة إلى العبرانيين إذ يقتبس الرسول من نبوة حجى 2: 6 ويقول « أما الآن فقد وعـد قائلاً إني مرة أيضاً أزلزل لا الأرض فقط بل السماء أيضاً». ثم يعلق قائلاً « فقوله مرة أيضاً يدل على تغيير الأشياء المتزعزعة كمصنوعة » (عب12: 26،27). ومرة أخرى يقول المسيح لليهود « أليس مكتوباً في ناموسكم أنا قلت إنكـم آلهة. ثم يعلـق قائلاً « إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله، ولا يمكن أن يُنقَض المكتوب » (يو 10: 34،35).
من هذا كله يتضح لنـا دقة تعبيرات الكتاب المقدس، بل وأهمية حروفه. وليس الحروف فقط بل النقط أيضاً، ولذلك قال المسيح « لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل» (مت5: 18).
«العنصر البشري»
لقد استخدم الله العنصر البشري في الكتاب المقدس. فالله استخدم لغة البشر لكي يخاطبنا بها، كما استخدم أيضاً عقول كتبة الوحي وأذهانهم وذاكرتهم وعلمهم واختباراتهم ومشاعرهم والظروف المحيطة بهم. ومن هذا الامتزاج بين العنصرين الإلهي والبشري معاً تكونت كلمة الله كما يقول داود « روح الرب تكلم بي وكلمته علي لساني » (2صم23: 2). لقد سيطر الله علي العنصر البشري للكاتب مما سمح بظهور الطابع الشخصي لا الخطأ الشخصي.
هذا الأمر نجده واضحاً في فاتحة إنجيل لوقا. فلوقا جمع الوثائق المعتمـدة من شهود العيان وتحقق بنفسه من صحتها، وكان هذا هو العنصر البشرى في المؤرخ المدقق. لكنه عندما قام بالكتابة فإنه لم يكتب من ذاته دون أن يستلم الروح القدس كيانه بأسلوب فائق كيما يختار الحقائق التي يذكرها وتلك التي لا يذكرها، ولكي يرتبها في نسق معين كيما يخرج منها باستدلالاته واستنتاجاته.
يمكننا تشبيه هذا الامتزاج بين العنصرين الإلهي والبشري بالفنان الذي يعزف علي عدة آلات موسيقية فنسمع أصواتاً مختلفة ولو أن العازف واحد، ومع عظمة العازف فإنه سيتحرك في حدود قدرات الآلة التي بين يديه. هكذا فإن الله الذي كوّن الإنسان وشكّل ظروف بيئته، جهز أيضاً كل واحد من كتبة الوحي، أفـرزه من بطن أمه ودعـاه بنعمته (غل1: 15) ليعزف بواسطته مقطوعته الرائعة. وإني أتساءل: هل كان ممكناً لشخص آخر غير سليمان أن يكتب لنا عن خواء العالم وبطله كما فعل هو في سفر الجامعة؟ إنه لم يكن ناقماً علي العالم إذ لم يُحرَم من شيء مما تحت الشمس، بل تمتع بلذائذ الحياة كلها دون أن يفقد الحكمة؛ وأخيراً سجل لنا اختباره « باطل الأباطيل الكل باطل »، لكن كتابته كانت بالوحي. ومن مثل بولس كان يمكنه أن يكتب لنا عن عدم امتلاك البر الإلهي بالأعمـال الناموسية؟ فمن مِن البشر كان لـه من الامتيازات نظيره حتى قال « إن ظن واحد آخر أن يتكل علي الجسد فأنا بالأولىَ» (في3: 4)، لكنه اعتبر هذا كله من أجل المسيح خسارة!! لكن ما كتبه أيضاً كـان بالوحي. وأنت إذ تقرأ كتابات لوقا تشعر إزاء اللمحات الطبية فيها* أن كاتبها طبيب؛ وهذا لا يتعارض مع كون الروح القدس أملاه ما كتب.
مشكلة واعتراض
هذه المشكلة هى كيف نسمي الكتاب المقدس «كلمة الله» رغم أنه يحتوي علي أقوال الشيطان وأقوال الأشرار، أو علي الأقل أقوال بعض القديسين الخاطئة في لحظات فشلهم وضعفهم (انظر جا2: 24)؟ والإجابة البسيطة علي ذلك هي أن الأمر بتسجيل هذه الأقوال هو الذي كان بالوحي لا الكلمات ذاتها.
في آيات مثل متى 12: 24، 26: 69،70 وتكوين3: 4 وغيرها، نحن عندنا تسجيل صحيح لأقوال خاطئة، أو بالحري التسجيل كان بالوحي، رغم أن الأقوال نفسها ليست موحى بها.
إذاً فالتعليم بالوحي الحرفي أو اللفظي لا يعلم بأن كل أقوال الوحي هي على ذات القدر من الأهمية، بل إنها كلها سجلت في الكتاب بالوحي.
ولقد أوضح بولس هذا الأمر عندما ميز آراءه الخاصة في مسائل خاصة بالزواج موضحاً بصريح العبارة أن هذا رأيه هو وحُكمه الروحي في الأمر وليس « وصايا الرب » (1كو7).
ويعترض البعض على هذه النظرية بقولهم إننا بهذه النظريـة عن الوحي اللفظيوالحرفي نؤلِّه النص، أما هم فيفضلون أن يضعـوا الرب وليس الوحي سيداً عليهم. ولقد أصاب د. لويد جونز في رده عليهم بالقـول: كيف تعرف الرب؟ ما الذي يمكنك أن تعرفه عنه خارج الكتاب المقدس؟ وكيف تتأكد أن ما تعرفه بالاختبار عنه ليس وهماً مستمدَاً من خيالك؟ أو أنه ليس من نتاج حالـة نفسية غير مستقرة؟ أو أنه ليس أحد تخاريف العبادات السرية الشيطانية التي انتشرت فى هذه الأيام؟ أولئك الذين يقولون نحن نتمسك بالرب وحده، أو الذين يقولون إننا نذهب إلى الرب مباشرة عليهم أن يجيبوا على هذه الأسئلة أولاً.
وإذا كان بوسع المرء أن يحكم على التعليم من الثمار التي تنشأ عنه؛ فما أمر ثمار إنكار الوحي الحرفي للكتاب المقدس.. فليس بمستغرب أن يتبنى كثير من لاهوتيِّ القرن العشرين الانحلال الجنسي بل والشذوذ الجنسي والطلاق، رغم تحذير الكتاب الصريح من هذه الشرور.
قديماً قال الجاهل في قلبه ليس إله، ففسدوا ورجسوا بأفعالهم (مز14: 1)، واليوم قالوا ليس وحي من عند الله وكانت نفس النتيجة من الفساد والرجاسة.

الملاك الحارس
19-09-2006, 08:58 AM
======= 4 =======
كتــابة الكتــاب


ليت كلماتي الآن تكتب، ياليتها رسمت في سفر ونقرت إلى الأبد في الصخر بقلم حديد وبرصاص
(أيوب 19: 23،24)
الأمر بالكتابة
أشرنا فى الفصل السابق إلى الخطوات الثلاث للوحي؛ وعرفنا أن أولى تلك الخطوات الثلاث هى إعلان الحق الذى يريد الله أن يقدمه للإنسان مستخدماً أوانى الوحى، ثم تأتى بعد ذلك الخطوة الثانية إذ يقوم النبى أو الرسول، بقوة الروح القدس أيضاً، بكتابة ذات أقوال الله مسوقاً من الروح القدس.
إذاً فلقد تلقى كتبة الوحى أمراً صريحاً من الله بتسجيل الأقوال التى أعلنها الله لهم، فى كتاب. ولقد كان أول من تلقى هذا الأمر - على ما نعلم - هو موسى فى برية سيناء (خر 17 : 14) وكان آخرهم هو يوحنا الحبيب وهو منفىّ فى جزيرة بطمس عندما سمع صوتاً عظيماً : « الذى تراه اكتب فى كتاب » (رؤ 1: 11).
تُرى كيف كان يتم هذا الأمر؟ الإجابة أننا فى نبوة إرميا 36 نجد تصويراً للطريقة التى كانت تُكتـب بها الأسفار المقدسة. فلقد استدعى إرميا وهو فى السجن "باروخ بن نيريا" ليكتب فى درج كل كلام الرب على إسرائيل. وابتدأ إرميا يملي على باروخ الأقوال كلمة بعد كلمة حتى أن باروخ قال وصفاً لذلك « كان يقرأ لي كل هذا الكلام وأنا كنت أكتب فى السفر بالحبر » (ع18). لكن بعد أن انتهى باروخ من الكتابة لم تعد هذه الأقوال هى أقوال إرميا بل « كلام الرب » (ع 4، 6، 8، 11) . ثم لما تجاسر يهوياقيم الملك الشرير فشق هذا الدرج وأحرقه بالنار، مستخفاً بكلام الرب نفسه (ع 23)، فإن كلمة الرب صارت إلى إرميا قائلة « عُد فخذ لنفسك دَرجاً آخر واكتب فيه كل الكلام الأول الذى كان فى الدرج الأول الذى أحرقه يهوياقيم ملك يهوذا » (ع28). لاحظ أن إرميا لم يكتب فقط الفكرة السابقة بل ذات الكلمات الأولى تماماً. وهكذا أُعيد الكتاب مرة ثانية كلمة بكلمة، وإن كان قد أُضيف عليه بعد ذلك كلام آخر كثير.




عملية الكتابة

في أسفار موسى الخمسة المعروفة بالتوراة، بل وفى سفر الخروج؛ السفر الذى وردت فيه أول إشارة إلى كتابة الكتاب، نقرأ عدة إشارات إلى الكتابة.
ففى خروج 17: 14 نقرأ « فقال الرب لموسى اكتب هذا تذكاراً في الكتاب وضعه فى مسامع يشوع ».
وفي خـروج 40: 20 إشارة إلى لوحى الحجر اللذين كتب الله عليهما الوصايا العشر فنقرأ « وأخذ الشهادة وجعلها فى التابوت »
وفي خروج 24: 4،7 إشارة إلى كتاب العهد فيقول « فكتب موسى جميع أقوال الرب (وهى تلك الأقوال التى ذكرها سابقا فى خروج20: 22 إلى 23: 33)... وأخذ كتاب العهد وقرأ فى مسامع الشعب ».
أما عن أدوات الكتابة؛ فلقد كان اليهود القدماء يكتبون مخطوطاتهم عادة على الرقوق، وكانت هذه تُصنع من جلود حيوانات طاهرة، تُعَد بواسطة اليهود فقط، وتخيط بواسطة أوتار من حيوانات طاهرة أيضـاً. وكان العمود الذى يكتبون عليه لا يقل عن 48 سطراً، ولا يزيد عن 60. ويجب أن تكون الكتابة عليه بالحبر الأسود فقط، وكان يجهز بطريقة خاصة.
أما أصل كلمة «سفر» وتعني كتاب، فهو السَّفـر (بفتح السين المشددة) ومعناها السلخ، حيث مع تطور فن الكتابة بدأ الكتاب يسلخـون جلد الحيوان لكي يكتبوا عليه ثم يطوونه علي شكل درج. فكلمة «سفر» إذاً تعيد إلي أذهاننا هذه الذبائح التي علي جلودها كتب الأنبياء قديماً أقوال الوحي المقدس.
وكان هناك شكلان للمخطوطات التى كان يكتب عليها هما:
1- الدرج Scroll: وهى عبارة عن شريحة طويلة من الورق والجلد (يبلغ طولها إلى نحو تسعة أمتار)، تثبّت من جانب واحـد أو من جانبيها فى قطعة خشبية أو عصا وتطوى عليها. وكان فى هذه الحـالة يكتب على ناحية واحدة فقط من الشريحة، هى الناحية الداخلية.
2- الملازم أو المجلد Codex وهو قريب الشبه مما نستخـدمه الآن. ولقد قال أحد العلماء إن المسيحية (بنسخها لأسفار الكتاب المقدس) كان لها الفضل فى تطوير الكتاب إلى الشكل الذى نراه عليه اليوم.

الدقة المتناهية فى عملية النسخ
كان يقوم بهذا العمل جماعة متخصصة فى ذلك اسمها الكتبة. وكان الرابي (أى معلم الشريعة) يوصي النساخ الشباب قائلاً : احرصوا أشد الحرص فى عملكم الذى تعملونه، فهو عمل السماء، لئلا تُسقِطوا حرفاً، أو تضيفوا حرفاً فى نسختكم فتتسببوا فى هلاك العالم.
وكان يقال لهم: عندما تشرع فى النسخ، لو دخل عليك ملك إلى حجرتك وتحدث إليك، تجاهله تماماً لئلا تخطئ فى الكتابة.
وكان يُقال أيضاً: قبل أن تكتب كلمة واحدة من كتاب الله، عليك أن تغسل جسدك وتلبس الثياب العبرانية، وتجهز نفسك بالأفكـار الخشوعية. ومع أنك تعرف بل تحفظ كتاب الوحى عن ظهر القلب، فلا تكتب كلمـة واحدة من ذاكرتك. ارفع عينيك إلى نسختك، والفظ الكلمة بصوت عالٍ قبل أن تخطها. وقبل أن تكتب لقباً من الألقـاب الإلهية، عليك أن تغسل قلمك. وقبل أن تكتب اسم الإله الأعظم "يهوه" يجب أن تغسل جسدك كله.
وبعد الانتهاء من النسخ ومراجعتـها، كان إذا وجد فى أية صفحة غلطة واحدة تعدم تلك الصفحة. أما إذا وُجد فى أية صفحـة ثلاث غلطات فكان عليه أن يعدم النسخة كلها.
ويقول العلامة وستكوت إنه نتيجة هذه التعليمـات الحازمة فإن الأخطـاء فى عملية نسخ العهد القديم كانت نادرة فعلاً، بمعدل حرف واحد من كل 1580 حرفاً. ومعظمها في عدد قليل من النسخ أو أحياناً في نسخـة واحدة فقط، الأمر الذي يجعل اكتشاف الخطأ سهلاً وميسوراً جداً. كما يذكر أنه ولا خطأ واحد من هذه الأخطاء يؤثر على أى تعليم من التعاليم الأساسية فى العهد القديم.
والكتاب المقدس نفسه يشهد عن غيرة اليهود في الاحتفاظ بالأسفار المقدسة التي عندهم. ومع أن العهد القديم أشار إلى خطايا بلا حصـر لهذا الشعب، لكنه لم يُشِر قط فى أى جزء من الكتاب أن اليهود حاولوا تزييف كلمة الله التى بين أيديهم، بل بالعكس فعندما سأل الرسول بولس ما هو فضل اليهودى أو ما هو نفع الختان؟ أجاب « كثير علي كل وجه. أما أولاً (أي في المقام الأول) فلأنهم استؤمنوا علي أقوال الله*» (رو3: 1، 2).
وتتفق أقوال ثقاة المؤرخين فى الإشادة بغيرة اليهود فى هذا الأمر فذكر يوسيفوس المؤرخ اليهودي الشهير على ذلك بالقول "إنه لم يجرؤ أحد علي أن يزيد علي أسفار (العهد القديم) أو ينقص منها حرفاً واحداً عبر الأجيال، ولم يطرأ عليها أي تبديل مهما كان طفيفـاً منذ أن وُجد إلي يومنا هذا". كما قال العلامة باسكال أيضاً "إنه لا يوجد إخلاص بين كل الأمم نظير الإخلاص الذي عند اليهود في المحافظة علي الأسفار الإلهية. هذا الإخلاص نفسه ليس أصله من الطبيعة بل مصدر فائق للطبيعة". أما فيليو السكندرى فقد قال "إن اليهودى يفضل أن يموت عشرة آلاف مرة عن أن يسمح لكلمة واحدة أن تتبدل فى التوراة".
جماعة الماسوريين: كان لهذه الجماعة الفضل الكبير فى نقاوة المخطوطات من الأخطاء. فابتداء من القرن السادس الميلادي انتقلت مهمة نسخ أسفار التوراة من جماعة الكتبة إلى جماعة عرفت باسم الماسوريين. وهؤلاء اهتمـوا لمدة حوالي خمسمائة سنة بنقل المخطوطات بكل أمانة ودقـة. ويقال إن اسم الماسورين مشتق من فعل عبري يعني "يُسلِّم إلى". فهم الذين سلموا النص من جيل إلى جيل. ويعرف هذا النص العبري القديم باسم النص الماسوري. ولقد ثبت من اكتشاف قمران - الذى سنتحدث عنه فى الفصل القادم - مقـدار الدقة التى كانت لهذه الجماعة فى نقاء المخطوطات من أية أخطاء.
تجميع الكتاب
ذكرنا قبلاً إن الكتاب لم يهبط من السماء دفعـة واحدة، بل نمـا شيئاً فشيئاً. ولم يكن جمع الكتاب، بشكله الحالى، من عمل إنسان ما. وموسى بعد أن أكمل كتابة كلمات التوراة فى كتاب إلى تمامها، أمـر اللاويين حاملى تابـوت عهد الرب قائلاً: « خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم » (تث31: 24-26). لقد وُضِعت التوراة فى أقدس مكان فى العالم فى ذلك الوقت. ثم لما أكمل أسفاره الخمسة، حرّض موسى الشعب أن يحرصوا للعمل بجميع كلمات هذه التوراة (تث32: 46). ومن فاتحة سفـر يشوع نفهم أن ما كتبه موسى قبل ذلك بفترة وجيزة كان مقبولاً وقتها باعتباره كلام الرب نفسه.
ثم كان كلما أعطي الله وحياً جديداً يُضاف جنباً إلي جنب مع أسفار موسى، ويُعترَف به من كل شعب الله. وهكذا فإن سفر صموئيل يشير إلى سفر القضاة (1صم 12: 9-11 مع قض4، 10،..)، وسفر المزامير يشير إلى سفر صموئيل (انظر مز78: 61-66 مع 1صم 4،5)، وهكذا.
فى نبوة إشعياء نقرأ فى مطلع نبوته قول إشعياء للشعب « إلى الشريعة وإلى الشهادة » (إش8: 20) معترفاً بالأسفـار المقدسة التى كانت فى زمانه. كما نجد أن ميخا الذي كتب نبوته بعد إشعياء بسنوات قليلة يقتبس منه (إش2: 2-4، مي4: 1-3)، كما نجد أن إرميا يشيرإلى نبوة ميخا (إر26: 18 مع مي 3: 12)، ودانيآل يشير إلي نبوة إرميا التي كتبت قبله بفترة وجيزة (دا9: 2، أر25: 8-12، 29: 10-14). وهكذا فعل زكريا مع الأنبياء السابقين ونبواتهم (زك1: 1-6).
بهذا الأسلوب أخذ كتاب الله ينمو شيئاً فشيئاً. وأخيراً كما أوحي الله لأوانى الوحى بكتابة الأسفار فإنه أصدر الأمر لعزرا الكاتب، بعد الرجوع من السبي، بجمع هذه الأسفار معاً في كتاب واحد، عرف بين اليهود الذين استأمنهم الله على أقواله (رو3: 1،2) باسم « الكتاب ».نفس الأمر حدث بالنسبة لأسفار العهد الجديد. فنحن نجد أن بولس في رسالته الأولي إلي تيموثاوس، والتي كتبت نحو عام 66م، يقتبس من إنجيل لوقا (1تي5: 18، لو10: 7) مما يبرهن علي أن هذا الإنجيل كان مقبولاً من جموع المسيحيين وقتها علي أنه جزء من « الكتاب ». وبالمثل نجد بطرس في رسالته الثانية، والتي كتبت نحو عام 66م أيضاً، يشير إلي رسائل بولس، مما يبرهن علي أنها كانت في ذلك الوقت معتبرة من الجميع أنها وحـي الله وجزء من كلمته المقدسة (2بط3: 15، 16). لأن كلمة «الكتب» المستخدمة في هذه الآية هي نفسها بحسب الأصل اليوناني التي ذكرها بولس في 2تيموثاوس3: 16.
ولقد بذل المؤمنون في العصر الأول عناية خاصة للتمييزيين أسفار الوحي وغيرها من الكتابات (انظر1يو4: 1، 2، 6، رؤ2: 2، 2تس3: 17)، ولم يقبلوا شيئاً إلا بعد التحري الدقيق. ولقد ضمن الرب لأولئك المؤمنين لا وصول الوحى إليهم فقط، ولا حتى استنارة المؤمن الفرد فحسب، بل أيضا تمييز جموع المؤمنين، واتفاقهم جميعاً معاً من جهة وحى الأسفار. فالرب عندما يتكلم يتكلم بسلطان، والراعى عندما يتكلم فإن الخراف تميز صوته عن صوت الغريب (يو10: 4،5). كما يقول الرسول يوحنا عن الأولاد إن لهم مسحـة من القـدوس، ويعلمون كل شئ (1يو2: 20، 27).
ولقد صار اعتماد هذه الأسفار بأنها وحي الله في نهاية العصر الرسولي. ويرى البعض أن الله قد أطال عمـر يوحنـا الرسول (نحو المائة سنة) لهذا الغرض السامي؛ وهو أن يسجل بنفسه اللمسـات الأخيرة من الكتاب المقدس ويسلم من تسموا فيما بعد "آباء الكنيسة" هذا الكتـاب ليصـل إلينا بقدرة الله الحافظة رغم كل المقاومات كما سنري في الفصل التاسع.
تقرير قانونية الأسفار
القانونية في عبارة "الأسفار القانونية" مستمدة من كلمة يونانية تعنى مسطرة قياس. مما يدل على أنه كانت هناك شروط معينة سواء عند اليهود فى العهد القديم أو الكنيسة فى العهد الجديد لقبول أى سفر إلى جملة الأسفار القانونية؛ فلقد أعطى الله لشعب إسرائيل قديماً، وللكنيسة الأولى بعد ذلك القدرة على التمييز بين ما هو من الله، وبين ما هو من اختراع وتأليف البشر. ليس أن مجمـع اليهود قديماً أو الكنيسة في العهد الجديد هى التى اختارت الأسفار، بل إنها فقط ميزتها وعرفتها، وإذ ذاك فإنها قبلتها بكل توقير.
إذاً فتقدير قانونية الأسفار جاء نتيجة وحيها وليس بقرار بشرى أو استحسان إنساني. إن كتابات الرسل - كما رأينا - قُبِلت من الكنيسة فى البداية وقـت أن كان الرسل لا زالوا موجودين. ثم عندما جاء دور تقرير قانونية الأسفار، فإن الكنيسة لم تقرر ما تقبله وما ترفضه، بل إنها انحنت فى تقدير واعتبار لما كان فعلاً بين أيديها.
فمثلاً لا نقرأ إطلاقاً أن الكنيسة اجتمعت لكى تقرر كم إنجيل يلزمها أو يكفيها، بل إذ كان بين أيدى القديسين أربعة أناجيل، بالإضافة إلى سفر الأعمال والرسائل وسفر الرؤيا، مزودة بسلطان الرسل والأنبياء، وداخلياً بشهادة الروح القدس، فقد ضُمت هذه إلى جملة الأسفار القانونية.
الكنيسة إذاً ليست هي مخترعة القانونية بل مكتشفة لها، ليست مهيمنـة عليها بل تابعة لها، ليست قاضية عليها بل شاهدة لها، ليست سيدة عليها بل خادمة لها.
ومع أن الإقرار الرسمي بما يسمى الأسفار القانونية للعهد الجديد قد تم في القرن الرابع الميلادي، وسنوضح الغرض من هذا حالاً؛ إلا أن كتابات الآباء الأولين فى القرون الثلاثة السابقة لتقرير تلك القانونية تؤكد لنا أن هذا ما كان بالفعل مقبولاً من جموع المؤمنين من قبل ذلك. فمثلا نجد تورتليان (نحو عام 200م) الذى كان أول من استخدم تعبير العهد الجديد لتمييزه عن أسفار العهد القديم، قد أعطى نفس تقدير الوحى لكل من الكتاب المسيحى والكتاب اليهودى عندما قال: "ما أسعد الكنيسة، فهى لديها مجموعة أسفار الناموس والأنبياء مع كتابات البشيرين والرسل". ثم قال: "ويل لمن يضيف أى جزء إلى المكتوب أو يحذف أى جزء منه".
بل وقبله أيضاً لدينا كلمات جوستين الملقب بالشهيد، والذي قُطِعت رأسه في روما عام 165 الذي قال: "كما صدّق إبراهيم صوت الله وحُسِب له ذلك براً، هكذا أيضاً يؤمن المسيحيون بصوت الله الذي وُجِه إليهم مرة أخري بواسطة رسل المسيح ونودي به بالأنبياء، الذين كتاباتهم تُقرأ كل أحد في الاجتماعات العامة".
لكن لماذا فكرت الكنيسة فى أن تتبنى هذه المسألـة؟ وما الذى دفعها إلى عمل كهذا؟ الواقع أنه كانت هناك جملة أسباب أضيفت إلى بعضها وأدت إلى هذا الأمر:
يذكر جوش ماكدويل في كتابه برهان يتطلب قراراً
1- أن ماركيون الهرطوقى (حوالى عام 140) كوّن أسفاراً قانونية من عنده وأخذ ينشرها، فكان لزاماً على الكنيسة أن توقف تأثيره المدمر بتحديد الأسفار القانونية الحقيقية لأسفار العهد الجديد.


2- بعض الكنائس استخدمت كتباً إضافية فى العبادة، وهذا أيضاً استلـزم تحديد الأسفار القانونية.
3- منشور دقلديانوس القاضى بتدمير الكتب المقدسة للمسيحيين (عام 303م)، فكان لزاماً على المسيحيين أن يعرفوا أى الكتب هى التى يستحق أن يستشهدوا فى سبيلها باعتبارها وحى الله لا مجرد كتب تفسيرية أو تاريخية.
وفى أواخر القرن الرابع عقد مجمع هبو سنة 393 وأقر قانونية الأسفار المقدسة، ثم تلاه مجمع آخر في قرطاجة (فى تونس) عام 397. ومن ذلك التاريخ ما عادت تناقش مسألة قانونية أسفار العهد الجديد. وباستثناء ثيودور موبسيدستيا (الذى أدين فى المجمع المسكونى الخامـس فى القسطنطينية سنة 553) لا يوجد مرجع واحد ممن يسمون بآباء الكنيسة طوال القرون الثمانية الأولى فى المسيحية إلا واعترف بقانونية الأسفار المقدسة، إلا طبعاً أصحاب الهرطقات وأعداء المسيحية. وبالنسبة لرجال الإصلاح فإنهم رغم اختلافهم فى العديد من المسائل الفرعية، إلا أنهم جميعا فى هذه النقطـة كان لهم الإيمـان الواحد وكان شعارهم العظيم: "الكتاب وحده، والكتاب كله".
أما بالنسبة للعهد القديم فكان المجمع الأخير الذى انتهى بتقريـر قانونية أسفاره هو مؤتمر جامنيا الذى عُقِد فى بلدة جامنيا القريبة من يافـا سنة 90 ميلادية وانتهى المجمع بالاعتراف بكل الأسفار المعروفة اليوم بأنها أسفار الوحي.
أما إذا سأل واحد اليوم: "كيف يمكنني أنا أن أعرف أسفار الوحي وأن أميز بين تلك الأسفار والتي هى بخلاف ذلك؟" فهو تماماً مثل السؤال كيف أميز بين الأبيض والأسود، أو بين الحلو والمر. فحقاً ما أبعد الفارق بين كلام الله وبين كلام الناس! في هذا قال عالم الكيمياء الإنجليزي الفذ روبرت بويل: "مثل الكتاب المقدس بين الكتب مثل الماس بين الحجارة، أثمنها وأشدها لمعانـاً، وأكثرهـا فعلاً في نشر النور، وأقواها وأصحها في التأثير".
قال الرب على فم إرميا النبي « ما للتبن مع الحنطة يقول الرب؟ أليست كلمتي هكذا كنار؟ وكمطرقة تحطم الصخر؟ ».

الملاك الحارس
19-09-2006, 08:59 AM
======= 5 =======
عصمة الكتاب المقدس



منذ زمان عرفت من شهاداتك أنك إلى الدهر أسستها
(مز119: 152)
الله الذي بدونه لا يسقط عصفور إلى الأرض، والذي تظهر حكمته في أصغر أعماله، هو قادر بكل يقين أن يحافظ على أقواله من العبث. ليس معنى ذلك أن كتاب الوحي لم يتعرض للكثير من المتاعب عبر القرون، كما حدث من قبله مع المسيح؛ الكلمة المتجسد. وسنرى في هذا الفصل جانباً من المشكلات التي تعرض لها الكتاب، وكيف أخرج الله من الآكل أكلاً، ومن الجافي حلاوة.
ضياع النسخ الأصلية
أشرنا في الفصل الأول أن الكتاب المقدس هو صاحب أكبر عدد للمخطوطات القديمة. وقد يندهـش البعض إذا عرفوا أن هذه المخطوطات جميعها لا تشتمل على النسخ الأصلية والمكتوبة بخط كتبة الوحي أو بخط من تولوا كتابتها عنهم. فهذه النسخ الأصلية جميعها فقدت ولا يعرف أحد مصيرها.
على أن الدارس الفاهم لا يستغرب لهذا قط، لأنه لا توجد الآن أيضاً أية مخطوطات يرجع تاريخهـا لهذا الماضي البعيد. ومن المسلم به أن الكتاب المقدس هو من أقدم الكتب المكتوبة في العالم، فقد كتبت أسفاره الأولي قبل نحو 3500 سنة.
ونحن نعتقد أن السر من وراء سماح الله بفقد جميع النسخ الأصلية للوحـي هو أن القلب البشري يميل بطبعه إلي تقديس وعبادة المخلفات المقدسـة؛ فماذا كان سيفعل أولئك الذين يقدسون مخلفات القديسين لو أن هذه النسخ كانت موجودة اليوم بين أيدينا؟ أية عبادة لا تليق إلا بالله كانت ستقدَّم لتلك المخطوطات التي كتبها أواني الوحي بأنفسهم؟ ألا نتذكر ماذا فعل بنو إسرائيل قديمـاً بالحية النحاسية التي كانت واسطة إنقاذهم من الموت، وكيف عبدوهـا؟ فماذا فعـل حزقيا الملك التقى بها؟ لقد سحق هذه الحية النحاسية تماماً (عد21: 4-9، 2مل18: 1-6)، والرب صادق علي هذا العمل.
لكن هب أن هذه المخطوطات الأصلية كانت موجودة الآن، فهل كان هذا سيلاشى الصعوبة أمام عدم الإيمان؟ كلا البتة، فعدم الإيمان جاهز دائماً باعتراضاته، وكان بكل يقين سينشئ اعتراضات من نوع آخر. كان مثلاُ سيعترض قائلاً: من أدراني أن هذه هى النسخة الأصلية؟ أو من أدراني أنها جديرة بالثقة باعتبار أن كاتبها تلقى وحياً من الله، وأنه لم يكتبها من تلقاء ذاته.
ألم يكن المسيح بنفسه موجوداً بين البشر في وقت من الأوقات بكل براهين لاهوته، وكان هو بنفسه « كلمة الله »؟ فهل آمن الناس به (يو12: 37)؟!
إذاً فلقد سمح الرب بفقد جميع هذه النسخ لئلا يعبدها البشر، لكنه لم يسمح طبعاً بفقد الكلمة ذاتهـا، ذلك لأن الأسفار المقدسة كان يعاد نسخها بعد كتابة النسخة الأصلية مرة ومرات (تث17: 18) كما سنوضح بعد قليل.
قال أحد العلماء لتوضيح هذا الأمـر: إن الوثيقة التي وقعها الرئيس الأمريكي لينكلن في أول يناير عام 1863، والتي كانت مكتوبة في أربع ورقات فولسكاب، وبمقتضاها تم تحرير 4 مليون عبد في أمريكا؛ هذه الوثيقة التهمتها النيران في الحـريق الكبير الذي حدث في شيكاجو عام 1871. فلنفرض أن واحداً من مالكي العبيد ألقى القبض على عبيده المحرَّرين ليستعبدهم من جديد بحجة أن الوثيقة الأصلية الموقعة من الرئيس الأمريكي دُمرت، ورفض ذلك الرجل إطلاق سراح العبيد ما لم تظهر الوثيقة الأصلية، فهل يكون لتصرف هذا الإنسان أي سند من منطق؟ أيكون لاعتراضٍ مثل هذا أي وزن؟ كـلا البتة. فمع أنه فعلاً لا توجد الوثيقة الأصلية لأنها دُمرت في الحريق، لكن ما أسهل استخراج النص الأصلي؛ لأن هذا النص كُتِب بعد توقيع الرئيس الأمريكي في الجرائد والمجلات والكتب، وتُرجـم إلى الفرنسية والألمانية والأسبانية، وهو نفس ما حدث مع الكتاب المقدس كما سيتضح لنا من هذا الفصل.
الأخطاء في أثناء عملية النسخ
لكن ليس فقط أن النسخ الأصلية فُقِدَت، بل إن عملية النسخ لم تخلُ من الأخطاء. فلم تكن عملية النسخ هذه وقتئذ سهلة، بل إن النُسّاخ كـانوا يلقون الكثير من المشقة بالإضافة إلي تعرضهم للخطأ في النسخ. وهذا الخطأ كان عرضة للتضاعف عند تكرار النسخ، وهكذا دواليك. ومع أن كتبة اليهود بذلوا جهداً خارقاً للمحافظة بكل دقة على أقوال الله، كما رأينـا في الفصل السابق، فليس معنى ذلك أن عملية النسخ كانت معصومة من الخطأ.
وأنواع الأخطاء المحتمل حدوثها في أثناء عملية النسخ كثيرة مثل:
1- حذف حرف أو كلمة أو أحياناً سطر بأكمله حيث تقع العين سهواً على السطر التالي.
2- تكرار كلمة أو سطر عن طريق السهو، وهو عكس الخطأ السابق.
3- أخطاء هجائية لإحدى الكلمات.
4- أخطاء سماعية: عندما يُملي واحد المخطوط على كاتب، فإذا أخطأ الكاتب في سماع الكلمة، فإنه يكتبها كما سمعها. وهو ما حدث فعلا في بعض المخطوطات القديمة أثناء نقل الآية الواردة في متى 19: 24 "دخول جمل من ثقب إبرة" فكتبت في بعض النسخ دخول حبل من ثقب إبرة، لأن كلمة حبل اليونانية قريبة الشبه جدا من كلمة جمل، ولأن الفكرة غير مستبعدة!
5- أخطاء الذاكرة: أي أن يعتمد الكاتب على الذاكرة في كتابة جـزء من الآية، وهو على ما يبدو السبب في أن أحد النساخ كتب الآية الواردة في أفسس5: 9 "ثمر الروح" مع أن الأصل هو ثمر النور. وذلك اعتماداً منه على ذاكرته في حفظ الآية الواردة في غلاطـية 5: 22، وكذلك "يوم الله" في 2بطرس3: 12 كُتب في بعض النسخ "يوم الرب" وذلك لشيوع هذا التعبير في العديد من الأماكن في كلا العهدين القـديم والجديد، بل قد ورد في نفس الأصحاح في ع10.
6- إضافة الحواشي المكتوبة كتعليق على جانب الصفحة كأنها من ضمن المتن: وهو على ما يبدو سبب في إضافة بعض الأجزاء التي لم ترد في أقدم النسخ وأدقها مثل عبارة "السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح" في رومية 8: 1، وأيضاً عبارة "الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة..." الواردة في 1يوحنا 5: 7.
أما لماذا سمح الله بالخطأ في النَسخ، فلقد رد على هذا السؤال الهام أحد الشراح فقال: دعنا نعترف أولاً أننا محدودون في المعرفـة والإدراك، ولا يمكننا في كل الأحوال أن نفهم فكر الله ولا سيما عندما لا يشاء - لحكمة عنده - أن يعلنه لنا، فأفكاره ليست أفكارنا، ولا طرقنا طرقه. إن كل ما عمله الله هو كامل، ومع ذلك ففي حكمته سمح بالفساد أن يدخل إلى خليقة يديه. لقد خلق الله آدم كاملا على شبه الله، لكن آدم أخطأ. والله عندما خلـق الشجرة يقيناً كانت أثمار الشجرة خالية تماماً من أي عيب، لكن أثمار الأشجار وبذورها اليوم ليست خالية من العيوب. والزهرة في جمالها البديع وعطرها الفواح تعلن عن كمال صنع الله، لكن هناك زهور بهـا عيوب. بل حتى ابن الله الكريم سمح الله بأن يُجلد من البشر ويُضرب فصار منظره مُفسَداً أكثر من الرجل وصورته أكثر من بنى آدم. وبالنسبة للكتاب المقدس فلقد سُّـر الله أن تكون الأصول المكتوبة بواسطة كتبة الوحي بلا أدنى خطأ، لكنه أيضاً سمـح أن تحدث بعض الأخطاء أثناء النسخ بسبب عدم كمال الإنسان الذي يقوم بالنسخ. طبعاً كل تلك الأخطاء القليلة نسبياً لا تمس تعليماً كتابياً أساسياً، ومعظمها في الأعداد أو في الهجاء. إن وجود أخطاء في الأصول المكتوبة يطعن في كمال الله، وحاشا أن يكون الأمر كذلك؛ فالله منزه عن الخطأ. أما الأخطاء في عملية النسخ فإنما تشير فقط إلى عدم عصمة البشر، الأمر الذي يتفق تماماً مع تعليم الكتاب المقدس نفسه.
إننا نعتقد أن الله قصد أننا نبذل الجهد لنعرف ماذا كانت الكلمـة الأصلية. وفي هذا يقول سليمان الحكيم « إن طلبتها كالفضة وبحثت عنها كالكنوز » (أم2: 4). ونحن نعرف أن الأرض تعطي الغلـة بمجهود بسيط وخبرة محدودة، أما الكنوز فتحتاج إلى مجهود وخبرة كبيرين. وكلمة الله مشبهة بالحنطة وأيضاً بالكنوز. ولكيما تحصل على الطعام والشبع يكفى أن تقرأها وتطيعها، أما أن تكتشف كنوزها فينبغي أن تكرس نفسك لذلك، وأن تنقب عميقاً وتبذل الجهد والتعب. ثم إن من يُطعَم ويشبع بخبز الحياة لا ينزعج إذا وجد حبة رمل هنا أو هناك نتيجة حجر الرحى الذي طحن الحنطة، ولو أن المشتغل بالجواهر يحرص تماماً على تنظيف جواهره من أية شائبة!
علم الببليوجرافي (صحة المخطوطات)
في حالة فقدان النسخ الأصلية لأي كتاب فإنه يستعاض عن ذلك بالمخطوطات القديمة المتوفرة. وكمبدأ معروف عند النقاد أن عشر نسخ منقولة عن النص الأصلي يستعاض بها عن هذا النص. وهناك عدة عوامل تؤدى إلى الثقة بتلك المخطوطات مثل وفرتها، وتقارب زمان نسخها إلى زمان كتابة النسخة الأصلية، وكذلك تطابق المخطوطات الموجودة بعضها مع بعض. ومن هذا المنطلق دعنا نفحص الكتاب المقدس لنرى مدى إمكانية الثقة بنصوصه المعروفة لدينا
1- عدد المخطوطات: إن المخطوطات القديمة المكتشفة للكتاب المقدس تعد بالمئات وبالآلاف، وهو كما ذكرنا فيما سبق الكتاب الأول من حيث عدد مخطوطاته القديمة، ويليه مباشرة إلياذة الشاعر الإغريقي هوميروس الذي عدد مخطوطاته 643 فقط، أما الكتـاب المقدس فعدد مخطوطاته القديمة هو أكثر من 24600 أربعة وعشرين ألفاً وستمائة مخطوط!
2- الفترة المفقودة: معروف عند الدارسين أنه كلما قلَّ الفاصل الزمني بين كتابة النسخـة الأصلية وبين المخطوط المكتشف فهذا يجعل المخطوط أكثر مدعاة للثقة به. ومما يميز المخطوطات التي للعهد الجديد بصفة خاصة، عن مخطوطات أي كتاب آخر من الأعمـال الأدبية الأخرى، هو أن الفاصل الزمني بين كتابة النسخة الأصلية وبين المخطوطات التي وصلتنا منها قصير نسبيا.
لقد كُتبت أسفار العهد الجديد في النصف الثاني من القرن الأول الميلادي، ووصلتنا نسخ كاملة منها من القرن الرابـع الميلادي. هذه الفترة ليست شيئاً بالنسبة للقرون الطويلة التي تفصل ما بين النسخ الأصلية لمؤلفات الإغـريق العظام وبين النسخ الموجودة الآن:
فلقد مرت 1500 سنة بعد هيرودتس حتى تاريخ المخطوطة الوحيدة التي وصلتنا لأعماله. كما مرت 1200 سنة بعد موت أفلاطونوالمخطوطة الوحيدة المكتشفة له. ثم إن النسخ الموجودة لدينا من روايـات سوفوكليس السبع ترجع إلى 1400 عاماً بعد موت الشاعر! وكتابات قيصر في حروب الغال التي كتبت ما بين عام 58-50 ق.م. توجد لها عدة مخطوطات، تسع أو عشر منها صالحة، وأقدمها بعد عهد قيصر بتسعمائة عام! ومن أصل 142 كتاباً كتبها ليفي عن التاريخ الروماني (59 ق.م -17 م) لا نجـد اليوم سوى 35 مخطوطة، لا يزيد عدد ما يمكن أن يعتمد عليه عن عشرين مخطوطة ، واحدة منها (تحوى 3-6 كتاباً) ترجع إلى القرن الرابع الميلادي.
ومن أصـل 14 كتاباً للمؤرخ تاسيتوس 100م لم يبق منها اليوم إلا أربعة كتب ونصف. ومن أصل 16 كتاباً من حولياته التاريخية لا نجد اليوم إلا عشراً منها كاملة واثنتين في أجزاء. وكل هـذا التاريـخ لتاسيتوس يعتمد على مخطوطتين؛ واحدة ترجع للقرن التاسع الميلادي والأخرى للقرن الحادي عشر!!

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:00 AM
وطبعاً لا يوجد دارس اليوم يشكك في صحة أو صلاحية هذه الأعمال رغم ندرة المخطوطات وبعدها زمنياً عن زمان كتـابة المخطوطة الأصلية. وإذا رجعنا إلى إلياذة هوميروس التي كتبت عام 900 ق.م.، وعدد مخطوطاتها هي كما ذكرنا 643، فإن أقدم نسخة لها تعود إلى عام 400ق. م. (الفترة المفقودة 500 سنة)، أما العهد الجديد وعدد مخطوطاته تزيد عن 24000 فقد كتب في الفترة من عام 40 إلى عام100، وأقدم نسخة مكتشفـة له عام 125 أي أن الفترة المفقودة هي 25 عاماً فقط!!
3- الاختلافات بين المخطوطات: فالإلياذة تتكون من 15600 سطراً، بينما العهـد الجديد يتكون من 200ألف سطراً. في الإلياذة 764 سطراً فيه خلاف، بينما العهد الجديد 40 سطراً فقط فيه خـلاف. أي أن نسبة القراءات المُختلَف عليها في مخطوطات الكتـاب المقدس تمثل عُشر القراءات المختلفة في الإلياذة. وسوف نوضـح بعد قليل ما الذي نقصده بالقراءة التي عليها خلاف.
بل إن أعمال شكسبير التي صدرت من أقل من 250 سنة فقط وبعد اختراع الطباعة (التي قللت جداً من احتمال حدوث الخطأ عن كتابة كل مخطوط باليد منفصلاً عن سابقه)، بها الكثير من القراءات المشكوك فيها. ففي رواياته السبع والثلاثين توجد نحو مائة قراءة مختلف عليها، يؤثر الكثير منها على المعنى المقصود.
وإنه لمن دواعي السرور أن نذكر أن أحد علماء المخطوطات قام بمراجعة أعداد كبيرة من النسخ القديمة للعهد الجديد المكتَشفة في أزمنة وأماكن متباعدة فكانت النتيجة المدهشة أنه من بين حوالي 150 ألف كلمة في العهد الجديد فإن هناك نحو 400 كلمة فقط فيهـا اختلافات ذات دلالة أياً كانت. ومن بين هذه الاختلافات الأربعمائة لا يوجد سوى خمسين اختلافاً له أهمية حقيقية، وأنه ولا واحد من بين هذه الاختلافات الخمسين يمس حقيقة تعليمية أو لاهوتية على الإطـلاق. وأنه حتى لو لم نحصل علي أصل هذه الكلمات القليلة فلن يؤثر هذا ولا علي تعليم واحد، ولو أنه أمكن استنتاج الكلمات الصحيحة بسهولة.

مصادر الحصول على النص الأصلي للوحي
هناك ثلاثة مصادر رئيسية اعتمد عليها رجال النقد الأدنى للحصول على النص الأصلي والتأكد منه
1- المخطوطات القديمة: وهى كثيرة جداً وتدعو للثقة الكاملة في نصوصها كما مر بنا
2- الترجمات القديمة: حيث تُرجِم الكتاب المقدس من بداية المسيحية إلى العديد من اللغات - كما سنرى في الفصل القادم. تعتبر هذه الترجمات مصدراً ثانياً وثانوياً للحصول على النص الأصلي للآية.
3- أقوال الآباء: بالإضافة إلي ما سبق فإنه لدينا ما اقتبسه الآباء في كتاباتهم من الكتاب المقدس. هناك قصة مثيرة تُحكى بالارتباط بهذه الحقيقة عن مجموعة من الأصدقاء اجتمعوا في منزل أحدهم، فأثار واحد منهم هذا السؤال: لنفترض أن كل كتب العهد الجديد في العالم كانت قد دُمِرت على نهاية القرن الثالث الميلادي بسبب الاضطهاد العنيف الذي حدث على المسيحيين فى العالم، فهل كانت محتويات العهد الجديد ممكن استخراجها ثانية من كتابات الآباء في القرون الثلاثة الأولى؟ هذا السؤال أثار اللورد هيليس، ولما رجع إلى البيت جمع كل كتابات القرون الثلاثة الأولى، وبدأ يجمع آيات العهد الجديد الواردة فيها، وبعد بحث لمدة شهرين متواصلين خرج بهذه النتيجة؛ أن كل العهد الجديد يمكن استخراجه ثانية من تلك الكتابات باستثناء 11 آية فقط.

هل مابين أيدينا هو فعلاً كلام الله الأصلى؟
النقد الأدنى
ومن أهم كتابات الآباء التي رجع إليها الباحث وجد ما يلي:
أن كتابات إيريناوس تحتوى على 1819 اقتباساً.
وكتابات اكليمندس السكندرى 2406 اقتباساً
وكتابات أوريجانوس 17922 اقتباساً
وكتابات تورتوليانوس 7258 اقتباساً
وكتابات إيسابيوس وآخرين 5176 اقتباساً.
وبناء على ما تقدم فإن السير فردريك كينيون مدير المتحف البريطاني، وهو حجة في نقد مخطوطات العهد الجديد، قال: "إن مخطوطات العهد الجديد، مع الترجمات العديدة لها من بداية المسيحية، والاقتباسات المأخوذة منها في كتابات المعلمين الأوائل في المسيحية هي كبيرة جداً، حتى أنه مؤكد عملياً أن القراءة الصحيحة لأية آية يمكن معرفتها بكل دقة، إذ قد حُفِظَت لنا بطريقـة أو بأخرى في هذه المخطوطات القديمة. وهو ما لا ينطبق على أي كتاب قديم آخر"!

أهم مخطوطات الكتاب المقدس
أما عن المخطوطات اليونانية القديمة للكتاب المقدس بعهديه (أو لأجزاء منها) فهي كثيرة جداً* ومحفوظة الآن في المتاحف والأديرة والكنائس القديمة بأنحاء العالم نذكر منها ثلاث نسخ تعتبر أهمها جميعاً.
1- المخطوط السكندريhttp://www.alra3y.com/vb/images/smilies/frown.gif02) A - Alexandrinus
وهو يعتبر أكمل النسخ ويقع في أربع مجلدات ضخمة من الرقائق الجلدية. وهو يحتوى تقريباً على كل الكتاب، وقد كُتب أصلاً على 822 ورقة، بقى منها الآن 773 ورقة، وفقد 10 أوراق من العهد القديـم، 25 من إنجيل متى، واثنان من إنجيل يوحنا، وثـلاثة من رسالة كورنثوس. وقد عُثِر عليه في الإسكندرية عام 1624 م. ويرجع تاريخه إلي أوائل القرن الخامس الميلادي. وقد ظل في حوزة بطاركة مصر حتى أهداه البطريرك كيرلس لوكر، بطريرك القسطنطينية سنة 1628 إلى الملك تشارلس الأول ملك إنجلترا، وساهم فى إعداد الترجمة الإنجليزية المعتمدة (KJV) ونُقل عام 1853 إلي المتحف البريطاني حيث لازال موجوداً إلي اليوم.
2- النسخة الفاتيكانية: (03) B Vaticanus
وهى من أقدم المخطوطات المكتشفة. كُتبت في مصر في أوائـل القرن الرابع لكنها نُقِلت في زمن غير معروف إلي الفاتيكان بروما، وذُكِرت ضمن محتويات مكتبتها سنة 1475 م. وهى تحتوى على نحو 700 ورقة، تشمل كل الكتاب، ولو أنه فُقِـدت منها الأجزاء من تكوين 1-46، مزمور 105- 137، وكل الأصحاحات التالية لعبرانيين 9: 14. وقد نقلـت إلي باريس بعد غزو نابليون لإيطاليا ليقوم العلماء بدراستها. وهي موجودة الآن في الفاتيكان.
3- النسخة السينائية : (01) S Siniaticus
اكتشفت صدفة عـام 1844 بدير سانت كاترين في جبل سيناء بواسطة العلامة تشندروف من ليبزج بألمانيا، الذي كرس عمره لاكتشاف مخطوطات الكتاب المقدس القديمة ودراستها. فلقد قـادت العناية الإلهية الكونت تشندروف إلي دير سانت كاترين ليبحث في مكتبتها عن مخطوطات قديمة للكتاب المقدس. وبعد عدة أسابيع من البحث دون جدوى، وجد في سلة للمهملات بعض الرقوق المعدة للحـريق، وكانت مغطاة بمخطوط أنيق ومضبوط أكثر من أي مخطوط آخر رآه من قبل. فأخذ منها 43 قطعة، كما تمكن من نقل سفري إشعياء إرميا. ولما عاد إلي أوربا قام بطبع ما حصل عليه بنفس هيئة أحرفه الأصلية. ثم زار الدير مرة ثانية سنة 1853 فوجد أجزاء لم يكن قد رآها من قبل، وهي جزء من سفر التكوين. وأخيراً عاد مرة ثالثة سنة 1859 مزوداً بأمـر من إمبراطور روسيا الأرثوذكسي مما سهل مأموريته هذه المرة، فعثر علي القسـم المتبقي من هذه النسخ، وهي عبارة عن 346 صفحة مخبأة في قبـو، وكان يشمل معظم أجزاء العهد القديم، والعهد الجديد كله. ولقد طبعت نسخة العهد الجديد التي اكتشفت في روسيا عام 1862. ثم بعد الثورة الشيوعية بيعت هذه الرقوق بما يعادل مبلغ 510,000 دولار أمريكي (أكثر من نصف مليون دولار!) إلي المتحف البريطاني في 24 ديسمبر 1933، وكان هذا يمثل أكبر مبلغ دفع فى كتـاب على الإطـلاق لغاية هذا التاريخ. ولازالت تلك المخطوطة موجودة في المتحف البريطاني إلي يومنا الحاضر.
ويُعتقَد اليوم أن كلاً من المخطوطة الفاتيكانية والمخطوطـة السينائـية كُتِبتا بناء على أمر الإمبراطور قسطنطين ضمن الخمسين نسخة التي أمـر بكتابتها على نفقة الإمبراطورية (انظر الفصل التاسع).
هذا بالإضافة إلى المخطوطة الإفـرايمية (C. Ephraemi) التي تحتوى على كل العهـد الجديد ما عدا مرقس 16: 9-20، ويوحنا 7: 53- 8: 11 كما تحتوى على أكثر من نصف العهد القديم، وهي موجودة في المكتبة القومية بباريس. وكذلك المخطوطة البيزية codex (05) D Bezae وهى أقدم مخطوطة تشمل نصوصاً من الكتاب المقدس بأكثر من لغة (هما اللغتان اليونانية واللاتينية) وتعود إلى أواخر القرن الخامس. وغيرهما الكثير جداً.
أما بالنسبة للنسخ العبرية المكتشفة والتي يرجع تاريخها إلي القرن الثامن* الميلادي فصاعداً فتعد بالمئات. هذه النسخ اكتُشِفت في أماكن متفرقة في العالم واكتشفت علي فترات زمنية متباعدة، ويرجع تاريخها إلي أزمنة مختلفة ومع ذلك فإنه عند مقابلتها معاً وجد تطابقها. لقد قام بعض العلماء بفحص ما يزيد عن خمسمائة من هذه النسخ، فوجدت في تمام المطابقة رغم تباعد البلـدان التي اكتُشِفت فيها وتباعد الأزمنة التي ترجع إليها؛ مما يثبت صحتها جميعاً.
الاكتشاف العظيم أو اكتشافات قمران
لأن جيلنا غير المؤمن والملتوي لازال يثير الشكوك حول صحة نصوص الكتاب المقدس وسلامـة وصوله إلينا دون تحريف، فقد رتبت العناية الإلهية مؤخراً اكتشافاً مباركاً عُرِف باكتشاف قمران.
وقمران هذه بقعة تقع بالطرف الشمال الغربي للبحر الميت. وحدث في ربيع عام 1947 أن غلاماً أعرابياً يرعى غنمه في المراعي القريبة من قمران هذه، فضْلّت واحدة من غنيماته. ولما قذف بحجر وهو يبحث عن خروفه الضال سقط الحجر علي شيء بداخل كهف محدثاً دوياً عالياً. ودفع الفضول ذلك الراعي لكي يعرف مصدر هذا الصوت، ظاناً أنه قد يكونهناك كنز في داخل المغارة، ولم يكن يعرف أن أعظم الكنوز قاطبة كان ينتظره هناك. فعندما دخل الكهف وجد إناءين من الفخار بهما مخطوطـات قديمة لم يستطع قراءتها. وكانت المخطوطات مصنوعة من جلد رقيق موصول معاً وعددها 11 مخطوطاً.
وبعد محاولات كثيرة لبيع تلك المخطوطات اشتراها أحد التجار في القدس نظير جنيهات قليلة. ثم قام التاجر ببيع ستة منها لأستاذ في الجامعة العبرية، والخمسة الباقية لرئيس أساقفة دير القديس مرقس السرياني الأرثوذكسي الذي أرسل تلك المخطوطات إلي المعهد الأمريكي للدراسات الشرقية بالقـدس؛ فتبين أنها نسخة كاملة من سفر إشعياء وأن الحروف التي كتبت بها المخطوطـات ترجع إلي ما قبل سنة 100 ق.م. أما الكتان الذي كان يغلف المخطوطات فلقد أُرسِل إلي معهد الدراسات النووية بشيكـاجو بأمريكـا وباستخدام مقياس جيجر وُجِد أنه يرجع إلي زمان ما بين 167ق.م إلي 233م.
كان لهذه النتيجة دوى عظيم في كل العالـم الديني، فتوجهت بعثـة للتنقيب في خرائب هذه المنطقة فتوالت اكتشافات المزيد من الكهوف. وفي عام 1957 اكتشف 11 كهفاً آخر في نفس المنطقة تحوي نحو 400 مخطوطاً. وفي الكهف الرابع وحده وجد أكثر من عشرة آلاف قصاصة متعددة غطت أجـزاء لأسفار العهد القديم كله، عدا سفر واحد هو سفر أستير.
واتضح بالبحث أن كهوف هذه المنطقة كانت ملجأ لجماعة الأسينين اليهود نحو عام 125ق.م (إذ عثر علي عملات من هذا التاريخ في الكهوف المكتشفة)، وهم أولئك الذين أشارت إليهم الرسالة إلي العبرانيين « تائهين في براري وجبال ومغاير وشقوق الأرض » (عب11: 38). ويبدو أنه لما هجم الجيش الروماني علي تلك البقعة، تركوا كل شيء وهربوا لكي ينجوا بأنفسهم.
لكن ترى لماذا كانوا محتفظين بالأسفار المقدسة بهذا الأسلوب غير المألوف والذي جنّب تلك المخطوطات من التلف خلال القرون الطويلة؟ لا نجد إجابة سوي في تداخل العناية الإلهية، لكيما تقدم لنا دليلاً قوياً جديداً على حقيقة صحة المخطوطات المقدسـة؛ فعندما قورنت المخطوطات المكتشفة والكاملة لسفر إشعياء مع السفر الذي بين أيدينا كلمة بكلمة وجد إنه لا اختلاف فيها على الإطلاق، باستثناء أخطاء هجائية طفيفة يمكن اكتشافها بسهولة.
« إلى الأبد يا رب كلمتك مثبتة في السماوات، إلى دور فدور أمانتك » (مز119: 89، 90)

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:01 AM
======= 6 =======
ترجمات الكتاب المقدس


فكيف نسمع نحن كل واحد منا لغته التى ولد فيها. . . نسمعهم يتكلمون بألسنتنا بعظائم الله
(أعمال الرسل2: 8، 11)
أهمية الترجمة
ذكرنا في الفصل الأول أن المسيحية لا تؤمن بكتاب هبط علينا من السماء بكلماته وحروفه، بل نحن نؤمن بالوحي. ولقد أعطى الله الوحي بالنسبة لأسفار العهد القديم باللغة العبرانية، وأجزاء قليلة منه بالأرامية، وأما العهد الجديد فأعطاه الرب باللغة اليونانية.
لكن ترجمة أقوال الله الحية إلى لغات الناس الحية هي على جانب عظيم من الأهمية، وبدونها يصبح «المتكلم أعجمياً عندي». فليست المفردات العبرية أو الأرامية أو اليونانية هي نهاية المطاف حتى يكون لزاماً على الإنسان أن يتقنها ليكون بوسعه فهم رسالة الله إليه. إن الله لا يتقيد باللغات التي هي أساساً وصمة للتمرد على الله (تك11)، وهو طبعاً لا يُلزم الإنسان أن يتعلمها ليكون بوسعه الاستماع إلى كلامه.
لقد كان طابع المسيحية من بدايتها متميزاً عن اليهودية في أنه كان على المسيحيين أن يذهبوا إلى العالم أجمع حاملين بشارة الإنجيل السارة للبشر كما أوصى المسيح المقام من الأموات تلاميذه. ولقد اقترن حضور الروح القدس في أول المسيحية بعلامة الألسنة المنقسمة التي دلت علي رغبة الله في توصيل الكرازة إلي كل شعب بلسانه. ولهذا فإنه بعد العصر الرسولي مباشرة، عند اكتمال العهد الجديد، قام عدد كبير من المؤمنين بترجمة الكتاب المقدس. وفي هذا العمل الجليل أنفق الآلاف طاقاتهم ومواهبهم، بل ومنهم من فاضت روحه وهو يقوم بهذه الخدمة العظيمة. يحفظ التاريخ لواحـد من أولئك المباركين يدعي "بيدي" اشتهر بلقب الوقور، وعاش في إنجلترا من عام 674 حتى 735، أنه أتم ترجمة الأصحاح الأخير من إنجيل يوحنا في نفس يوم رقاده. وإذ أملى على خادمه ترجمة آخر عبارة من الإنجيل، طلب أن يرقد في سريره حيث قال "مجداً للآب مجداً للابن مجداً للروح القدس". ثم فاضت روحه وانطلق ليكون مع الكلمة الحي الأزلي، المسيح يسوع، الذي أحبه وقصد أن ينشر كلمته بين إخوته السكسونيين. ويا لعظمة ما كان يعمل عندما أتته ساعة الموت؛ إنه كان يترجم كلمة الله للناس.
وإننا نشكر الرب من كل قلوبنا من أجل الجنود المجهولين (ولو أنهم معروفون عنده) الذين عملوا ولا زالوا يعملون لأجل توصيل الكتاب المقدس إلى الشعوب البدائية بلهجاتها ، فأوصلوه إلى شعب الإسكيمو (سكان جرينلند)، وإلى الهنود الحمر في أمريكا، وإلى البرابرة في مجاهل أفريقيا، وإلى القبائل الوثنية في آسيا.

صعوبة الترجمة
عملية الترجمة تعتبر عملية شاقة جداً، لاسيما إذا كنت تريد أن تترجم ذات العبارات والكلمات لا الأفكار فحسب، إيماناً منا بالوحي اللفظي، كما ذكرنا في الفصل الثالث. لقد ذكر لوثر أنه هو ورفاقه كانوا أحياناً يبحثون أسبوعين أو ثلاثة وأحيانا أربعة أسابيع عن كلمة واحدة تعطى المعنى الدقيق. وقال فى مناسبة أخرى أثناء ترجمة سفر أيوب، وهو من أصعب الأسفار فى ترجمته نظراً لعمق عباراته وسمو أسلوبه؛ قال "يظهر أن أيوب كان أكثر انزعاجاً عند محاولتنا نقله إلى الألمانية". ومرة أخرى قال "أنا الآن أعمل ترجمة الأنبياء. يا للسماء ما أشق أن نجعل الأنبياء العبرانيين يتكلمون الألمانية"‍‍‍‍.
لكن هناك صعوبة أخرى. لأن الترجمة الحرفية للعبارات تبعد أحياناً القارئ عن المعنى المقصود. فكر مثلاً لو أنك أردت أن تترجم عبارة "كلامك على العين وعلى الرأس" إلى الإنجليزية ترجمة حرفية؛ فهل سيفهم القارئ الإنجليزي ما تقصده؟ وهي نفس المشكلة التي قابلت المترجمون في بعض الآيات مثل الآية الواردة في تكوين 41: 40 عن كلمات فرعون ليوسف فلقد ترجمت كما هي، لكنها تبدو غير واضحة أمام القارئ العادي « أنت تكون على بيتي وعلي فمك يقبِّل جميع شعبي ». والمقصود بهذه العبارة أن شعب مصر سيوقرون كل تعليماتك؛ فالفم يعبر عن الكلام، والتقبيل تعبير عن المحبة والتوقير.
ولقد زاد من صعوبة عملية الترجمة أن طريقة الكتابة في الزمان الغابر، وهى ما تمت بها كتابة المخطوطات القديمة، كانت هي كتابة السطر كله كأنه كلمة واحدة، بلا فواصل بين الكلمة والأخرى؛ الأمر الذي لا يكون معه فهم المعنى المقصود من العبارة سهلاً في كل الأحوال. وعلى سبيل المثال نذكر ما ورد في عاموس 6: 12 « هل تركض الخيل على الصخر؟ أو يحرث عليه بالبقر؟ » وكلمة بالبقر في العبرية لها الحروف التي تقابل في العربية ب ب ق ر ي م . وهذه الكلمة يمكن قراءتها ككلمة واحدة، وفى هذه الحالة تترجم بالبقر حيث أن حرفي ى، م في آخر الكلمة فى اللغة العبرية يدلان على صيغة الجمع. وهنا يضطر المترجم لأن يربط الجزء الثاني من الآية بالجـزء الأول فيضيف كلمة عليه (أي على الصخر) لتصبح العبارة ذات معنى، وهو ما حدث في الترجمة المذكورة سابقاً. إلا أنه يمكننا أيضاً أن نقرأ هذه الحروف بعينها باعتبارها كلمتين "ب ب ق ر ى م" وكلمة "يم" العبرية تعني البحر. وفى هذه الحالة تصبح العبارة أو يحرث البحر بالبقر. وهو ما ورد في الترجمة التفسيرية.
نبذة عن تاريخ الترجمات
أول وأهم ترجمة للكتاب المقدس تمت قبل الميلاد، عندما استقدم حاكم مصر بطليموس فيلادلفوس عام 282 ق.م. إلي الإسكندرية 72 عالماً من علماء اليهود ليترجموا العهد القديم إلي اليونانية. وهذه هي الترجمة التي عُرِفت فيما بعد بالترجمة السبعينية (نسبة لعدد مترجميها). وإليها، لا إلى الأصل العبري، ترجع تسمية أسفار العهد القديم كما نعرفها الآن. وقد صادق الرب يسوع عليها إذ أخذ اقتباساته العديدة من العهد القديم منها، وعلى ذات النهج سـار الرسل أيضاً فاقتبسوا منها. ولقد جاءت هذه الترجمة بترتيب العناية الإلهيـة لتمهد الطريق للعهد الجديد، حيث كان الله مزمعاً أن يقدم بشارة نعمته الغنية، لا إلى اليهود وحدهم، بل إلى العالم أجمع مستخدماً اللغة الأكثر شيوعـاً في ذلك الوقت وهى اللغة اليونانية.
أما فى الحقبة الحاضرة (بعد الميلاد) فتوالت ترجمات الكتاب المقـدس بعهديه. فنحو عام 150م تُرجم الكتاب المقدس إلى اللغة السريانية لخدمة المؤمنين في أنطاكية ونواحيها، وكانت أنطاكية كما نعرف من الكتاب المقدس مركزاً قوياً للمسيحية (أع11،13،..)، كما أنها كانت ثالث مدن الإمبراطورية الرومانية بعد روما والإسكندرية. وتوجد حالياً خمس ترجمات سريانية مختلفة متوفرة بين أيدي الباحثين، (أشهرها الترجمة البشيتا) أي البسيطـة، وسميت كذلك لبساطتها ووضوحها. وهناك اليوم نحو 350 مخطوطة من هذه الترجمة.
وكذلك ظهر نحو ذلك الزمان أيضا ترجمة الكتاب إلى اللاتينية. وفى بدء المسيحية لم تكن هناك حاجة ماسة إلى تلك الترجمة، إذ كانت اللغة اليونانية سائدة بين متعلمي القسم الشمالي من حوض البحـر الأبيض، لكن إذ انتشرت المسيحية بين الشعوب الفقيرة، لا سيما شمال أفريقيا، أصبحت الحاجة ملحة إلى ترجمة الكتاب بلغة التخاطب اليومي، أي اللغة اللاتينية. ولقد سميت تلك الترجمة بالترجمة القديمة، تلتها عدة ترجمات متوفـرة لدى الباحثين أيضاً، إلى أن عهد للعالم الكتابي الفذ القديس إيرونيموس (أو جيروم) أن يقوم بمراجعة وتنقيح الترجمـة القديمـة، فظهرت ترجمته هذه عام 383 م. ولقد عُرِفت هذه الترجمة باسم الفولجاتا، وهي كلمـة لاتينية تعنى "الدارجة"، ولقد ظلت هذه الترجمة* معمولاً بها في كل أوربا الغربية لمدة تزيد عن ألف عـام، أي حتى وقت الإصلاح. ولازالت هي الترجمة المعتمدة في الكنيسة الرومانيـة إلى الآن، كما أنها ترجمة محترمة من النقاد المعتبرين.

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:02 AM
وفي بداية القرن الثالث نهض العلامـة القبطي بانتينوس بترجمة الكتاب المقدس بعهديه إلى اللغة القبطية*. وبعد ذلك الزمان بفترة وجيزة قام آخرون بترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة الحبشية وإلى اللغة الأرمينية وكذلك اللغة الفارسية.
في أواخر القرن الثامن ظهرت أول ترجمـة عـربية. ونحو سنة 1380 ظهرت ترجمة أسبانية وأخرى إنجليزية. ونحو عام 1460 ظهرت ترجمة نمساوية. وفي عام 1477 كانت هناك ترجمتان للكتاب المقدس بالفرنسية. ولما ظهرت ترجمة لوثر للكتاب المقدس إلى اللغة الألمانية في عام 1522 كان هناك وقتها ما لا يقل عن 14 ترجمة مختلفة للكتـاب المقـدس بالألماني الفصيح، بالإضافة إلى 4 ترجمات باللهجات القومية. وهي كلها ترجمات كاملة للكتاب المقدس.
توالت منذ ذلك الزمان الترجمـات. فبلغت عام 1800 إلى 72 ترجمة، ثم عام 1900 بلغت 567، وفي عام 1965 بلغت 1250. وفي نبذة أصدرتها مؤخراً دار الكتاب المقدس في مصر، ذكـرت أن الكتاب المقدس اليوم تُرجِم كله أو أحد أجزائه إلى 1946 لغة ولهجة، وهي في زيـادة مستمـرة. ولو كان تشارلس وسلى مؤلف ترنيمة "يا ليت لي ألف لسان لأحمد الفادي" عائشـاً اليوم، إذاً لاغتبط أشد الاغتباط وهو يرى أن كلمة الله تُرجِمـت إلى أكثر من هذا العدد من اللغات والألسنة، وكلها تسبح الفادي.
كلمة عن الكتاب المقدس في اللغة العربية
إن أول ترجمة للكتاب المقدس إلى اللغـة العربية ظهرت في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي، عندما قام يوحنا أسقف أشبيلية في أسبانيا بترجمة الكتاب إلى العـربية نقلاً عن ترجمة إيرونيموس اللاتينيـة. وكانت ترجمته محدودة فلم تشمل كل الكتاب، كما لم يكن لها الانتشار الكافي.
ثم في أواخر القرن التاسع قام رجل يهودي يدعى سعيد بن يوسف الفيومي بترجمة العهد القديم فقط إلى العربية.
وبعد ذلك توالت ترجمات أخرى من أشخاص كثيرين لأجزاء متفرقة من الكتاب المقدس. على أن هذه الترجمات لم تفِ بالحاجة تماماً، إذ كان معظم المترجمين يعتمدون على ترجمات أخرى أقدم؛ كالسريانية والقبطية، وليس على الأصل العبري واليوناني، فنتج عن ذلك ترجمات مشوهة ومشحونة بالأخطاء. مما دفع أحد علماء الكنيسة القبطية، يدعى هبة الله بن العسال من الإسكندرية، بمراجعة إحدى الترجمات وضبطها وتصويبها، وكان ذلك عام 1252م.
وتبعه آخرون حذوا حذوه فأجروا تنقيحاً بسيطاً في إحدى الترجمات، أُطلِق عليها الفولجاتـا السكندريـة (لتمييزها عن الفولجاتـا اللاتينية). التي اعتُبرت ترجمة قانونيـة ورسميـة لعدة أجيال. ولا زالت هذه الترجمـة مستخدمة في القراءات الكنسية بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية إلى يومنا هذا.
وفى عام 1620 شرع سركيس الرزى مطران دمشق مع نفر من العلماء بالقيام بترجمة دقيقة، مستعيناً بنسخة حصل عليها من البابا إربان الخامس بروما. وبعد عمل 46 سنة ، أي نحو عام 1666 أنجزوا العمل وطُبع الكتاب في روما وظهر إلى الوجود أول نسخة لكل الكتاب المقدس باللغة العربية ليس منقولاً عن ترجمات أخرى. لكن هذه الترجمة أيضاً لم تأت وفق ما كان يرجى منها، إذ أن ضعف الترجمة أفقد التعاليم الدقيقة قوتها، وجعل بعض عباراتها غير مفهومة، بالإضافة إلى ما كان بها من أخطاء لغوية.
الترجمة العربية الحالية (ترجمة سميث - فاندايك)
إن الترجمة المتوفرة بين أيدينا حالياً يرجع الفضـل فيها بصفة خاصة إلى اثنين من المرسلين الأمريكان، تميزا بالتقوى الصحيحـة والاستعـداد للتضحية الكثيرة، بالإضافة إلى ما زودهما الرب به من مواهب خاصة، وهما:
الدكتور عالي سميث: الذي ولد بأمريكا سنة 1801. وأتى للعمل كمرسل بجزيرة مالطة بعد أن أنهى دراسته، ومنها عام 1827 إلى بيروت ليتعلم اللغة العربية. ونحو عام 1837 عُهد إليه بالإشـراف على طبع الكتاب المقدس بالعربية، فتحمل من المشاق مالا يسعنا المجال هنا لشرحه. فقط نشير إلى أنه انكسرت به السفينة مرة وهو فى طريقه من بيروت إلى تركيا، وضاع في البحر مجموعة من أجمل الخطوط التي كان قد جمعها ليصنع منها قوالب الحروف فى ألمانيا لطبع الكتاب المقدس. ومن أثر الصدمة نتيجة لهذا الحادث رقدت زوجنه الفاضلة. ولكن تشددت سواعد يديه، وتخطى كل الصعاب، وبدأ بترجمة الكتاب المقدس إلى العربية وكان ذلك عام 1847. وقد تمكن هو ومعاونوه - على رأسهم المعلم القدير بطرس البستاني، الذي كان ضليعـاً فى اللغة العربية ومتمكناً من العبرية، وكذلك الشيخ نصيف اليازجي النحوي القدير الذي انتُدب لتصحيح وضبط اللغة –


بعد مجهود مضنٍ وشاق، من ترجمة أسفار موسى الخمسة، ثم العهد الجديد كله، ثم بعض النبوات. وشرع بالفعل في طبع سفري التكوين والخروج وستة عشر أصحاحاً من إنجيل متى، لكنه رقد في الرب عام 1854 قبل اكتمال العمل.
ملاحظة من معد الصفحة عن بطرس البستاني
وُلِدَ المُعَلِّم بُطْرُس البُسْتَاني سنةَ 1819 في قَرْية الدِبِّيّة في لُبنان. وتَلقّى عُلومَه في مدرسةِ عين وَرَقة، كُبْرى مدارسِ ذلك العَهْد. وهناك تَعَلَّم العربيَّة والسّريانيّة واللاتينيّة والإيطاليّة والفلسفة واللاّهوت والشَّرع الكنسيّ، ودرس الإنكليزيّة على نفْسه.
في عام 1840 وَفَدَ إلى بيروت واتَّصل ببعض المُرْسَلين الأميركيّين يعلِّمُهم العربيَّةَ ويعرِّبُ لهم الكتبَ. ومنذ ذلك الوقت نشأتْ بينه وبين كُرْنيلْيوس فانْدايْك، أحدِ مؤسِّسي "الكلّيّة السوريّة الإنجيليّة" في بيروت (الجامعة الأمريكيّة)، صداقةٌ امتدَّتْ طَوالَ العُمْر، وكان لها أثرٌ على الرَّجُلين العظيمين.
بعد عام 1848 وسَّع البُسْتاني مَعارفَه بدراسة اللّغَتينِ اليونانيَّةِ والعبرانّيةِ. واشتركَ مع عالي سْميث في ترجمة الكتاب المقدَّس إلى العربيّة، وهي الترجمة التي أتَّمها فيما بعدُ الدكتور كرنيليوس فاندايك
الدكتور كرنيليوس فاندايك: الذي ولد في أمريكا عام 1818، وظهر نبوغه المبكر في اللغات بالإضافة إلى تعلمه الطب، إذ كان يتقن عشر لغـات ما بين قديمة وحديثة. ولما بلغ العام الحادي والعشرين من عمره وفـد إلى سوريا مرسلاً، لكنه ذهب إلى بيروت ليتعلم اللغة العربية حتى أصبح من المعدودين في إتقانها. ولقد تعين لمتابعـة ترجمة الكتاب خلفاً للدكتور سميث. فابتدأ بمراجعة ما سبق ترجمته، ثم ترجم الباقي. وقد استعان هو أيضاً بالشيخ يوسف الأسير (الأزهري) لضبط الترجمة. وانتهى من الترجمة والطبع يوم 29 مارس 1865. ومما يذكر أن الدكتور فاندايك لم يعتبر قط أن ترجمته نهائية، بل ظل ينقح ويصحح في كل طبعة جديدة حتى يوم رقاده بيسوع في 13 نوفمبر 1895 تاركاً وراءه ذخراً لا يُقدَّر « وبه وإن مات يتكلم بعد ».
الترجمة اليسوعية
قام بعض الرهبـان اليسوعييـن في بيـروت، بمعاونة الشيخ إبراهيم اليازجي بن الشيخ نصيف اليازجي السالف الذكر، سنة 1881 بترجمة عربية أخرى. وهى ترجمة جميلة ودقيقة عدا استثناءات معدودة. تتميز عن غيرها بحلاوة الأسلوب وفصاحة اللفظ، لكن على حساب عدم التقيد بحرفية النص الأصلي في بعض الأحيان.
الترجمات الحديثة
وقد بدأت في السنوات الأخيرة عدة محاولات لإعادة ترجمة الكتاب المقدس، وكذلك تنقيح الترجمة المستعملة حالياً. ولقد ظهرت بالفعل بعض هذه الترجمات، سنذكر بعد قليل جانباً منها.
ويقيناً هو شئ غير مستغرب أن يعتز المؤمنون بالكتاب الذي حفظوا مقاطع كبيرة منه في طفولتهم، وتعزّوا بواسطته وبُنوا في الإيمان إذ استخدم الله آياته سواء في الاجتماعات العامة أو الجلسات الخاصة أو الخلوات الانفرادية، الأمر الذي يجعل الكثيرين منهم يرفضون فكرة تعديل نصوصه أياً كانت الأسباب.
ومع ذلك فعلينـا أن نستوعب هذه الحقيقة وهي أن اللغة متطورة باستمرار. فنحن عندما نقرأ الصحف الصادرة من مائة عام نحس أننا غرباء عن هذه اللغة. قال كليف لويس "لا يوجد شئ اسمه ترجمة كتاب من لغة إلى أخرى مرة وإلى الأبد، فاللغة شئ متغير. إذا أردت أن تشترى ثوباً لابنك فليس من المعقول أن تشترى له الثياب مرة وإلى الأبد، فهو سينمو ويكبر عليها، وهى ستتهرأ عليه"
خذ على سبيل المثال كلمة من الأصحـاح الأول في الكتاب المقدس « وقال الله لتخرج الأرض ذوات أنفس حية كجنسها؛ بهائم ودبابات... فعمل الله وحوش الأرض ... وجميع دبابات الأرض كأجناسها » (تك1: 24، 25). إن القارئ العادي عندما يقرأ عن الدبابات قد يذهب فكرة إلى آلة الحرب المعروفة بهذا الاسم، مع أن هذه طبعاً ليست هي المقصودة، بل المقصود هو ما يدُب على الأرض. ولذلك اضطرت الترجمة التفسيرية لإزالة هذا الالتباس أن تترجمها زواحف. أو مثل آخر « إن كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حسابا يوم الدين » (مت12: 36) إن عبارة كلمة بطالة في مفهوم القارئ العادي هي الكلمة الرديئة، مع أن معناها هنا الكلمة العاطلة أو التي لا لزوم لها.


ومع اعتقادنا أن الترجمة العـربية الشائعة هي واحدة من بركات الرب للشعوب العربية، إذ أنها من أدق الترجمات في كل العالم، فإن أحداً لا يقدر أن يعترض أبداً على معاودة البحث في الأصـول للوصول إلى لفظ أدق أو كلمة تعطى المعنى الأقرب للأصل، وكذلك لاستبدال الكلمات العسـرة الفهم، أو التي بَطُل استعمالها في اللغة بكلمات أكثر تداولاً بشرط أن

تعطى المعنى الأصلي تماماً. ثم إن الأمانة لحق الله تقتضي منا الوقوف بمنتهى الحزم إزاء محاولات الخروج عن مقصد الآية الأصلي لمجاراة أفكار البشر الخاطئة، أو لتثبيت مفاهيم منحرفة، كما حدث ويحدث الآن في بعض الأحيان.
ومن أشهر تلك الترجمات الحديثة:
الترجمة التفسيرية (كتاب الحياة): تهدف هذه الترجمة لتبسيط المعنى وإيضاحه. وقد صدر العهد الجديد عام 1982، ثم صدر الكتاب المقدس كاملاً عام 1988. وهي ترجمة جيدة إلى حد كبير.
الترجمة اليسوعية الحديثة: صدرت الطبعة الأولى للعهد الجديد عام 1969، تلتها عدة طبعات وحاول الآباء اليسوعيون فى كل طبعة إدخال بعض التحسينات مثل تبسيط العبارة وإضفاء الروح المسكونية على الترجمة.
الترجمة الحديثة يقوم بنشرها اتحاد جمعيات الكتاب المقدس ببيروت، والتي صدرت طبعتها الأولى عام 1978. وهذه الترجمة بالأسف جاملت البشر على حساب الحق الإلهي. فمثلاً متى 16: 18 ترد فى الترجمة العصرية هكذا «وأنا أقول لك أنت صخر وعلى هذا الصخر سأبني كنيستي» مما يفهم منه القارئ العادي أن الكنيسة بنيت على بطرس. والحقيقة أن الروح القدس استخدم في الأصل اليونـاني كلمتين مختلفتين الأولـى هى « بترس »، وترجمتها حجر أو قطعة من الصخـر، أما االثانية فإنها « بترا » وترجمتها صخرة. فليس على بطرس بُنيت الكنيسة بل على المسيح ابن الله الحي، الإعلان الذي أعلنه الآب ونطق به بطرس. ويستطيع القارئ الفطن أن يفهم لماذا تجاهل المترجمون هذا الفارق بين الكلمتين؛ فهذه أحد أمثلة مجاملة البشر على حساب الحق.
وبالمثل في 1بطرس 3: 18،19 « مات في الجسـد، ولكن الله أحياه في الروح. فانطلق بهذا الروح يبشر الأرواح السجينة التي تمـردت فيما مضى » حرف الفاء هنا زيد ويفسد المعنى إذ يُفهم منه أن ذهاب المسيح ليبشر الأرواح السجينة كان بعد موته، مع أن النص اليوناني يُفهم منه - ما يتمشى مع باقي أجزاء الوحي - أن المسيح كرز إليهم بالروح القدس بواسطة نوح قديماً.
أيضاً في يوحنا 5: 28،29 « ستجيء ساعة يسمع فيها صوته جمـيع الذين في القبور، فيخرج منها الذين عملوا الصالحات ويقومون إلى الحيـاة، والذين عملوا السيئات يقومون إلى الدينونة » والنص بهذه الصورة يدعم تعليم القيامة العامة، وهو تعليم غير صحيح. لأنه واضح من كلمة الله أن هناك « قيامة أولى » للمؤمنين تسبق قيامة باقي الناس بألف سنه (رؤ 20: 5، 6)، ولذلك سُميـت القيامة الأولى « قيامة من الأموات » (لو 20: 35، في 3: 11). ويرد النص في اليوناني كما في ترجمة فاندايك « يخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيآت إلى قيامة الدينونة ». فهناك قيامتان لا قيامة واحدة.
أما الطامة الكبرى في هذه الترجمـة، فهي محاولتهم النيل من لاهوت المسيح، وهو كما يعرف القارئ أقدس مقدسات المسيحية، كما أنه هدف أساسي لهجمات الشيطان. ففي أمثال 8: 22 ترد العبارة « الرب خلقني أول ما خلـق » ثم في الهامش تقول الترجمة: عبارة خلقني تعنى أيضاً اقتناني، وعبارة أول ما خلق تعنى أيضا أول طريقه. فإن كانت الكلمة العبرية تحتمل المعنيين- كما ذكروا هم في الحاشية - فلأي غرض يا ترى وضعت هذه العبارات في المتن؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ والأسوأ من ذلك أنه في فاتحة إنجيل يوحنا عند حديث الروح القدس عن لاهوت المسيح ترد حاشية تحوله إلى أمثال 8: 22 التي فيها هذا التجديف الصريح.
ليت كلمات الرسـول يوحنا « وأما أنتم فما سمعتموه من البدء فليثبت إذاً فيكم » (1 يو 2: 24) تكون نبراساً لنا في هذا الزمان الرديء‍.

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:03 AM
======= 7 =======
تقسيمات الكتاب



وقال لهم هذا هو الكلام الذى كلمتكم به وأنا بعد معكم أنه لابد أن يتم جميع ما هو مكتوب عنى في ناموس موسى والأنبياء والمزامير حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب
( لوقا24: 44،45)

نظرة عامة
يحتوي الكتاب المقدس على قسمين أساسيين هما العهد القديم؛ وهو مجموعة الأسفار التي كتبت قبل المسيح، وعددها 39 سفراً، ولقد سُمى هذا القسم بواسطة الوحي "العهد العتيق" أو العهد القديم (2كو3: 14). وتبعاً لذلك اصطُلح على تسمية الأسفار التي كتبت بعد المسيح، وعددها 27 سفراً، "العهد الجديد".
القسم الأول هو الكتاب العبري، ويميزه الناموس؛ أي مطاليب الله التي يلخصها القـول «تحب الرب إلهك» (مت22: 36، 37). والقسم الثاني هو الكتاب اليوناني، ويميزه الإنجيـل؛ أي البشارة المفرحة التي يلخصها « هكـذا أحب الله العالم » (يو3: 16).
الكتاب الأول هو كلام موسى والأنبياء (لو16: 29،31)، ومجاله الأرض. والكتاب الثاني هو كلام المسيح ورسله (2بط3: 2)، ومجاله السماء.
الكتاب الأول يتحدث عهد الأعمـال « افعـل هذا » (لو10: 28)، ويُختم باللعنة (ملا4: 6). والكتاب الثاني يتحدث عن عهد النعمة « هنذا أجئ لأفعل » (عب10: 7)، ويُختم بالبركة (رؤ22: 21).
الكتاب الأول ملئ بشوق الأتقياء إلى الله « من يعطيني أن أجده » (أي23: 3). والكتاب الثاني ملئ بشوق الله إلى الخطاة « وجدت خروفي الضال » (لو15: 6).
الكتاب الأول يقود إلى المسيح، والثاني يبدأ بالمسيح.
وكل من العهدين القديم والجديد يحتوى على ثلاثة أنواع مختلفة من الأسفار هى الأسفار التاريخية والاختبارية والنبوية كالآتي:

العهد القديم العهد الجديد
من التكوين إلى أستير من متى إلى الأعمال الأسفار التاريخية:
من أيـوب إلى النشيد الرســائـل الأسفار الاختبارية:
من إشعياء إلى ملاخي سفـر الرؤيـا الأسفار النبوية:
مجموعة الأسفار الأولى تشتمل على أخبار الماضي، والأسفار الثانية تشتمل على اختبارات الحاضر، والثالثة على تطلعات المستقبل.
أو يمكن النظر إلى كل من العهد القديم والجديد بأنه إعلان للحق ثم تطبيقه.
فأسفار موسى الخمسة: إعلان الله لشعبه في النبوات والظلال والرموز
ثم باقي أسفار العهد القديم: الله في شعبه
أولاً: بالسلوك الخارجي؛ الأسفار التاريخية
ثانياً: بالاختبارات الداخلية؛ الأسفار الشعرية
ثالثاً: بالتطلعات المستقبلية؛ الأسفار النبوية.
ونفس الأمر بالنسبة للعهد الجديد.
فالأناجيل الأربعة: هي إعلان الله الجديد والكامل لشعبه بواسطة المسيح
ثم باقي أسفار العهد الجديد: المسيح في كنيسته
أولاً: بالسلوك الخارجي؛ سفر الأعمال
ثانياً: بالاختبارات الداخلية؛ الرسائل
ثالثاً: بالتطلعات المستقبلية؛ سفر الرؤيا
العهد القديم
في نظرة تحليلية أكثر، يمكن تقسيم العهد القديم تقسيماً ثلاثياً كالآتي:
الكتب التاريخية، وهذه عددها 17، والأسفار الاختبارية وهذه عددها 5، ثم النبوات وهذه أيضاً عددها 17
والأسفار التاريخية تنقسم إلى قسمين رئيسيين، 5 أسفار تاريخية أساسية، وهى تلك المعروفة بأسفار موسى الخمسة، ثم 12 سفراً تاريخياً، تسعة منها كتبت قبل السبي البابلي وثلاثة بعد الرجوع من السبي.
والأسفار النبوية أيضاً عددها 17، وهي بدورها تنقسم إلى 5 أسفار كبرى (هي أسفار الأنبياء الكبار ومعها سفر المراثي) ثم 12 نبوة تسمى مجموعة الأنبياء الصغار(نظراً لصغر حجمها)، تسعة منها كتبت قبل السبي البابلي وثلاثة بعد العودة من السبي.
ولقد كان اليهود يقسمون الأسفار التي بين أيديهم إلى ثلاثة أقسام أيضاً (كعدد أقسام مسكن الله الذي بينهم) كالآتي:
1- الناموس (أو التوراة) ويرمز له بالحرف (ت) اختصار توراة، ويشمل أسفار موسى الخمسة.
2- الأنبياء (أو نبييم) وكان يرمز لها بالحرف (ن)؛ وتتكون من كتابات الأنبياء الأول وهي الأسفار التاريخية كيشوع والقضاة وصموئيل والملوك، ثم الأسفار النبوية وهي إشعياء وإرميا وحزقيال ودانيآل وباقي النبوات.
3- الكتابات المقدسة (أو كتبيم) ويرمز لها بالحرف (ك)؛ وهي بقية الأسفار وأولها سفر المزامير، ولذلك استخدم للدلالة على كل القسم.
وهذا هو التقسيم الذي أشار إليه الرب له المجد فى حديثه مع تلاميذه في لوقا 24: 44 إذ قـال لهم « هـذا هو الكـلام الذي كلمتكم به وأنا بعد معكم أنه لابد أن يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسى والأنبياء والمزامير ».
العهد الجديد:
يبتدئ العهد الجديد بإنجيل متى الذي يقدم لنا المسيح ملك اليهود فى مجيئه الأول، ويختم بسفر الرؤيا الذى نرى فيه المسيح ملك الملوك في مجيئه الثاني. وفى إنجيل متى نرى من بدايته الملك مرفوضا، أما سفر الرؤيا فإنه يحدثنا عن الأسد الخارج من سبط يهوذا، ويختم بشخصه «ملك الملوك ورب الأرباب»
أما أقسام أسفار العهد الجديد فهي أربعة أقسام بحسب موضوعها كالآتي:
1- الأناجيل الأربعة: أسفار التذكير (انظر يو14: 26)؛ وهي تقدم لنا حياة المسـيح وموته وقيامته. كتبها أربعة بشيرون هم متى ومرقس ولوقا ويوحنا.
2- أعمال الرسل: سفر الشهادة (انظر يو15: 26)؛ ويحكى لنا قصة الشهادة التي أقامها الله على الأرض نتيجة مجئ المسيح وموته وقيامته. وهو يبدأ بارتفاع المسيح إلى السماء (أع1) ومجئ الروح القدس إلى الأرض (أع2).
3- الرسائل: أسفار الحق الكامل (انظر يو16: 13)؛ ولهذا كان عددها 21 رسالة (أي 7× 3). منها 14 رسالة لبولس (7×2) ثم 7 رسائل لكتبة آخرين وهى المسمـاة بالرسائل الجامعة (2 لبطرس + 3 ليوحنا + 1 ليعقوب + 1 ليهوذا).
4- سفر الرؤيا: سفر الأمور الآتية (انظر يو16: 13) وهو السفر النبوي الوحيد في العهد الجديد.
التقسيم الخماسي للكتاب المقدس
لاحظ بعض الشارحين الموهوبين أن التقسيم الخماسـي للتوراة (أسفار موسى) قد وضع بصمته الواضحة على الكتاب المقدس كله. ودعنا نرى نبذة سريعة عن ذلك.
فأسفار موسى الخمسة هي:
1- سفر التكوين: وهو سفر البداءات. وفيه نرى بداءة الخليقة، والسقوط، والفداء، والإيمان، والوعد، والاختيار، والمحبة، والميراث، والتأديب، والموت. وبالإجمال نجد فيه بداية كل شئ. وحسناً دُعي هذا السفر « مستودع بذار الكتاب المقدس » فكل الأفكـار التي نمت فيما بعد كشجرة نجد بذرتها في هذا السفـر. لهذا فمن الجميل أن يأتي هذا السفـر في الأول، فيكون ترتيبه هو رقم (1)
2- سفر الخروج: في هذا السفـر نجد أفكاراً جديدة تماماً. فالفكر التمهيدي فيه هو الفداء؛ فداء الشعب من العبودية وإحضارهم إلى الله ليكونوا فى علاقة معه. وهذه العلاقة مؤسسة على قاعدتين: الفداء بالدم (خر12)، والتحرير بالقوة (خر14). ثم في الجزء الأخير من السفـر نجد الحديث عن مسكن الله مع شعبه. فالشركة على أساس الفداء هو ما يؤكده هذا السفر. لهذا من المناسب أن يكون رقم هذا السفر (2)، الذي هو رقم الانفصال كما أنه رقم الشركة.
3- سفر اللاويين: وفيه نجد خطاً آخر من الحق، هو الاقتراب إلى الله، والقداسـة المرتبطة بذلك، وذلك بعد أن صوّر المسيح وكمال شخصه وعمله على الصليب في صور رمزية في التقدمات المتنوعة (أصحاح1-5). ولأن الأقداس هى قلب هذا السفـر، ولأن قدس الأقداس هو القسم الثالث من بيت الله، وهو مكعب، ولأن لاوي هو الابن الثالث ليعقوب، وترتيبه سواء في بركة يعقوب لأولاده أو بركة موسى للأسباط هو الثالث (تك 49، تث 33)، لذلك كان من المناسب أن يأتي سفر اللاويين؛ سفر الأقداس، في الترتيب الثالث.
4- سفر العدد: إنه السفر الذي يحدثنا عن الرحلة فى البرية، وعن المكائد والحروب التي تعرض لها الشعب فيها. وفى هذا يظهر فشل الإنسان من ناحية، كما تظهر أمانة الله من الناحية الأخرى. ثم إنه سفر الخدمة. ولأن الرقم الذي يحدثنا عن الأرض والعالـم في الكتاب هو رقـم (4)، كان مناسباً أن يكون سفر العدد هو السفر الرابع.
5- سفر التثنية: يبدو فى هذا السفر وكأننا نرجع إلى بداية الرحلة. كما نجد استعادة لذكرياتها واستعراضاً لدروسها. وهذا السفر بالعبري اسمه «الكلمات» فالله يعيد عليهـم الدرس قبل أن يدخلهم أرض الموعد بالنعمة، ثم يضعهم في الختام أمام مسئوليتهم. ولهذا فكان من المناسب أن يوضع هذا السفر في آخر هذه المجموعة، وأن يكون ترتيبه رقم (5) الذي يحدثنا عن النعمة وعن المسئولية.
الأسفار التاريخية وتقسيمها الخماسي
تنقسم الأسفار التاريخية أيضاً تقسيماً خماسياً، يطابق التقسيم السابق لأسفار الشريعة الخمسة كالآتي:
1- سفر يشوع: وهو مثل التكوين، إذ نجد فيه بداية جديدة للأمة فى أرض الموعد.
2- القضاة وراعوث: يتجاوبان مع سفر الخـروج، إذ نجد صراخ العبودية يرتفع من جديد، ليس في مصر هذه المرة، بل في أرض الموعد. ثم نجد أيضاً خلاص الله لهم من العبودية. وأخيراً نجد الشركة في أسمى صورها في سفر راعوث.
3- صموئيل والملوك: تتجاوب مع سفـر اللاويين إذ نجد فيها الكهنوت، بجانب الأنبياء والملوك. وكذا تخبرنـا عن خيمة الاجتماع في شيلوه، ثم هيكل الله في أورشليم.
4- عزرا ونحميا وأستير: نجد فيها مرة ثانية ليس تيهـان الشعب في البرية، بل تيهانهم وسط الشعوب. كما أننا نجد الفشل من جانب الإنسان والأمانة والرحمة من جانب الله تكراراً لدروس سفر العدد.
5- أخبار الأيام: يعود بنا إلى البداية، إلى آدم وإلى تـاريخ البشر من ذلك الوقت تكـراراً لدرس تثنية 4: 32. وبالمنظار الإلهـي ينظـر إلى كل تاريخ الشعب حتى سبيهم نظراً لفشلهم في المسئولية. لكن لا يُختـم دون ذكر لمحة خاطفة لعودتهم بالنعمة. وهو نفس ما حدث أيضاً في تثنية 32.
ونلاحظ أن هذه الأسفار التاريخية في مجملها تمثل القسم الثاني، أى أنه يحمل في مجمله طابع سفر الخروج: العبودية نتيجة الخطيئة، ثم تداخل الله بالخلاص.‍
الأسفار النبوية وتقسيمها الخماسي
1- إشعياء: هو أول النبوات وأكبرها، وتميزه النعمة ووفرة النبوات عن المسيح المولود من العذراء (قارن إش 7: 14 مع تك 3: 15). ويتمشى مع طابع سفر التكوين.
2- إرميا ومراثيه: نجدطابع سفر الخروج مرة أخرى إذ أن خطية الشعب استوجبت استعباده وسبيه إلى بابل. كما أن الصراخ وصغر النفس في مصر الذي يفتتـح به سفر الخروج نجده يتجاوب مع الصـراخ وصغر النفس في بابل الذي يرد في تذييل سفر إرميا؛ سفر مراثي إرميا. لكن الخلاص النهائي لهـذا الشعب مقدم في صورة نبوية، حيث يقطع الرب معهم عهـداً جديـداً، لا كالعهد الذي قطعه مع آبائهم يوم خروجهم من أرض مصر (إر 31).
3- حزقيال: كتبه حزقيال الكاهن. ويقدم لنا كتاباً كهنوتياً إذ يذكر خطية إسرائيل لا باعتبارها ذنبـاً وإثماً بل دنساً ونجاسة استوجبت قطع علاقة ذلك الشعب مع الله. لكن تختم النبوة ليس فقط برجـوع الشعب، بل أيضاً ببناء الهيكل حيث سيقدمون ذبائحهم، وحيث سيملأه مجد الرب من جديد بصورة أعظم. وفي هذا نرى طابع سفر اللاويين.
4- دانيآل: كتبه دانيـآل النبي الذي قضى معظـم عمـره في خدمة أباطرة الأمم. وهى النبوة الوحيدة المهتمة بتاريخ العالم وأزمنة الأمم. أي أن طابع سفر العدد واضح فيها. إنه يعيد من جديد قصة فشل الإنسان، فكما فشل إسرائيل كما هو وارد في سفـر العدد، هكذا فشـلت الأمم أيضاً في زمان سيادتهم على العالم.
5- الأنبياء الصغار الاثنى عشـر: تقدم لنا « كلمـات » الـرب، التي تُخـتم في كل النبوات بمشهد المجد، دون إغفال لا جانب النعمة من ناحية الرب في إتمام مواعيده، ولا جانب المسئولية من ناحية الشعب التي تستوجب التأديب.
وهذا القسم الثالث في مجمله يدخلنا إلى داخـل المقادس، في محضر الله نفسه. فالنبي هو ذاك الذي يستحضر القلب والفكر إلى الله. وعليه فهذا القسم كله يتمشى مع طابع سفر اللاويين.
الكتب الشعرية وتقسيمها الخماسي:
1- المزامير: أهم وأكبر أسفار القسم - ويساير سفر التكوين في تنوع موضوعاته.
2- أيوب: يصور لنا الضيق، والشيطان الذي يريد إهلاك المؤمن كما فعل فرعون مع بنى إسرائيل. لكن نجد فيه توقع الولي الفادي (أى19: 25 وخر12)، من ثم فإن الله يخرج المؤمن من وجـه الضيق إلى رحب لا حصر فيه. وهو بهذا يساير سفر الخروج.
3- نشيد الأنشاد: قـدس أقـداس هذا القسم، حيث يؤتى بالنفس إلى حجال الملك (أى غرفته الخاصة). ولهذا فهو يطابق سفر اللاويين.
4- الجامعة: يقدم لنا اختبار سليمان الحكيم من جهة كل ما تحت الشمس، ويدمغه بأنه «باطل الأباطيل، وقبض الريح» (أو انقباض الروح) - الأمر الذي نلمس فيه طابع سفر العدد.
5- الأمثال: تجد فيه الكلمات والمواعظ، الأمر الذي يتمشى مع سفر التثنية.
ونلاحـظ أن هذا القسم في مجمله يتمشى مع سفر العدد - لكنه يقدم لا تـاريخ شعب الله في البريـة بل اختباراتهم فيها. وكـم هو جميل أن هذه الاختبارات مكتوبة شعراً، في صورة تسابيح وأغاني روحية، رغم كونهم « عابرين في وادي البكاء »‍‍‍‍!! ومع صاحب المزمور يقولون «ترنيمات صارت لي فرائضك في بيت غربتي» (مز119: 54).
وبهذا ينتهي العهد القديم بأقسامه الأربعة. وهذا العدد نفسه (4) يحدثنا عن مجمل مضمون أسفاره - فموضوع العهـد القديـم كما ذكرنا هو الأرض، وفيه قصة تعامل الله مع شعبه الأرضي.
العهد الجديد:
هو قسم ثان قائم بذاته ومع ذلك فيمكن تقسـيم أسفاره السبعة والعشرين ذات التقسيم الخماسي الذي مر بنا
التقسيم الخماسي للعهد الجديد
1- الأناجيل الأربعة: بالمقابلة مع سفر التكوين، تقدم لنا بداءة جديدة تماماً بمجيء المسيح له المجد. مع فارق أنه بينما يقدم لنا سفر التكوين أساساً سيَر سبعة أشخاص، فإن الأربعة الأناجيل تقدم لنا شخصاً واحداً. إن صورة واحدة لا تكفي لتعرفني معرفة كاملة على شخص ما، بل يلزمني عادة صور من مختلف الزوايا فأحصل لا على مجموعة صور متناقضة، بل على صور مختلفة تكمل إحداها الأخرى عن ذات الشخص.
1. فإنجيل متى يقدم لنا الرب كالملك الحقيقي لكن المرفوض.
2. وإنجيل مرقس يصوره لنا كالعبد الكامل ليهوه والخادم لحاجة البشر.
3. وفى إنجيل لوقا نرى الرب يسـوع، الإنسان الكامل، المتكل على إلهه، والممتلئ عطفاً على البشرية.
4. أما في إنجيل يوحنا فنجد الـرب له المجد باعتباره الله الظاهر في الجسد، أو بالحري الشخص الإلهي الفريد، وبالتالي الغريب في هذا العالم.
2- أعمال الرسل: يقابل سفر الخروج، الذي قدم لنا قصة إنقاذ الشعب من عبودية مصر، عبودية الطين واللبن، لكنهم باختيارهم وضعوا أنفسهم فى أصحاح 19 تحت نير عبودية آخر ثقيل لم يقدروا أن يحملوه، إنه نير الناموس. لكن سفر الأعمال يقدم لنا قصة خلاص الآلاف من مختلف الشعوب (أع 2، 8، 10، ..)‍ لا من الخطية فحسب، بل أيضاً من نير الناموس (أع 15).
ثم إن سفر الخروج يحدثنا عن مسكن الله، خيمة الاجتماع، وسفر الأعمال يحدثنا عن البيت الجديد الروحي، كنيسة الله، إذ كان الرب يضم كل يوم إلى الكنيسة الذين يخلصون (أع 2: 47).
3- رسائل بولس: وهى مثل سفـر اللاويين، تتحدث عن الاقتراب إلى الله. فلا توجد كتابات تُشعرك بذات محضر الله، بالسماويات، وبمقام المؤمن السامي، مثل كتابات بولس. لكنها تتحدث في نفس الوقت عن المسئولية التابعة لذلك. وهي كالآتي:
رومية: موضوعها التبرير - كورنثوس: التقديس - غلاطية: التحرير - أفسس: البركة - فيلبي: الفرح - كولوسي: الكمال - تسالونيكي: المجد.
4-الرسائل الجامعة: أى رسائل يعقوب وبطرس ويوحنا ويهوذا، فأربعة كتبة، وقسم رابع ... أما الموضوع فهو مركـز المؤمـن على الأرض وسلوكه هنا كغريب ونزيل، وهو عرضه فى البرية لهجوم إبليـس الأسد الزائر، كما أنه عرضة لجاذبيات وإغـراءات وشهوات العالـم الذي محبته عداوة لله. وعليه فطابع سفر العدد واضح فيها.
5- سفر الرؤيا: يتوافق مع سفر التثنية، حيث فيه نجد مجملاً لأفكار الله من البداية إلى النهاية. ومن الناحية الواحدة نجد مسئولية الرافضين، ومن الناحية الأخرى نجد النعمة السامية التي تتعامل مع المؤمنين.

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:03 AM
وفي نظرة خماسية شاملة على كـل الكتاب المقدس الذي يعلن لنا طريق الخلاص نجد:

العهد القديم
الأناجيل
الأعمال
الرسائل
الرؤيا الإعداد للخلاص
صنع الخلاص
نشر الخلاص
شرح الخلاص
إتمام الخلاص
ما أعجب تراكيب هذا الكتاب الواحد الفريد! هل كان ممكناً لمجموعة من الكتّاب تباعدت بينهم العصور أن يقدمـوا لنا كتاباً كهذا لولا أن الله قادهم من البداية إلى النهاية؟!!
سفر المزامير وتقسيمه الخماسي
والعجيب أنه يمكنك أن تجد نفس هذا الطابـع الخماسي في سفر واحد مثل سفر المزامير. فمعروف أن هذا السفر مقسـم في العبري إلى خمسة كتب، ويسميه بعض اليهود «توراة داود» تمشياً مع توراة موسى. وهذا التقسيم ليس اجتهادياً بل أن كل قسم منه يختم بالقول « مبارك الرب .. آمين ثم آمين » أو ما يشبهه.
فالكتاب الأول: من مزمور 1 إلى 41؛ يميزه كثرة التحدث عن الإنسـان (مز 1، 8، 16 . . . الخ)، فيبدأ بالفارق بين البار والأشرار (مز 1)، وكذا بين الإنسان الأول آدم والإنسـان الثاني (مز 8)، وهكذا. كما أنه يحدثنا عن البدايات وعن الخليقة (مز8،19) ولهذا فهو يتمشى مع سفر التكوين.
والكتاب الثاني: من مزمور 42 إلى 72؛ يكثر الحديث فيه عن الفداء بالدم والتحرير بالقوة، لأنه يبدأ بالشعب وهم يئنون ويتنهدون طالبين النجاة (مز42). إنه كتاب الفداء والفصح (مز51: 7)، وهو في هذا مثل سفر الخروج.
والكتاب الثالث: من مزمور 73 إلى 89؛ وهو يبدأ بمزمور لآساف اللاوي، وفيه يرد القول « حتى دخلت إلى مقادس الله » موجهاً النظر إلى الطابع العام لهذا القسم وهو القداسة. فهذا الكتاب إذاً هو كتاب مساكن الرب (مز84) والكفارة (مز85)، ويتوافق مع سفر اللاويين.
والكتاب الرابع: من مزمور 90 إلى 106؛ وهو يُفتَتَح بالمزمور الوحيد المعنون « لموسى رجل الله »؛ رجـل البرية إذ قضى في البرية معظم حياته. إنه إذاً كتاب البرية والغربة، ويتمشى مع سفر العدد.والكتاب الخامس: من مزمور 107 إلى 150؛ وهو كتاب التثنية الداودي، ويحتوى على المزمور العجيب، مزمور 119، أطول أصحاح في الكتاب المقدس، والذي موضوعـه من البدايـة إلى النهايـة هو « كلمة الله »!! إنه إذاً كتاب الكلمات والطاعة، مثل سفر التثنية.


وممكن أن نعتبر ختـام الكتاب الخامس هو مزمور 145 الذي يُختـم ببركة كل بشر لاسم الرب، وبعده تأتي المزامير الخمسة الأخيرة بمثابة تذييل رائع لهذا السفر العظيم؛ كل واحد منها يبدأ ويختم بعبارة "هللويا" أو سبحوا الرب، أو بالعبارتين معاً.
أليس جميلاً أن الرقم خمسة يضع بصمته الواضحة على كل الكتاب. ونحن نعرف أن الرقم خمسة هو رقم عمانوئيل؛ الله معنا. ليس فقط الله معنا، بل معنا أيضا كلمته (أع20: 32).
فهي لنا خير دليل
يصحبنا عمانوئيل ما دمنا فى القفر
لمنتهىالدهر

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:04 AM
======= 8 =======
أسفار أخرى


ما للتبن مع الحنطة يقول الرب. أليست هكذا كلمتي كنار يقول الرب ، و كمطرقة تحطم الصخر
( إرميا23: 28، 29 )


أسفار الأبوكريفا:
الأبوكريفا هي كلمة يونانية تعنى الخفي أو السري، وتشير إلى مجموعة الأسفار اليهودية التي كُتبت نحو سنة 200 ق.م، في الفترة بين ملاخي آخر أنبياء العهد القديم، والذي يسميه اليهود "خاتم الأنبياء" حتى بداية العهد الجديد، وهى الفترة المسماة بفترة الصمت. وهذه الأسفار هي:
طوبيا،
يهوديت،
الحكمة
حكمة يشوع بن سيراخ
نبوة باروخ
المكابيين الأول والثاني
ثم إضافات لسفرين هما أستير
ودانيآل
ورسالة إرميا النبي.
وتسمي الكنائس التقليدية هذه الأسفار "الكتب القانونية الثانية".
أسباب عدم اعتبار هذه الأسفار قانونية
1- لم تُكتَب هذه الأسفار باللغة العبرية، لغة العهد القديم؛ بل باللغة اليونانية.
2- اليهود الذين استودعهم الله أسفار العهد القديم، والذين استلمنا نحن منهم هذه الأسفار، لم يعتبروا هذه الأسفار جزءاً من الأسفار الإلهية الموحى بها على الإطلاق. في هذا كتب العلامة اليهودي المتنصر أدولف سافير "إن الأبوكريفا نفسها لا تدعي مساواتها للأسفار الإلهية، بل بالعكس تشير إلى الأسفار المقدسة بكل الإكرام معتبرة إياها كنزاً ثميناً أعطاه الله لبنى إسرائيل. ولا توجد أقل علاقة بين أسفار الأبوكريفا وبين كتب العهدين القديم والجديد... فهي ليست عضواً من جسم الكتاب المقدس".
3- لم يقتبس الرب يسوع أي اقتباس على الإطلاق من هذه الأسفار، وكذلك فعل كل كتبة العهد الجديد؛ مع أن في العهد الجديد نحو 363 اقتباساً مباشراً من الأسفار القانونية، ونحو 370 إشارة إلى فصول منها. وما يعتبره المدافعون عن الأبوكريفا أنه اقتباسات من هذه الأسفار، يتضح عند مراجعته أنه مجرد تشابه من بعيد أو كلمة مذكورة في المكانين لا أكثر.
4- بعض هذه الأسفار (المكابيين الأول والثاني) لها قيمة من الوجهـة التاريخية، بعضها يحوى حِكماً نافعة (حكمة بن سيراخ)، وقراءتها من هذه الوجهة لا تخلو من بعض الفوائد، لكن بعضها الآخر يحتوي على خرافات يهودية، وأساطير سخيفة، وتفاهات مبتذلة (مثل أسفار طوبيا ويهوديت) ولا قيمة روحية على الإطلاق من قراءتها.
5- لم تعترف بها الكنيسة البابوية إلا في مجمع ترنت الذي عقد في سنة 1546. وكون هذه الأسفار لم تضَف إلى الكتاب المقدس لا في الكنيسة الأولى عندما كـانت واحدة، ولا حتى بعد انقسام الكنيسة إلى شرقية وغربية، بل بعد الإصلاح في عام 1546 فإن هذا لا يفيد أسفار الأبوكريفا قط، ولا يمكن لعاقل قبول شهادة مجمع يعقد سنة 1546 لإعطاء قدسية إلهية على سفر معين، ولو أنه يفضح كنيسة روما ذاتها.
6- أما فصل الخطاب في هذه المسألة فهو أن هذه الأسفار تحمل في طياتها شهادة عدم قانونيتها، إذ نجدها:
أ ) تنسب الكذب إلى الملاك (طوبيا 5: 6-19).
ب) تمدح الغش والخديعة (يهوديت 9-13).
ج) تتناقض مع الكتاب المقدس عندما تصرح باستخدام السحر المكروه عند الرب (طوبيا 12: 9)، وتعلّم أن الصدقة تطهر كل خطية! (طوبيا 12: 9).
د ) وبها أخطاء تاريخية وكتابية إذ تذكر، على سبيل المثال، أن هامان عدو اليهود مكدوني (أي يونـاني)، والصحيح أنه أجاجي من نسل عيسو (تتمة أستير). وتُعلِّم أن رافائيل الملاك(؟) هو أحد السبعة الوقوف أمام الله(؟) الذين يقدمون صلوات القديسين(!) (طوبيا12: 15).
هـ) يذكر كاتب سفر المكابيين صراحة أن ما يكتبه ليس وحياً من الله (1مكابيين 9: 27، 14، 41)، ويوضـح أن سفره عبارة عن تأليف بشرى (2مكابيين2: 23-26)، ويختم سفره بالاعتذار عما يحتمل في كتابه من نقائص!!
سفر أخنوخ
في عام 1773 اكتشف كتاب باللغة الإثيوبية - اسمه سفر أخنوخ، قال البعض أن أصلـه يوناني (دون أن يكون لديهم الدليل على ذلك)، وحاولوا بكل قوة أن يثبتوا أن يهوذا في رسالته، عندما أشار إلى نبوة أخنوخ (يه14) فإنه اقتبس من هذا السفر. ولا أعلم لماذا لم يفكر أعداء الكتاب، الذين يدعون لأنفسهم الحيدة في البحث، نعم لمـاذا لم يفكروا أن يكون هذا السفر المنحول هو الذي اقتبس من رسالة يهوذا؟! فالثابت أن هذا الكتاب هو أحد المؤلفات اليهودية، وأنه كُتِب بعد خراب أورشليم.
صحيح يوجـد هناك تشابه ظاهري بين بعض أقوال هذا الكتاب وبين النبوة التي سجلها يهوذا بالوحي، إلا أنه عند التأمل الدقيق نجد الفارق الخطير بينهما، مما يبرهن على أن هذا الكتاب ليس أكثر من مؤلَّف بشـرى. فلقد جاءت النبوة في هذا الكتاب هكذا "هوذا يأتي مع ربوات قديسيه ليصنع دينونة عليهم، وليهلك الأشرار ويوبخ الجسديين على كل ما عمله ضده الخطاة الفجـار". ويتضح الفارق بين هذا الكلام وبين نبوة أخنوخ الحقيقية الواردة في رسالـة يهوذا في أمرين جوهريين: أولهما بالنسبة للقديسين إذ جعلهم سفر أخنوخ هذا هدفـاً للدينونة، وهذا يخالف كل أقوال الكتاب. والثاني: أنه بالنسبة للفجـار لم يذكـر سوى أعمالـهم دون أن يشير إلى كلماتـهم الصعبة. وفي هذين الأمرين الجوهريين اختلفت النبوة الصحيحة الـواردة في رسـالة يهوذا، مما يبرهن كما قال الأخ الفاضـل وليم كلي أن مؤلف هذا الكتاب لا يفهم لا في القديسين ولا في الفجار!!
من هذا نخلص أن سفر أخنوخ المكتشف هذا ليس واحداً من أسفار الوحي المقدسة، وأن يهوذا لم يحصل على نبوة أخنوخ من هذا السفر، بل من الله رأساً. فطالما أن يهوذا كتب رسالـته بالوحي، فليس من صعوبة أمام الروح القدس في أن يعطى ليهوذا أن يسجل ما كان الروح القـدس نفسه قد سبق فنطق به على لسان أخنوخ من آلاف السنين.
إنجيل برنابا
هو مؤلَّف بشرى، يدّعي بعض المغرضين أنه هو الإنجيل الحقيقي، أو على الأقل أحد الأناجيل الحقيقية. ولقد بدأت قصة* هذا الكتاب عندما عثر كريمر (مستشار ملك بروسيا) في سنة 1709 على نسخة إيطاليـة لهذا (الإنجيل) المزعوم، مكتوب في مقدمتها أن راهباً لاتينياً اسمه فرامينو عثر على رسالة لإيريناوس يندد فيها بما كتبه الرسول بولس ويستند في ذلك على إنجيل برنابا، فصلى إلى الله ليهديه إلى الإنجيل المذكـور. وحـدث أنه لما كان عند البابا سكتس الخامس، أوقع الله سباتاً على البابا، فانتهز الراهب الفرصة وبحـث في مكتبته، فعثر على ذلك الإنجيل فأخفاه في ثيابه وبعد ذلك طالعه واقتنع بما جاء فيه!
والأدلة على زيف هذا المؤلَّف البشرى كثيرة :
أولاً: رواية اكتشافه نفسها، لأن كتابات إيرينـاوس موجودة إلى الآن، وليس بينه وبين بولس تلك الخصومة المزعومة، بل إنه يقتبس كثيراً من كتاباته وكذا من الأناجيل الأربعة المعتمدة.
ثانياً: أن النسخة الوحيدة المكتشفة له هي باللغـة الإيطـالية (بالإضافة إلى نسخة أخرى أسبانية، مترجمة عن الإيطالية، وقد فقـدت فيما بعد). ولم يُعثَر على أي نسخة باللغة اليونانية التي هي لغة العهد الجديد.
ثالثاً: التاريخ الذي ترجع إليه النسخة الوحيدة المكتشفة، والموجودة حالياً، هو القرن الخامس عشر على أبعد تقدير.
رابعاً: لم يُشَـر إلى هذا الإنجيل المزعوم ولا إلى مضمونه في الجداول المنتشرة من القـرن الثاني فصاعداً، ولا في ملخصات العهد الجديد أو أقوال الآباء، ولا في المجامع المختلفة محلية كانت أم مسكونية، ولا حتى من أصحاب البدع والهرطقات على مر العصور.
خامساً: عندما تُرجِم هذا الكتاب إلى العربية، بادر المفكرون - حتى من غير المسيحيين - إلى رفضـه. وفي مقدمـة هؤلاء المفكرين الدكتور خليل سعادة مترجم هذا المؤلَّف نفسه، كما ذكـر في مقدمة الترجمة. وأيضاً الأستاذ عباس العقاد*، وغيرهم كثيرون.
سادساً: يذخر هذا الإنجيل المزيف بأخطاء عديدة تُسقِط عنه لا صفة الوحي الإلهي فحسب، بل وتنزله حتى من مرتبة الكتب المحترمة. وسنلخصها في النقاط الآتية:
1- أخطاء تاريخية: قوله إن بيلاطس الوالي، وكذا حنان وقيافا رئيسي الكهنة كانوا أيام ميلاد المسيح (فصل3: 2)، والصحيـح أنهم كانوا في عهد صلبه بعد نحو 33 سنة. كما يشيـر إلى جماعة الفريسيين في زمان إيليا (حوالي 900 ق.م) ويقول إنهم كانوا 17 ألفاً (145: 1)، مع أن جماعة الفريسيين لم يُعرفوا في التاريخ إلا بعد الرجوع من السبي (أي بعد زمان إيليا بمئات السنين)، ولم يظهروا كحزب ديني إلا في القرن الثاني قبل الميلاد فقط.
2- أخطاء جغرافية: يقول إن مدينة الناصرة تقع على البحر (20: 1، 9)، والواقع أنها في سهل. كما يذكر أن في فلسطين مقاطع للأحجار(109: 9)، مما يثبت جهله، وأنه لم يرَ فلسطين في حياته.
3- أخطاء لاهوتية: إذ يتحدث عن بكاء الشياطين، وعن بصقهم (55: 14، 35: 26)، فمن أيـن للشياطين - وهى أرواح - بالمـاء للدمع أو للبصاق؟! كما يتحدث عن بكاء النباتات والأعشاب دمـاً (53: 19)، فمن أين للنباتات بلازما أو دم!! كما يقول إن من لا يصلى هو أشـر من الشيطان (36: 2)، فهل هناك من هو أشـر من الشيطان؟! ثم أن الشيطان لا يصلى!
4- أخطاء روحية: فهو يحرِّم كل أنواع الحب كحب الأب لابنه (99: 10-14) أو الأم لابنها، وكذا محبة التلاميذ ليسـوع (220: 18)، ومحبة الشعب للهيكل (99: 7-9). ثم يتجاسـر فيستخدم تعبيراً غير لائق عن الله جل مجده وهو أنه يحب إسرائيل كعاشق (99: 3). ومن روحيات هذا الكتاب تمجيده للقذارة (57: 14، 19)!!
5- أخطاء كتابية: فينسب أقوال آساف فى مزمور 73 إلى داود (25: 10)، وكلمـات حزقيال 18: 23 إلى يوئيل (165: 1)، وكلمات ملاخي 2:2 إلى ميخا (158: 4). بالإضافة إلى أخطاء أخرى مثل قوله إن اليوبيل كل مائة عام (82: 18)، والصحيح أنه كل خمسين عاماً (لا 25: 11)، وأن داود قضى على مفيبوشث (50: 35) والصحيح أنه أشفـق عليه (2صم21: 7)، وأن يونان حاول الهرب إلى طرسوس (63: 5، 6) مع أنه هرب إلى ترشيش وهي ميناء في أسبانيا بينما طرسوس في تركيا! وأن كورش طرح دانيآل في جب الأسود (50: 36) والصحيح داريوس المـادي لا كورش (دا 6)، وأن الذين نجوا من الطوفان هم نـوح وثلاثة وثمانون شخصاً (115: 7) والصحيح أنهم جميعـاً ثمانية (تك 7: 1، 7، 13و1بط 3http://www.alra3y.com/vb/images/smilies/smile.gif وغيرها الكثير جداً.
6- مبالغات ساذجة: فيعتبر أن السموات تسع عاشرهـا الجنة. بالإضافة إلى مبالغات خاوية من أي معنى دقيـق، إذ يحـدد بُعد السماء الأولى عن الأرض بمسيرة 500 سنة(!)، وكـذلك كل سماء عن التي تليها. ونسبة الأرض إلى السماء كرأس إبرة(!)، وكذلك حجم الجنة إلى كل حجم الأرض والسموات (فصل 105، 178). وفى قصـة خلق آدم يأتي بخرافات تافهة، إذ يقول إن الله خلق كتلة من التراب وتركهـا 25 ألف سنة دون أن يعمل شيئا!! (35: 7). وأن إيزابل قتلت 10000 نبي في سنة واحدة، فكم كان عدد الأنبياء وقتها؟! (18: 5، 148: 7). كما يذكر أن مليون ملاكاً كانوا يحرسون ثياب الرب يسوع!(13: 10)..الخ.
7- تناقضات مكشوفة: فيذكر عـدد الشياطين في المجنـون 6666 وأنها لما خرجت من المجنون دخلت في 10000 خنزير (21: 6، 10، 12) !! أي أن الشياطين انقسمت ليكون نصيب كل خنزير جزءاً من شيطان! ومرة أخرى يذكر أن الرب قال: تعزيتي هي في مجيء الرسول الذي سيبيد كل رأى كاذب فىَّ، وبعدها - مشيراً إلى من سينادون بالمسيح - يقول إنه سيأتي بعد رسول الله عدد غفير من الأنبياء الكذبة!! (97: 4-10).
8- خرافات عجائزية: فقصة الخلق كما ذُكِرت في فصل 35 مليئة بالخرافات التي لا يقبلها أكثر الناس سذاجة ولا نستصوب مجرد ذكـرها الآن. وفي فصل 40 يعزو العلامة المسماة بتفاحة آدم إلى أكل آدم من الشجرة المحرمة، وفاته أن العيوب المكتسبة لا تورث. ويشير إلى خرافة المسخ (27: 5) وإلى تعليم المطهر(136، 137)...الخ.
9- تعاليم تجديفية: وهى أسوأ ما فيه إذ هي تناقض تعاليم المسيحية تماماً. فالرب له المجد في نظره ليس أكثر من إنسان ويلعن من يسميه الله (53: 34، 35)، ويذكـر أن الذي صُلِب هو يهوذا لا الرب يسوع (14: 10 ، 216 - 220)، وأن الرب له المجد كان محتاجاً لفدية، وأنه قال للملاك "سمعاً وطاعة" (13 : 15 - 18)...الخ الخ.
هذه نبذة سريعة على ذلك الإنجيـل المـزعوم ومحتوياته. والواقع إن سِرَ تهليل البعض لهذا المؤلف وإعجابهم به لا يرجع إلى قيمة إيجابية فيه تجعلهم يؤمنون بما يحتويه، بل ترجع إلى ما فيه من سلبيـات، أعنى بها تلك التجاديف التي كومها المؤلف ليحط بها من قـدر المسيح، ولينكر الصليب. الأمر الذي يذكرنا بقول بولس الرسول « وكما قـاوم ينيس ويمبريس موسى كذلك هؤلاء أيضاً يقاومون الحق، أناس فاسدة أذهانهم ومن جهة الإيمان مرفوضون. لكنهم لا يتقدمون أكثر لأن حمقـهم سيكون واضحاً للجميع كما كان حمق ذينك أيضاً » ( 2تى 3: 8، 9 ).
كتاب المورمون
جماعـة المورمون هي بدعة مسيحية ظهرت في أمريكا في النصف الأول من القرن التاسع عشر. ومع أنهم ظاهـرياً لا ينكرون الكتاب المقدس، لكن يؤمنون إلى جانبه بكتاب خاص بهم ويقولون إن رئيس جماعتهم ومؤسسها "جوزيف سميث" قد ظهر له ملاك، وأخبره عن أمر هذا الكتاب الذي كتبه الأقدمون بلغة غير مفهومة على ألواح ذهبية ورقائق نحاسية، وأخفوه كى لا يراه أحد إلى أن يظهر فى الأيام الأخيرة! ويقولون أيضا إن شخصاً يدعى موروني (هو آخر كتبة هذه الرقائق وقد مات سنة 421م) قام من الأموات عام 1827 وسلم جوزيف سميث هذه الرقائق! وعن طريق حجرين خاصين كشف عنهما الملاك، أمكن لجوزيف سميث ترجمـة هذه الرقائق. ونشر هذا الكتاب بالإنجليزية لأول مرة عام 1830.
يحتوى كتاب المورمون هذا على 15 سفراً. تتحدث في مجملها عن أخبار وتاريخ جماعة سكنت في أمريكا في الفترة من سنة 600 ق.م إلى 421 م، هم سكان قارة أمريكا الأوائل، على حد زعمهم.
ملئ هذا الكتاب بما يناقض تعاليم الكتاب المقدس الأساسية، فهو مثلاً ينكر حقيقة الثالوث (ايثر3: 14)، بل ينكر أن الله روح ويعتبره لحماً ودماً!! (ايثر3: 6). كما ينكر كمال وكفاية عمل المسيح الواحـد على الصليب، إذ يقولون إن المسيح بعد صعوده إلى السمـاء نزل ثانيـة إلى أرض نيفي وخدم بينهم، وأقام هناك رسلاً، وزودهم بسلطـان المعمودية (3نيفى11: 8). وينكر كمال وعصمة أسفار العهد الجديد بزعمه أن الكنيسة حذفت أجزاء هامة جداً وثمينة منه. وزعمه أيضاً أن ثلاثة من الرسل سيمكثون على الأرض بين شعب نيفي حتى مجئ المسيح (1نيفى13: 22- 29، 3نيفي 28). كما ينكر ولادة الإنسان بالخطية (موروني 8)، وعذاب أرواح الأشرار بعد موتهم (ألما 40: 11). وكثير من التجاديف الأخرى. ولقد شهد عن هذا الكتاب شخص عاش مرمونياً سنوات طويلة، ثم تداخل الله بالنعمة وأنقذه فقال "لقد قرأت كتاب المورمون 15 مرة. وأُقِـر أنه مجرد مؤلَّف أدبـي شجني ملـئ بالهراء بالمقابلة مع كتاب الله، الكتاب المقدس"
كتب أخرى:
تشير أسفار الوحي أحيانا إلى كتب وأسفار ونبوات ليس لها وجود في الكتاب المقدس، مما يسبب تساؤلات لدى البعض. لذا نذكر بعض الأمور لتوضيح هذه الصعوبة.
الأمر الأول: يقتبس بعض كتـبة الوحي من (أو يشير إلى) أسفار وكتب بشرية، أقوى دليل على أن مصدرها ليس إلهياً هو عدم وجودها اليوم. ومن هذه الكتب:
1- كتب تاريخية وكتب شعر مثل:
كتاب حروب الرب (عد 21 : 14). هو كتاب فيه تسجيل لانتصارات شعب الله، يرجح أن تجميعه بدأ وهم في البرية لتسجيل انتصارات الرب بهم (خر 15: 3)، ثم أضيفت إليه بعض الإضافات في مناسبات تالية.
سفر ياشر: يشار إليه مرتين في يشوع 10: 13، 2صموئيل 1: 18، وكلا الإقتباسين كُتِبا في الأصـل العبري بالشعر، مما يدل على أنه كتاب تراتيل أو أشعار لتخليد المناسبات الهامة في حياة الأمة الإسرائيلية. وكلمة ياشر تعنى مستقيم. وقد يكون ياشر هذا ليس اسم علم بل صفة، بمعنى أن المستقيمين هم الذين يتمتعون باهتمام الرب ورعايته (مز 73: 1، 33: 1). ولا يستبعد أن يكون هذا السفر استطراداً لكتاب حروب الرب السالف الذكر.
2- السجلات التي كان الملوك عادة يحتفظون بها لتسجيل الأحداث الهامة في أيام حكمهم : مثل
سفر أخبار الأيام للملك داود: (1أخ 27: 24)،
سفر أمور (أو أعمال) سليمان: (1مل 11: 41)،
سفر أخبار الأيام لملوك إسرائيل و لملوك يهوذا (1مل 14: 19، 29....الخ).
هذه السجلات كان يدوَّن فيها أحداث المملكة الهامة، وهى تشبه سفر أخبار الأيام الوارد ذكره في أستير 2: 23،6: 1-3. إنها مثل اليوميات التي يسجلها الناس في الوقت الحاضر. وواضح أنها شئ مختلف تماماً عن سفر أخبار الأيام المتضمَن في الأسفار القانونية. وكانت هذه الأسفار بمثابة وثائق تمهيدية، ربما يكون كتبة الوحي قد استقوا بعض معلوماتهم منها.
3- السجلات التي سجلها الأنبياء للأحداث المعاصرة لهم في مذكراتهم الخاصة دون أن يكون ذلك بالوحي مثل:
سفر أخبار صموئيل الرائي؛ وهو ليس سفر صموئيل الذي في الكتاب المقدس (1أخ 29: 29).
سفر أخبار ناثان الرائي وأخبار جاد الرائي(1أخ 29: 29).
أخبار شمعيا النبي وعدو الرائي (عن الانتساب) (2أخ 12 : 15).
مدرس (أي قصة) النبي عدو (2أخ 13: 22).
كتاب إشعياء بن آموص، بخلاف السفر المعروف باسمه (2أخ 26: 22).
أما الدرس الذي نتعلمه من هذه الاقتباسات والإشارات السابقة فهو أنه يمكن لخـادم الكلمة بإرشاد الرب أن يقتبس من أقوال البشر في خدمته لتوضيح الفكرة أو لجذب التفات السامعين. فهكذا فعل الرسول بولس في خدمته الشفوية (أع 17: 28) وكذا في رسائله ( تي 1: 12 ، 13). أنظر أيضا 2تي 4 : 13.
الأمر الثاني: لم يسجل الكتاب المقدس، على مدى تاريخه، كل اتصال إلهي مع الإنسـان وكل إعلان من الله للبشر، بل تضمن فقط ما رأى الله أنه لازم لنا لأجل بنياننا وتعليمنا (أنظر يو 20: 30، 21: 25). وهذا ينطبق على نبوة أخيـا الشيلوني ويعدو الرائي على يربعام (1مل 15: 29، 2أخ 9: 29)، ونبوة ياهـو بن حناني النبي على بعشا (1مل 16: 7) ونبوة ميخا بن يملـة على أخآب (2أخ 18: 7)، وأقوال يونان النبي عن انتصار إسرائيل (2مل 14: 25)، ونبوة أوريا بن شمعيا على أورشليم وأرض يهوذا (إر 26: 20 )...

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:06 AM
======= 9 =======
صمود الكتاب المقدس وثباته




لأن كل جسد كعشب و كل مجد إنسان كزهر عشب. العشب يبس وزهره سقط و أما كلمة الرب فتثبت إلي الأبد
(1بطرس1: 24،25)


لم يواجه كتاب في كل التاريخ من بغضة البشر له وهجوم الشيطان عليه كما واجه الكتاب المقدس. حتى يمكننا أن نقرر أن وجود الكتاب المقدس بين أيدينا اليوم رغم كل ما تعرض له، هو خير شاهد على أن هذا الكتاب حي، لأنه كتاب الله الحي.
وعندما نفكر كيف تعرض الكتاب المقدس لكل أشكال المصائب والكوارث والسبي والكراهية من البشر على مدى تاريخه الطويل؛ فلقد تعرض أولاً لكل ما تعرض له شعب إسرائيل من محن، ونقل إلى خارج بيته، إلى بابل لمدة 70 سنة. ثم تعرض لموجات من الكراهية والمقت المجنون من كثيرين، والإهمال من آخرين، وللحريق أحياناً أخرى وذلك من أيام الفلسطينيين لغاية أيام السلوخيين. ثم من بعد المسيح اجتاز في ثلاثة قرون عصيبة، تعرض فيها للاضطهاد الرسمي من الإمبراطورية الرومانية، إلى الدرجة التي كان فيها يُطرَح من يكون بحوزته هذا الكتاب للوحوش المفترسة. ثم تفكر فيما أصابه خلال القرون من السابع إلى التاسع عندما زادت البدع والخرافات في كل مكان . وما تعرض له في القرنين العاشر والحادي عشر حيث كان القليلون - حتى من الأمراء - هم الذين يعرفون القراءة. ثم القـرون الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر حيث كان استخدام لغة الشعب لتفهيمهم الكتاب المقدس يعرض صاحب هذه الفعلة إلى عقوبة الموت، وعندما تعاظمت كتابات الآباء الأولين، ودخلت تقاليد بالية اعتنقها كل البشر بما فيهم رجال الحكم. نعم عندما نفكر في كل هذا فإننا سندرك كيف أن عين الله الساهرة هي التي حفظت هذا الكتاب، وأن قوته تداخلت طوال هذه القرون، وإلا لاستحال وجود الكتاب المقدس اليوم بين أيدينا من خلال اليهود ومن خلال الكنيسة على السواء - لاسيما في العصور المظلمة - بهذا النقاء وبهذه الدقة المتناهية.
وقصة صمود الكتاب المقدس، قصة طويلة، وهى تذكرنا بما قاله أحد المهندسين الإنجليز الذي بنى سوراً بارتفاع ثلاثة أقدام، وسُمك 4 أقدام. ولما سُئل: أتبنى ارتفاع السور أصغر من سمكه؟ أجابهم: لكي يستحيل أن يُقلب. أما إذا قُلِب، فإنه يصبح أعلى مما كان.
هكذا تماماً هذا الكتاب العجيب، لا تطوله آلات العدو الشريرة، وإذا أراد لسان أن يحكم على الكتاب، فإنه إنما يحكم له.

يظلُ ويبقى كالصخرِ
بقصدٍ كان أو قدرِ
بغدرٍ منه أو مكرِ
وحافظُهُ مدى الدهرِ كلامُ اللهِ للدهرِ
فلا إنسانَ يُفنه
ولا شيطانَ يمحوه
فإن اللهَ كاتبهُ

ودعنا في نقاط قليلة لكنها مليئة بالعِبر نمرُّ سريعاً على قصة صمود الكتاب المقدس عبر العصور

إضاعته
حدث هذا في آخر أيام مملكة يهوذا، عندما أُهمِل أمر الله الذي يقضى بأن يضع اللاويون من بنى إسرائيل كتاب التوراة بجانب تابوت عهد الرب ليكون هناك شاهداً عليهم (تث 31: 26)، وبأن يكتب الملك لنفسه نسخة من هذه الشريعة في كتاب فتكون معه ويقرأ فيها كل أيام حياته، ليعمل بها (تث 17: 18، 19). لكن أمام إهمال الشعب وانحرافه عن الله ما عاد يُسمَع شئ عن هذا الكتاب، إلى أن جاءت أيام يوشيا الزاهرة، واتجهت النهضة التي قام بها إلي بيت الرب لتطهره فوجدوا أثناء ذلك سفر الشريعة، وأُخبِر الملك: « قد وجدت سفر الشريعة فى بيت الرب»!! (2مل 22: 8).
والكلمة "وجدت" تعنى أنه كان مفقوداً! ولا غرابة لأنه إن كان الشيطان قد نجح في أن يجعل الإنسان يستخف بالأمور المقدسة إلى الدرجة التي فيها ينقل التابوت من مكانه (2 أخ 35: 3)؛ فليس مستغربا أن يُفقَد سفر الشريعة الذي كان بجوار التابوت.
تُرى ماذا كان يمكن أن يحدث لو أن نبوخذنصر الذي ذهب إلى أورشليم بعد هذا الحادث بسنوات قليلة، قد هدم البيت قبل اكتشاف هذا الكتاب الثمين؟ أكان يمكن أن يضيع هذا الكتاب إلى الأبد؟!
حقاً كان هذا ممكناً لو أنه كتاب بشرى. أما وأنه كتاب الله فحاشا ألف مرة أن يحدث هذا. والعجيب أن الله وقتئذ لم يحفظ كلمته من الضياع فقط، بل أضاف إليها أيضا سفراً جديداً هو نبوة إرميا، جاء في فاتحته قول الرب العظيم « أنا ساهر على كلمتي » (إر 1: 12).

إبادته
حدث هذا في زمانين على الأقل؛ الأول قبل الميلاد في أيام المكابيين والاضطهاد الذي وقع عليهم، وقد رأينا كيف حوّل الرب هذا الشر لخدمته عند الحديث عن اكتشاف قمران في الفصل الخامس. والمرة الثانية كانت في عصور الاستشهاد، لاسيما في الاضطهاد العاشر أيام ديوكليشان، عندما جاء مرسومه الأول في 24 فبراير 303 م يأمر بإبادة كل الكتب المقدسة. وإذ ظن الإمبراطور أنه قد بلغ مراده، أقام على بقايا كتاب بعد إتلافه، نصباً تذكارياً نقش عليه "سُحِق اسم المسيحيين". لكن، وياللعجب، فقد خلف هذا الإمبراطور الشرير إمبراطور آخر هو قسطنطين، أعلن المسيحية ديانة رسمية في الإمبراطورية. وبعد خمسة وعشرين عاماً من مرسوم ديوكليشان بإبادة الكتب المقدسة، أصدر الإمبراطور قسطنطين أوامره إلى يوسابيوس بنسخ خمسين نسخة من الكتاب المقدس على نفقة الإمبراطورية. وكلنا نعلم من الذي سقط ونُسى؛ هل الكتاب المقدس وصاحبه، أم الإمبراطور ديوكليشان وإمبراطوريته؟ نعم، إن كل مقاوم للكتاب سقط أمام هذا الكتاب، كما سقط قديماً داجون إله الفلسطينيين أمام تابوت الرب (1صم5)!!
الحقيقة الثابتة عبر القرون أن كل من يحاول إبادة الكتاب يُباد (إر36: 29-31)، ومن يظن أنه بوسعه أن يخمد صوت الكتاب أو صاحبه يُخمَد صوته، وأما كلمة الرب فتنمو وتزيد (أع 12: 1-24).
ومرة ثانية استخرج الرب خيراً من وراء شر الإمبراطورية، إذ أبيدت النسخ الأصلية لئلا يعبدها البشر. أما كلمات الوحي ذاتها فبقيت صحيحة تماماً بالأدلة التي أوضحناها فيما سبق.

حجبه و منع تداوله
كان رجال الكنيسة، بكل أسف، على رأس الذين استخدمهم الشيطان في هذه الجولة. وكان هذا أثناء العصور المظلمة، والتي كانت مظلمة حقاً نظراً لاحتجاب نور كلمة الله عن الناس (إش 8 : 20). فلكي يحيط رجال الإكليروس أنفسهم بهالة خرافية من التقديس، وليوهموا الناس أنهم وحدهم الطريق إلى الله، فإنهم منعوا وصول الكتاب المقدس للشعب!!
لنا العذر إن لم نستطع أن نتصور الآن ماذا كان عليه الوضع في البلاد المسيحية في تلك العصور المظلمة. فمن يصدق أن الكنيسة وقفت بكل ثقلها ضد رجال الله الذين شرعوا في ترجمة الكتاب المقدس إلى لغاتهم، وحاربتهم حتى الموت!! ثم لما انتشر فن الطباعة، بدلاً من أن تفرح الكنيسة بهذا الأمر وتعتبره انتصاراً لها في نشر كلمة الله للنفوس، فقد عبر عن شعورها أحد القسوس في موعظة له قائلاً "يجب أن نستأصل الطباعة، وإلا فهي لا محالة ستستأصلنا"!! وحدث في سنة 1534 أن أُحرق 20 رجلاً وامرأة واحدة في باريس بتهمة طبع الكتاب المقدس!! ثم في سنة 1535 حصلت جامعة السربون على قرار بتحريم الطباعة!! لكن جاء هذا القرار متأخراً جداً.
يا للهول... الكنيسة عوض أن تكون أمينة لله ناشرة لكتابه، فإنها قد سجنته وأغلقت عليه، إلى الدرجة التي فيها كان أى ميل لإحياء الاهتمام بالمكتوب يشتّم منه رجال الدين رائحة هرطقة ويقاومونه بعنف. والويل لمن يُضبَط ومعه كتاب مقدس!! فلم يعد هناك من غذاء للعقول سوى خرافات مصنعة وتقاليد بشرية عقيمة.
هذا ما عمله البشر. لكن للرب كل المجد، فقد كان يعمل من وراء الستار ويمهد الطريق لنشر الكتاب المقدس بصورة لم تحدث من قبل. فلقد عرفت أوربا صناعة الورق عن طريق العرب؛ وكان ذلك أولاً في أسبانيا في القرن الثالث عشر، ثم انتقل منها إلى إيطاليا في القرن الرابع عشر. ثم اختُرعت آلة الطباعة بواسطة جوتنبرج في القرن الخامس عشر. ونحو عام 1457 ظهر أول كتاب مطبوع في العالم، وكان هو الكتاب المقدس كاملاً باللغة اللاتينية (الفولجاتا).
لكن قصة المقاومة للكتاب المقدس لم تنته. فلقد تجاسر عالِم تقي اسمه تندال على ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة الإنجليزية، وكان وقتها مختبئاً في قلعة جوتنبرج مع رفيق الكفاح القديس لوثر. لكن رجال الكنيسة في إنجلترا كانوا له بالمرصاد، ورتبوا مكيدة أمكنهم بها خطفه وإعادته إلى إنجلترا ليحاكَم هناك بتهمة الهرطقة، وتم إعدامه حرقاً بالنار عام 1536. لكن تندال قبل إعدامه صلى على مرأى ومسمع من جلاديه "يا رب افتح عيني ملك إنجلترا". ولقد استجاب الرب لصلاة تندال بطريقة لا تخطر على بال، وروت دماء ذلك الشهيد بذرة نشر الكتاب المقدس، إذ بعد ثلاث سنين فقط، أي عام 1539 وزِّعت طبعة جديدة للكتاب المقدس بإذن ملك إنجلترا. بل والأعجب أن ملك إنجلترا أيضاً أمر بالشروع في ترجمة للكتاب المقدس ترجمة دقيقة وعلى نفقة المملكة، وفي عام 1611 ظهرت أشهـر ترجمة للكتاب في كل العالم هي تلك المعروفة بترجمة كينج جيمس King James Version.
ورغم المقاومة الشديدة التي لاقاها الكتاب المقدس لكنه انتصر. واليوم يحتل الكتاب المقدس، بلا منازع، المركز الأول من حيث عدد النسخ المطبوعة منه واتسـاع دائرة انتشاره. وهناك الجمعيات العديدة المنتشرة فى كل أنحاء العالم لطبع وتوزيع الكتاب المقدس بأسعار رمزية كجمعيات الكتاب المقدس في العالم، أو بالمجان كجمعية الجدعونيين.
والعجيب أن الشيطان لا زال لليوم يحارب الكتاب المقدس ويمنع تداوله. فهناك دول تمنع دخول الكتاب المقدس إليها!! على أن الذين منعوا دخول الكتاب إلي بلادهم لم يقدروا أن يمنعوا موجات البث الإذاعي والتلفزيوني وكذا شبكة الإنترنت، من أن تحمل إلى الناس كلمة الله مقروءة ومشروحة بلغاتهم. وأثبت الله صحة قوله المعزى « كلمة الله لا تقيَّد » (2تي 2 : 9).

نقده (النقد الأعلى)
كانت هذه الكارثة أسوأ ما لطخ جبين البروتستانتية. فبعد أن نجحت في إخراج الكتاب المقدس من حبسه، فإنها حاولت بكبرياء وغرور أن تمزق الكثير من صفحاته بواسطة نقدها له!!
ولقد فهمنا في الفصل الخامس أن المقصود بعبارة النقد الأدنى هو امتحان المخطوطات القديمة لمعرفة تطابقها مع الأصول، وأيضاً دراسة اللغات القديمةلنحدد معاني الكلمات وقوة العبارات بدقة، وهو علم نافع ومفيد. أما النقد الأعلى فهو شر مريع، إذ فيه يجلس الإنسان على منصة القضاء ليفرز أقوال كتبة الوحي، ليقبل منها ما يراه صالحاً ويرفض الباقي!
ولقد كان الرائد الأول في هذا المضمار طبيب فرنسي متحرر الفكر، فاسد المسلك اسمه جان استروك. بدأ أعماله سنة 1753 بكتاب هاجم فيه سفر التكوين واعتبر أن استخدام الكتاب لاسمين مختلفين عن الله؛ هما إيلوهيم (المترجم الله)، ويهوة (المترجم الرب) دليل على أن كاتب هذا السفر استقى مادته من وثيقتين مختلفتين، كل واحدة منهما تعبر عن الله باسم مختلف.
تلقف الأستاذ إيخهورن من أصحاب المذهب العقلي في ألمانيا هذه الفكرة، وطورها إلى نظام ينكر وحي ووحدة سفر التكوين، ثم باقي أسفار موسى. وصاغ تعبير "النقد الأعلى Higher Criticism". ولذا سُمى بأنه أبو النقد الأعلى. واستطاع أن يدخل إلى المؤسسات اللاهوتية في ألمانيا فكرة "أستروك" هذا.
تطورت فكرة النقد الأعلى بعد ذلك، فقسموا أسفار موسى إلى أربعة أو خمسة أو ستة أقسام (لأن كل فريق من النقد الأعلى لـه مدرسته)، فاعتبـروا أن هناك نسخة يهوية (نسبة إلى يهوه؛ أى أن الوثيقة تستخدم اسم يهوه) وهذه أقدم النسخ وكتبت نحو عام 950 إلى 850 ق.م. ورُمِز لها بالرمز J اختصاراً لكلمة Jehovah ، وبعض النقاد قسموا هذه الأصول إلى قسمين J1& J2 . والنسخة الثانية هي النسخة الإيلوهية (نسبة إلى إيلوهيم)، كتبت عـام 750 ق.م ورُمِـز إليها بالحرف E اختصاراً لكلمة Elohim. ثم بعد خراب السامرة جمع أحدهم النسختين معا وأخرج نسخة JE. ثم جاء آخـر وعمل نسخة تثنوية (نسبة إلى سفر التثنية) وسميت D اختصاراً لكلمة Deuteronomy، وهو سفر الشريعة الذي وجده يوشيا وهم يقولون إنه كتب في أيامه. ثم بعد ذلك كتبت النسخة القدسية أو قانون القدس نحو زمان حزقيال النبي، وأعطوا لها رمز H. اختصاراً لكلمة Holiness. وأخيراً النسخـة الكهنوتية أو قانون الكهنة وذلك على عهد عزرا (نحو عام 444ق. م) وأُعطيت الرمز P اختصارا لكلمة Priestly. ثم قام عدة كُتّاب بعمليات مزجٍ لتلك الوثائق، ولم تبلغ صورتها الحالية قبل عام 300 ق.م.
وبالأسف استولت هذه النظرية على عقول الآلاف من المفكرين في أوربا. علماً بأن أبا النقد هذا كان جاهلاً تماماً بالكتاب المقدس؛ كما شهد عنه زميل له وكافر مثله قائلاً "ليس من العسير أن نلاحظ أنه من وجهة النظر الدينية كان الكتاب المقدس بالنسبة لإيخهورن كتاباً مغلقاً"!!
هذان هما رائدا النقد الأعلى، والأصوب أن نسميه النقد الأعمـى: طبيب فرنسي شرير ومستبيح، وأستاذ ألماني غير مؤمن؛ أعمى و يقود أعمى! أما تلاميذهما فقد انتشروا في العالم المسيحي بطـوله وعرضه، وامتلأت بهم العديد من الكليات اللاهوتية، ونشروا العديد من المؤلفات التي فيها نقدوا كل شئ، وتطاولت أقلامهم فأنكروا نسبة الكتابات لأصحابها، وأنكروا زمن كتابة الأسفار، وأنكروا المعجزات والنبوات عموماً، بل وأنكروا الوحي بصفة عـامة. وعليهم تنطبق بحق كلمات يهوذا « هؤلاء.. غيوم بلا ماء تحملها الرياح، أشجار خريفية بلا ثمر ميتة مضاعفاً مقتلعة، أمواج بحر هائجة مزبدة بخزيهم، نجـوم تائهة محفوظ لها قتام الظلام إلى الأبد » (يه12، 13).
أمام تيار الكفر هذا لم يكـن غريباً أن يهـزأ المفكرون في أوربا من هذا الكتاب، لكن الغريب حقاً أنه في نفس الفترة التي فيها زاد نقد الكتاب ورفـض المتفلسفين له، ارتفع توزيعه بصورة فائقة. لقد هزأ به فولتير؛ ذلك الفيلسوف الكافر الذي مات عام 1778 وقال "بقبضة يد واحدة سأحرر فرنسا من الكتاب المقدس"، لكن مطبعة ذلك المغرور، وبيته نفسه، عُرِضا للبيع بعد موتـه، واشترتهـما جمعية الكتاب المقدس، واستخدمتهما في طبع وتخزين الكتاب المقدس!
وحدث في يوم 24 ديسمبر 1933 أن اشترت الحكومة البريطانية من روسيا، النسخـة السينائية للكتاب المقدس (التي أشرنا إليها في الفصل الخامس) نظـير مبلغ نصف مليون دولار. وفى نفس ذلك اليوم بيعـت الطبعة الأولى لأعمال فولتير من مكتبات باريس بمبلغ 11 سنتاً!! ولقد قال صاحبنا هذا متهكماً "في خلال مائة عام سيختفي الكتاب المقدس من الأرض، ويدخل التاريخ". ومـرت مائتي عام، فيها دخل فولتير التاريخ، أما الكتاب فلا زال حياً، ويهب الحياة لكل من يقرأه ويطيعه.
هذا هو كتاب الله، وهذه عجالة سريعة عن المقاومات التي واجهته على مر الدهور، لكنه صمد وانتصر.
« ها إنهم يجتمعون اجتماعـاً ليس من عندي. من اجتمع عليك فإليك يسقط … كل آلة صوِّرت ضدك لا تنجح، وكل لسان يقوم عليك في القضاء تحكمين عليه » (اش54 : 15-17).
« لذلك كما يأكل لهيب النار القش، ويهبط الحشيش الملتهب ، يكون أصلهم كالعفونة ويصعد زهرهم كالغبار لأنهم رذلوا شريعة رب الجنود، واستهانوا بكلام قدوس إسرائيل » (إش 5: 24).

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:08 AM
======= 10 =======
الكتاب المقدس يشهد لنفسه



إن كنا نقبل شهادة الناس فشهادة الله أعظم . . من لا يصدق الله فقد جعله كاذبا لأنه لم يؤمن بالشهادة التي قد شهد بها الله
(1يوحنا 5 :9، 10)


سنستعرض بمعونة الرب في هذا الفصل الشهادة التي يشهدها الكتاب المقدس عن نفسه. وقد يعترض واحد بالقول: ما قيمة أن تثبت وحي الكتاب من الكتاب نفسه؟ وردّنا هو:
نحن لا تعوزنا الأدلة الخارجية على الوحي، فهي كثيـرة، وسنقدمها في الفصول التالية. تلك الأدلة الخارجية تنفع في تثبيت المؤمنين والرد على الكافرين، لكنها لن تنفـع الإنسان حتى ولو أقنعته، ما لـم يؤمن أولاً بالكتاب، وبالله معطى الكتاب، لأنه « بدون إيمان لا يمكن إرضاء (الله) » (عب11 : 6). الله يقـول: إن آمنت ترى (يو11: 40)، وأيضاً « بالإيمان نفهم » (عب11: 3)؛ أما الإنسان فإنه يريد أن يرى وأن يفهم لكي يؤمن. لكن عزيزي القارئ الفارق كبير بين الاقتناع وبين الإيمان. فمثلاً إذا صدقت شخصاً لأن شخصاً آخر أثق فيه، أخبرني أن ما قاله الأول صحيح، لا أكـون في تلك الحالـة وثقـت في الشخص الأول على الإطلاق، بل كل ما حدث أني حصلت على استنتاج معقول مستمد من شهادة كافية بالنسبة لي بأن ما قيل حقيقي، دون أن أكون قد آمنت بالقائل نفسه. وهكذا أيضاً من يؤمن بالوحي استناداً إلي البراهين والحجج المنطقية، يكون إيمانه سطحياً، إذ هو إيمان بعقله وذكائه الذي أعطاه الاقتناع، وليس إيماناً بالله معطي الكتاب.
إن ما سنقدمه في الفصول التالية قد يزيد معلومات المؤمن بالنسبة لأدلة الوحـي، لكنه لا يزيد إيمانـه بوحي الكتاب. هذا الإيمان البسيط المطلق الذي ليس للحكمة ولا للفهم دخـل فيه « أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفـال » (لو10 : 21). فهذه الأدلة إذاً ليست بديـلاً عن الإيمان كقول الرسول بولس « كلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع، بل ببرهان الـروح والقـوة، لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله » (1كو2: 4،5).
بعض من اليهـود لما رأوا الآيات التي صنعها يسوع في أورشليم، آمنوا باسمه. لكن إيماناً كهذا لم يُشبِع قلب المسيح « يسوع لم يأتمنهم على نفسه » (يو12: 23-25). ويقول يوحنا أيضاً عن المسيح « مع أنه كان قد صنع أمامهم آيات هذا عددها لم يؤمنوا بـه (أي إيماناً حقيقياً). ليتم قول إشعياء النبي الذي قاله يا رب من صدّق خبرنا » (يو12: 37، 38).
والآن ماذا يقول الكتاب المقدس عن نفسه؟ هل فيه ما يفيد فعـلاً أنه وحي الله وكلامه؟ نعم. وسنسرد الآن شهادات ثلاث عن ذلك « والخيط المثلوث لا ينقطع سريعاً » (جا4: 12).

أولاً: ماذا يعلن الكتاب المقدس عن نفسه؟

نجد في كتابات موسى تكراراً ملفتاً لعبارة « كلم الرب موسى (أو موسى وهرون. . .) قائلاً »؛ ترد هذه العبارة في سفر اللاويين مثلاً (الذي هو أصغر أسفار موسى حجماً) نحو 36 مرة. وقد حسب أحد الدارسين تكرارات هذه العبارة ومرادفـاتها، فوجد أنها تُذكر في أسفار موسى الخمسة نحـو 500 مرة! ثم بعد موسى بنحو ألف سنة تحدث عزرا عنها باعتبارها « شريعة موسى التي أعطاها الرب إله إسرائيل » (عز7 :6).
على هذه الأسفـار أطلـق داود، في مزمور 40: 7، هذا التعبير الفريد « درج الكتاب ». ويقتبـس الرسـول بولس في عبرانيين 10 : 7 هذه العبارة التي يمكن تطبيقها هناك على كل أسفـار العهد القديم*، تلك الأسفار التي تنبأت عن المسيح.
أما الأنبياء فإنهم واحد تلو الآخر افتتحوا كلامهم بعبارة « قال لي الرب » (إش8 : 1)، أو « كانت كلمـة الرب إليَّ قائـلاً » (إر1: 2، 4، 11 و2: 1 ..الخ)، أو « الكلام الذي صار إليَّ من قبل الـرب » (إر30: 1، 2)، أو « قول الـرب الذي صار إلى...» (هو1: 1، مي1 : 1)...الخ.
يقول الرسول يعقوب في رسالته إن الأنبياء في العهد القديم تكلموا « باسم الرب » (يع5: 10)؛ أي نيابة عنه. لهذا فإن عبارة « هكذا قـال الرب » تتكرر في النبوات تكراراً ملفتاً. فتذكر في نبوة حزقيال وحدها 206 مرة، وفي نبوة إرميا 173 مرة على الأقل، وفي نبوة ملاخي - الصغيرة - 24 مرة بالإضافة إلى 22 مرة عبارة «يقول رب الجنود». و قد أحصى واحـد جميع المترادفات التي وردت في النبوات وتفيد أن أقوال الأنبياء هي كلام الرب نفسه فوجدها نحو 1200 مرة. كما ذكر آخر أنه ورد 3808 تعبيراً مختلفـاً يفيد أن أقوال العهد القديم هي ذات أقوال الله.
لهذا قال الرب لإرميا « إذا أخرجت الثمين من المرذول فمثل فَمي تكون » (إر15: 19). عكس ذلك كان الأنبياء الكذبة « يتكلمون برؤيا قلبهم لا من فم الرب.. لو وقفوا في مجلسي لأخبروا شعبي بكلامي » (إر23: 16، 22).
ولهذا أيضاً يسمي إشعياء كتب الوحي هذه التسمية الفريدة إذ يقـول « فتشوا في سفر الرب واقرأوا » (إش34: 16). وأما دانيآل فإنه يسميه « كتاب الحق » (دا10: 21).
وعندما نصل إلى العهد الجديد نجده يتميز بكثرة الاقتباسات من أسفار العهد القديم؛ ففيه نحو 284 اقتباساً من 25 سفراً من العهد القـديم موزعة على 17 سفراً من العهد الجديد. وسنجد أنه يشير إلى أسفار العهد القديم بكل احترام وتقديس، ويطلق عليها « المكتوب » أو « الكتاب » أو « الكتب »؛ حيث ترد هذه التسميات 50 مرة. وهذه التسميات تحمل دلالة هامـة، وهـي أن الكتاب المقدس كان آنذاك مقبولاً لا بصورة عامة، بل بشكل محدد ومعروف، لا بروحه فقط بل بحرفه كذلك (مت5: 18). لقد قُبل كمـا هو بين أيدينـا الآن تماماً، وكان له سلطان كامل على القلب، ويُنظَر إليه باعتبار أنه "كتاب الله".
ويشار إلي أقوال المزامير في العهد الجديد بصريح العبارة أنها أقوال الرب « أيها الرب... القائل بفم داود فتاك.. » (أع4: 24،25مع مز2: 1)، كما يشار إليها أيضاً بأنها أقوال الروح القدس « كما يقول الروح القدس: اليوم إن سمعتم صوته فلا تقسـوا قلوبكـم » (عب3: 7، 8 مع مز 95: 7، 8). بل حتى بالنسبة للأقوال التي قالها كتبة المزامير بالوحي ويبدو في ظاهرها أنها طلب شخصي للنقمة، يُضفي العهد الجديد عليها نوراً، مؤكداً أنها أقوال الروح القدس (أع1: 16-20مع مز69: 25، 109: 8). ونفس الأمـر أيضـاً مع أقوال الأنبياء حيث يشار إليها بأنها أقوال الروح القدس « حسناً كلـم الروح القدس آباءنا بإشعياء النبي» (أع28: 25-27، إش 6: 9،10). « ويشهد لنا الروح القدس أيضاً » (عب10: 15-17، إر31: 33،34).
ثم نلاحظ أن الاقتباسات تستخدم صيغة المضارع لا الماضي، مما يؤكد أن الكتاب المقدس هو كلمة الله، وأنه لا زال يحمل معه السلطان حتى اليوم. فنقرأ « كيف يدعوه داود بالروح رباً » (مت22: 43)؛ وليس كيف دعاه، كما يقول المسيح عن أسفار الوحي « هي التي تشهد لى »؛ وليس شهدت لي (يو5: 39)، ويقول الرسول بولس « ماذا يقول الكتاب » (رو4: 3)؛ وليس ماذا قال، أنظـر أيضاً أعمال2: 25، 7: 48،49، رو9: 25،10: 11، عب3: 7،13، 4: 7...الخ.

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:09 AM
والجميل حقاً أن الرسول بولس لا يستخدم فقط هذا التعبير الملفت بدلالته « يقول الكتاب »، بل إنه أيضاً يستخدم تعبيراً أكثر دلالة « والكتاب إذ سبق فرأى أن الله بالإيمان يبرر.. » (غل3: 8)! نعم، الكتـاب يقول، والكتـاب رأى، والكتاب أيضاً أغلق (غل3: 22)!!
ثم لاحظ أيضاً القول « أما قرأتم ما قيل لكم » (وليس ما قيل للآباء) (مت22: 31،32)، وأيضاً « حسناً تنبأ عنكـم » (مت15: 7)، وأيضاً « إنه من أجلنا مكتوب » (1كو9: 9،10)، وأيضاً « يشهد لنا الروح القدس » (عب10: 15،16)، وأيضاً « نسيتم الوعظ الذي يخاطبكم كبنين » (عب12: 5،6)، وأيضاً « هذه الأمور. . . كُتِبت لإنذارنا » (1كو10: 11). كل هذا يؤكـد أن الكتاب المقدس هو كتاب حي، لأنه كتاب الله الحي!

ثانيا: شهادة الرسل -أواني الوحي و مؤسسي الكنيسة- عن كلمة الله

لقد صدق الرسل على وحي أسفار العهد القديم باقتباساتهم المتنوعة والكثيرة منهـا في كتاباتهم، والتي بلغت (إذا أضفت إليها أيضاً الإشارات) زهاء الخمسمائة، وشملت كل أسفار العهد القديم تقريباً.
فعظـة الرسول بطرس يوم الخمسين والتي تتكون من 23 آية، نجد أن فيها 12 آية (أكثر من النصف) اقتباسات من العهد القديم. وكذلك الرسول بولس في بيسيدية كانت عظته تتكون من 26 آية، اقتبس 15 آية من العهد القديم.
لقد كانت عادة الرسول بولس فى كرازته أن يتحدث دائماً من الكتب (أع17: 2). لكن ليس فقط فى عظاته بل أيضاً في حياته اليومية كان للمكتوب مكان عظيم. فأمام السنهدريم لما قيل لبولس « أتشتم رئيس كهنة الله؟» ماذا كان رد الفعل عنده؟ لقد سحب قوله على الفور معتذراً بالقول « لم أكن أعرف أيها الإخوة أنه رئيس كهنة لأنه مكتوب رئيس شعبك لا تقل فيه سوءاً» (أع23: 4، 5) فورود نص صريح في كلمـة الله عن هذا الأمـر (خر22: 28) لم يدع أمام بولس مجالاً للاختيار؛ إنها كلمات الله، فكيف يتعـداها. ثم بعد ذلك في أعمال 24: 14 يوضح أنه مؤمن بكل ما هو مكتوب في النامـوس والأنبياء. وفي أعمال 26: 22 يؤكد أنه لا يتكلم شيئـاً إلا ما قاله الأنبياء وموسى. وبعدها مباشرة قال لفستوس إنه تكلم بكلمات الصدق والصحو، ثم تحول إلى الملك أغريباس سائلاً إياه « أتؤمن أيها الملك أغريباس بالأنبياء؟ ».
ومرة ثانية نلتقي بهذه الكلمة « كما هو مكتوب » بصدد اقتباس بولس من مزمور 14. والحقيقة لو أن هناك جزءاً في الكتـاب المقدس يمكـن اعتباره أقوالاً بشرية لا أكثر، فهو سفر المزامير والأمثال. لكن الإشـارة إليه بالقول « كما هو مكتوب » يمنعنا من الوقوع في هذا الخطأ. وبولس استناداً على آية واحدة في هذا المزمور، أمكنه أن يضع كل العالم مذنباً أمام الله (رو3: 10-12)، تماماً كما أمكنه أن ينحي كل النظام اليهودي جانباً استناداً على آية واحدة من النبوات (عب8: 13مع إر31:31).
ثم لاحظ كيف يمتدح كاتب سفر الأعمال أهل بيرية ويعتبرهم شرفاء، ليس لأنهم صدقوا كلام بولس في الحال عندما سمعوه، بل لأنهم فحصوا أقواله على ضوء الكتب « هل هذه الأمور هكذا؟ » (أع17: 11)، فكانت الكتب المقدسة هي السلطة الأعلى بالنسبة لهم، وكان حكمها نهائياً.
وبالمثل امتدح الرسول بولس ابنه تيموثاوس لأنه كان منذ الطفولية يعرف أسفـار العهد القديم التي يسميها « الكتب المقدسة القادرة أن (تحكمه) للخلاص »، ثم يضيف بعد ذلك قائلاً بصريح العبارة أن « كل الكتاب (أو بالحري كل « كتاب » من الأسفار المقدسة) هو موحى به من الله »، كما يقول أيضاً إن أسفار الكتاب المقدس تجعل الإنسان كاملاً (2تي 3: 15-17). هل سمعت عن أية كتابات بشرية قال عنها كاتبوها إن من يقرأها يصبح كاملاً؟!
والرسول بولس يشير صراحة إلى أن أقواله هي وحي الله (انظر 1كو11: 23،15: 3، 1تس4: 15، 1تى4: 1). ولقد وضع ختم الوحي الإلهي على ما كتبه هو بالروح القدس في قوله « أم منكم خرجت كلمة الله؟ أم إليكم وحدكم انتهت؟ إن كان أحد يحسب نفسه نبياً أو روحياً فليعلم ما أكتبه إليكم أنه وصايا الرب » ثم يردف محذراً « ولكن إن يجهل أحد فليجهل » (1كو 14: 36-38) - أي يتحمل نتيجة رفضه لكلمة الله. فكلمة الله كافية للشهادة عن نفسها.
وهكذا بطرس أيضاً وضع الختم الإلهي على أقواله بالوحي عندما قال « أما كلمة الرب فتثبت إلى الأبد » ثم يضيف قائلاً « وهذه هي الكلمة التي بُشِرتم بها » (1بط 1: 25).
أما الرسول يوحنا فيقول في رسالته « نحـن من الله (مشيراً إلى الرسل والأنبياء الملهمين من الله لتعليم الكنيسة) فمن يعرف الله (أي كل مؤمن حقيقي) يسمع لنا، ومن ليس من الله لا يسمع لنا. من هذا نعرف روح الحق وروح الضلال » (1 يو 4: 6).
ونلاحظ أن بولس وضع كتابات العهد القديم فى نفس مستوى التقديس مع كتابات العهد الجديد عندما قال في 1 تيموثاوس 5: 18 _« لأن الكتاب يقول » ثم أتى باقتباسين؛ أحدهما من العهد القديم، من التثنية 25: 4 « لا تكُم ثوراً دارساً » والثاني من العهد الجديد، من لوقا 10: 7 « والفاعل مستحق أجرته ».
كذلك فعل بطرس أيضاً إذ وضع كتابات العهد القديم والعهد الجديد معاً في نفس المستوى إذ قال « تذكروا الأقوال التي قالها سابقـاً الأنبياء القديسون (أى كتبة العهـد القديم) ووصيتنا نحـن الرسل (الموجودة في كتابات العهد الجديد) - ثم يضيف، لإعطائها قدسية وكرامة - وصية الرب والمخلص» (2بط 3: 2).
وبطرس يقرر أن من يُسيء تفسير (رسائل بولس) أو (باقي الكتب) أي أسفار الوحي، فإنه يعمل على هلاك نفسه (2 بط 3: 15، 16) وواضـح أنه ما كان ممكناً أن يقال هكذا عن تلك الرسائل والأسفار لو لم تكن هي أقوال الله.

ثالثا: شهادة الرب يسوع عن وحي الكتاب

دعنا أولاً وقبل ذكر شهادة الـرب عن وحي الكتاب نرى قيمة وعظمة شهادته. ففي مرقس 13: 32 نقرأ « وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن إلا الآب» في هذه الآية نجد ثلاث درجات متصاعدة في المعرفة: معرفـة أو علم الناس، ثم علم الملائكة، وأخيراً علم الابن. فما لا يعرفه الناس جميعاً قد تعرفه الملائكة. لكن هذه الساعة لا تعرفها الملائكة أيضاً، ولذا ينتقل الرب إلى مستوى أعلى في المعـرفة، وهو مستوى الابن. وهكذا إذ نتخطى جميع البشر فإننا نصل إلى الملائكة في سمو معرفتهـم، ثم إذ نتجاوز الملائكة جميعاً فإننا نصل إلى الابن وعلمه الأسمى. فحتى في إنجيل مرقس الذي يحدثنا عن المسيح الذي أخلى نفسه، آخذاً صورة عبد، فإنه في معـرفته أسمى بكثير من البشـر جميعاً ومن الملائكة أيضاً. أما في إنجيل يوحنا، إنجيل ابن الله الأزلي، فنقرأ كلمات المسيح العجيبة عن كمال معرفته ومساواتها بمعرفة الآب، إذ يقول « الحـق الحق أقول لك إننا إنما نتكلم بما نعلم ونشهد بما رأينا ولستم تقبلون شهادتنا » (يو3: 11).
والآن تُرى ما هي شهـادة المسيح عن أسفار الكتاب المقدس؟ لقد كانت أحداث الكتاب المقدس بالنسبة للمسيح تاريخاً مقدساً، لا خرافات أو أساطير الأقدمين كما يقول بعض اللاهوتيين الكفرة اليوم.
فلقد أشار الرب إلى خلق آدم وحواء (مت19: 4،5)، وقتل هابيل (لو11: 51)، ونوح والطوفان والفلك (مت24: 37)، وإبراهيم وإيمـانه (يو8: 56)، والختان وإعطائه للآباء (يو7: 22،23)، وهلاك سدوم وإنقاذ لوط وهـلاك امرأته (لو17: 29،32)، واسحق ويعقوب كشخصين حقيقيين (لو20: 37)، ودعوة موسى (مر12: 26)، والناموس وإعطائه لموسى، وسماح الناموس بالطلاق، وكذا تطهير الأبرص (يو7: 19، مت19: 8، 8: 4)، والوصايا العشر (مت19: 18)، والمن (يو6: 31-51)، والحية النحاسية (يو3: 14)، وحادثة أكل داود من خبز التقدمة (مت12: 3)، وملكة سبا (مت12: 42) وحكمة سليمان ومجده (مت 12 :42، 6: 29)، وإيليا وأرملة صرفة صيدا (لو4: 26)، وإليشع ونعمان السرياني (لو4: 26)، ويونان النبي وابتلاع الحوت له، وأهل نينوى (مت 12: 40،41) وشر سكان صور وصيداء والدينونة التي وقعـت عليهم (مت11: 21)، وموت زكريا بن يهوياداع بين المذبح والهيكل (لو11: 51)، ونبوة دانيآل (مت 24: 15). ونحن نعرف أن الكثير من هذه الحوادث ينظر إليها أصحاب النقد الأعلى على اعتبار أنها مجرد خرافات (مثل قصة الخلق والطوفان ويونان).
ثم إن الرب له المجد - بخلاف ما نادى به أصحاب النقد الأعلى - أشـار إلى الكثير من أسفـار العهد القديم، ونسبها إلى كاتبيـها. فأشـار إلى التوراة وإلى أن كـاتبها هو موسى (مت 8: 4، مر 10: 3، لو 24: 44، يو 7: 19...الخ). كما أشار إلى ما قاله داود في المزامـير (مت 22: 43-45 مع مز 110: 1) وإلى ما تنبـأ به إشعياء (مر 7: 6-9 مع إش 29: 13)، وإلى ما تكلم به دانيآل النبي (مت 24: 15 مع دا 9: 27، 12: 11). تُرى أيتجاسر هؤلاء الناقدون فيدّعون أنهم يعرفون أكثر من الرب يسوع! وإن قالوا إن الرب كان يتمشى مع العـرف الجاري والتقليد، نقول لهم أكـان الرب حقاً يبالي بأفكار الناس؟ ألم يكرهه البشر لأنه لم يجامل أحداً قط، ولأن كل خضوعه كان لله ولكلمتـه؟! ما أكثر ما هاجم اليهـود على تمسكهم بالتقاليد والطقوس، وفهمهم الخاطئ للناموس، ونظرتهم السطحية للطهارة الخارجية، وتمسكهم المنحرف بالسبت، ونظرتهم الخاطئة للملكوت، بل وللمسيا نفسه. فلو كان عند الرب رأي مخالف عن وحي أسفار العهد القديم الكامـل لكان هاجم تلك الأسفار بكل وضوح وشجاعة، تماماً كما هاجم تقاليد الشيوخ. لكن هذا لم يحدث قط، بل العكس هو الصحيح. ثم أن المسيح حتى بعد القيامة، وفي أحاديثه الخاصة مع تلاميذه أشار إلى ما قاله موسى (لو 24: 44) فمن كان يجامل وقتها؟! كلا، بل إن الرب باقتباساته هذه قد وضع ختم المصادقة على صحة أقوالهم، وعلى صحة نسبتها إليهم.
والمسيح لم ينسب هذه الأقوال لكاتبيها البشريين فحسب، بل نسبها لله نفسه. فالله هو الذي تكلم بها (مت22: 31،32 و 15: 4)، وهى وصايا الله (مت15: 3،6)، وقد قالهـا الأنبياء بالروح (مت22: 43). وكثيراً ما كان الرب له المجد يحيل سامعيه إلى الكتب مبرزاً قيمة قراءتها كقوله « أما قرأتم قط فى الكتب؟» (مت 21: 42، 19: 4)، وفى مكـان آخـر « قـال لهم أليس لهذا تضلون إذ لا تعرفون الكتب!» (مر 12: 24). فلو لم تكن هذه الكتب هى كلمة الله لما أمكنها أن تحفظنا من الضلال. بل وأكثر من ذلك قـال الرب لليهود « فتشـوا الكتـب لأنكم تظنون (أو تقولون) أن لكم فيها حياة أبدية وهي التي تشهد لي » (يو 5: 39).
والرب لم يدعها فقط الكتب، بل أيضاً « الكتاب »، مبرزاً وحدتها (يو 7: 38، 17: 12، 19: 28). ومن أحلى هذه المرات، المرة التي وردت بالارتباط بالصليب « فلكي يتم الكتاب قال أنا عطشان ». إننا نقول بكل احترام إن المسيح لم ينزل من السماء لكي يتمم كلام الناس بل كلام الله.
وهل لاحظت المركز الذي أعطاه الرب لهذه الكلمة بحكم كونها مكتوبة فى كتاب، اذ أعطى الرب لها السلطان الأسمى عندما قال لليهود « إن كنتم لستم تصدقون كتب (موسى) فكيف تصدقون كلامي؟» (يو 5: 47). والرب عندما اقتبس آية من مزمور 82 فقد شهد أن هذه هي « كلمة الله» ثم أضـاف هذا القول القاطـع الثمين « ولا يمكن أن ينقض المكتـوب » (يو 10: 35). فأقوال مَنْ التي يستحيل نقضها؟ أقوال البشر أم أقوال الله؟
وفي موعظته الشهيرة من فوق الجبل قال « الحق أقول لكم، إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد ولا نقطة واحدة من الناموس » (مت5: 18). وفي قصة الغنى ولعازر أوضح الرب أن من لا يؤمن بما تقوله أسفـار العهد القديم، لن تنفع معه أعظم المعجزات « ولا إن قام واحد من الأموات » (لو16: 29-31).
ثم أخيراً نقول إن الرب أثناء تجربته من الشيطان (مت 4، لو 4) قد ألقى بنفسـه على الكلمة واقتبس منها ثلاث مرات، مبتدئاً كل اقتباس بالقول « مكتوب »، فهو لم يجب إجابـة واحدة من عنده، ولا قرر أمراً جديداً، فكل الأمور مقـررة فعلاً ومدونة في الكتاب. أليس اتخاذ الرب هذا الأسلوب وهو منقاد بالروح دليلاً على سمو الكتاب؟! ثم هل كان ممكناً أن يخاف الشيطان - وهو أقوى من البشر- من أقوال بشرية؟ أليس انهزامه أمامها دليلاً على أنها أقوال الله؟!
أما بالنسبة لأسفار العهد الجديد فواضح أن الرب لم يُشِـر إليها إشارات مباشرة إذ لم تكن قد كُتبت بعد، لكنه أشار إليها ضمناً في صلاته لأبيه (يو 17: 6، 8، 14، 17، 20) وكذا في خطابه الوداعي للتلاميذ وهو يعدهم بإرسال الروح القدس.
فعندمـا قال المسيح لتلاميذه « وأما المعزي، الروح القدس، الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كـل شىء ويذكركم بكل ما قلته لكم » (يو 14: 26)، فلقد تمت هذه في الأناجيل الأربعة حيث استطاع البشيرون بعد سنوات كثيرة أن يقوموا بعملهم المذهل؛ تسجيل المشاهد الهامة في حياة المسيح، وتسجيل ذات العبارات التي نطق بها، حتى تلك التي لم تُفهَم في وقتها، وبالتالي ما كان أسهل نسيانها (يو 2: 18-22)، وكذا اختيار الأحداث ذات الدلالة، وتسجيلها لبركة الأجيال المتعاقبة (يو20: 30، 31)، مع ذكر كل الحوادث وملابساتها بكل دقة.
وعندما قال المسيح أيضاً «إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جـاء ذلك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق » (يو 16: 12، 13)، فلقد تمت هذه في الرسائل التي قدمت لنا الإعلان الكامل للحق الخـاص بالوضع الجديد الحالي، الذيعبر عنه بولس بالقول « تتميم كلمة الله » (كو 1: 25).
وأخيراً عندما قال المسيح عن الروح القدس إنه «يخبركم بأمور آتية» (يو 16: 13) فقد تمت جزئياً في بعض الرسائل، لكن بالأكثر في سفر الرؤيا.
* * * *
بعد هذه الشهادات الواضحة والصريحة من الكتاب عن نفسه، لا يبقى أمامك سوى اختيار حاسـم. فإذا رفضت الاعتراف بأن الكتاب المقدس هو كلام الله فإنك بكل يقين تعتبره كاذباً، وبالتالي أبعد كل الكتب عن الانتساب إلى الله!
لكن أيمكن حقاً أن يكون كاذباً ومزوَّراً؟؟ فكيف إذاً أنتج في البشر أنبل الصفات وأروع الفضائل؟ إن المياه لا تقـدر أن تسمو فوق مصدرها، فكيف لكتاب هو أكذوبة أن ينشئ عنه الصدق والتقوى؟ هذا هو المستحيل بعينه.
فكر جيداً يا صديقي قبل قرارك الذي ستتخذه عن هذا الكتاب. فعلى أساس قرارك هذا ستتحدد أيضاً علاقتك مع الله وبالتالي مصيرك الأبدي.
أما أنا فأشكر الله على إيماني بالكتاب المقدس مرساتي الأمينة. هذا الكتاب الذي قال عنه "هاينريش هايني" أحد مشاهير الشعراء الألمان «ياله من كتاب عظيم. فإنه كبير كالعالم ومتسع كالكون. أساساته في عمـق أعمـاق قلب الخليقة، وأعاليه في قبة السماء الزرقاء. الشروق والغروب، الوعود والتتميم، الولادة والموت؛ بالإجمال كل أحداث حياة الإنسان فيه، واحتجابه يعنى عودة الخليقة إلى الفوضى، وانقراضه تأبين للتاريخ، فحقاً هو كلام الله لأن سموه سمو وحي الله، وأما كل كتاب آخر سواه فهو بدرجة عقول البشر».

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:11 AM
======= 11 =======
الأدلة الداخلية للوحي



كلمة الرب صارت إلى... فعرفت أنها كلمة الرب
(إرميا 32: 6، 8)


يحمل الكتاب المقدس في ذاتـه دلالـة وحيه، وكل سطوره وكلماته تحمل الدليل على أنه كتاب الله حتى أننا لا نحتاج إلي أدلة من خارجه لإثبات ذلك. عندما ذهب شاب إلى أحد خدام الرب وكان قد تأثر بأفكار الملحدين، وطلب منه أن يذكر له اسم كتاب يثبت حقيقة وحي الكتاب المقدس قال له الخادم "الكتاب المقدس". أجابه الشاب "عفواً، إنك لم تفهمني. أريدك أن تذكر لي اسم كتاب يبرهن أن الكتاب المقدس صحيح". أجاب الخادم "أنا لم أخطئ فهمـك. اقرأ الكتاب المقدس وستجد فيه ضالتك".
هل من المعقول أن نوقد مصباحاً لكي نـرى الشمس؟ صحيح هنـاك كثيرون لا يرون في الكتاب المقدس سمو الوحي الإلهي، لكن هؤلاء شأنهم شأن الأعمى الذي لا يرى النور، فهو ليس في حاجة إلى براهين لإثبات وجود النور، بل إلي البصر لكي يراه. وإذا طلب أحد منى برهاناً على حلاوة العسل فليس عندي برهان أقوى من أن أقول له ذقه وأنت تعرف. ونفس الأمر بالنسبة لكلمة اللـه.
وفي هذا الفصل سنقدم بعض الأدلة الداخلية التي تؤكد حقيقة الوحي.
سمو الكتابات عن أفكار الكتبة
عندما يقرأ الواحد منا كتابات موسى، وهي في أجزاء كثيرة منها غير مستساغة للذهن البشري الطبيعي، نظراً لاحتوائها على الكثير من الطقوس والشرائع العسـرة الفهم، ثم يفتح الله أذهاننا فنفهم ما تتضمنه تلك الأسفار من معاني روحية غنية، يكون من المتوقع أن يسأل الواحد نفسه: ترى أكان موسى نفسه يدرك كل الأعماق البعيدة التي تحويها كتاباته؟ أكان يعي تماماً المعاني الروحية الجميلة لتلك الرموز الكثيرة، وللطقوس المتنوعة والممارسات العديدة والأعياد المختلفة؟ أكان يدري مثلاً الدروس الروحية التي تتضمنها تفصيلات خيمة الاجتماع ومحتوياتها، تلك التي تحكي لنا في سرد إعجازي عجيب قصة الفداء كاملة، حتى قال عنها خادم الرب أيرنسيد إنه مستعد أن يثبت وحي الكتاب من تفصيلات خيمة الاجتماع فقط؟ والإجابة على تلك الأسئلة هي طبعاً بالنفي، فهذه المعاني لم تظهر إلا بعد مجيء المسيح، وفي نور الإعلان الكامل لأسفار العهد الجديد.
وهكذا أيضاً في المزامير؛ أكان داود وهو يسجل عملية الصلب في مزمور22 يفهم كل ما يكتب، لا سيما إذا عرفنـا أن موت الصلـب لم يكن معروفاً عند اليهود على عهد داود؟! أكان يفهم كلمات مزمور16 لا سيما ع10 « لن تترك نفسي في الهـاوية. لن تدع تقيك يرى فساداً » (16: 10)؟ إنه هنـا لم يكن يتحدث عن نفسه طبعـاً، لأن جسده هو رأى فساداً (أع 13: 36). ثم قوله أيضاً « اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك » (مز 110: 1 مع أع 2: 29 -35). هذه الأقـوال وغيرها الكثير لم تنطبق إلا على المسيح له المجد. وحتى بعد داود بألف سنة، لما سأل الرب الفريسيين عن معنى الآية الأخيرة لم يعرفوا الإجابة (مت 22: 41-46).
لننتقل الآن إلى النبوات: قـال إشعياء « ها العذراء تحبل وتلد ابناً » (إش 7: 14) وأيضاً « كلنا كغنـم ضللنا، ملنا كل واحد إلي طريقه، والرب وضع عليه إثم جميعنا»(إش 53: 6). إن سؤال الخصـي الحبشي في أعمال 8: 34 يمكن تطبيقه على كل أقوال الأنبياء المشابهة - عن من كـانوا يتكلمون؟ عن أنفسهم أم عن واحد آخر؟ - سؤال لا توجد إجابة عليه إلا في تجسد المسيح ابن الله.
يكشف الرسـول بطرس النقاب عن هذا الأمر فيوضح أن الأنبياء أثناء تسجيلهم لنبواتهم كانوا « باحثين أي وقت أو ما الوقت الذي كان يدل عليه روح المسيح الذي فيهم إذ سبق فشهد بالآلام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها »، ثم يذكر أنهم أثناء بحثهم الدؤوب هذا جاءهم إعلان « أنهم ليس لأنفسهم بل لنا كانوا يخدمون بهذه الأمور »(1 بط 1: 11، 12).
ودانيآل تجاسر وذكر صراحة أنه لم يفهم ما كتبه « وأنا سمعت وما فهمت. فقلت يا سيدي ما هي آخر هذه؟ فقال اذهب يا دانيـآل لأن الكلمات مخفية ومختومة إلى وقت النهـاية » (دا 12: 8، 9). وها نحن بعد ألفين وستمائة عام من كتابة هذه الأمور نقـرأ ونفهم. لكن يبقى السؤال المهم أليس تسجيل الأنبياء فى نبواتهم لما هو فوق مداركـهم دليلاً على أنهم لم يكتبوا من عندياتهم بل مسوقين من الروح القدس؟!
الاتساع غير المحدود لمدلول الكلمة الإلهية
قال توري: "هذا الكتاب ليس كتاباً ضخماً. فأنا أمسكه بيدي، وأحمله في جيبي، ومع هذا فإنه يحتوي الحق أكثر من كل الكتب التي كتبها البشر على مدى كل تاريخهم". فكيف نفسر ذلك؟ الإجابة إنه ليس كتاب إنسان بل كتاب الله.
وهاك بعض الأمثلة على ذلك:
1- أمثلة العهد القديم ورموزه: يوضح الرسول بولس بالروح القدس أن الأمور التي حدثت في العهـد القديم إنما حدثت مثالاً لنا وكُتِبت لأجل تعليمنا (رو15: 4،1كو10: 11)، ومن هذا نفهم أنه لا توجد حادثة لها معناها البسيط المجرد فقط، بل لها تطبيق روحي كذلك؛ فرحلة الشعب فى البرية من مصر إلى كنعـان، مثلاً، بكل دروسها هي صورة لسياحتـنا حالياً في العالم (1كو 10)، والمن الذي تغـذى به الشعب طـوال الرحلة هو رمز لربنا الكريم الذي جاء إلينا من السماء (يو 6)، ورفـع موسى للحية النحاسـية في البرية كالعلاج الإلهي من لدغة الحيات هو صورة لموته له المجد فوق الصليب (يو 3: 14-16) وهكذا.
2- المدلول الروحي للأحداث: وكمـا في العهد القديم كذلك في العهد الجديد فإن الأحداث لها أكثر من مجرد معناها البسيط. فالأناجيل مثلاً عندما ذكرت انشقاق حجاب الهيكل لحظة موت الرب يسوع، كان لهذا الحادث دلالته الروحية التي ذكرها الرسـول بولس في عبرانيين 10: 19-22 وهي أن الطريق إلى محضر الله قد فُتِح (انظر أيضاً عب9: 8).
3- البعد الأدبي للوصايا: بل إن وصايا الناموس لها أيضاً مدلول أبعد من المعنى المباشر، كقول بولس « فإنه مكتوب في ناموس موسى لا تكُم ثوراً دارساً» (1كو9: 9، 10 مع تث25: 4) ثم يقـول « ألعل الله تهمه الثيران، أم يقول مطلقاً من أجلنا؟! إنه من أجلنا مكتوب »، ثم يطبق القول على تسديـد القديسين لأعواز الخدام المادية. وكذلك تحذيـر الناموس لليهودي من أن يحرث على ثور وحمار معاً (أي حيوان طاهر مع حيوان نجس) يفسره الرسول بولس بأن لا يكون المؤمن تحت نير (أي في شركة) مع غير المؤمنين (تث22: 10 مع 2كو6: 14) وهكذا بالنسبة لباقي الوصايا.
4- معاني الأسماء: كذلك فإن للأسماء في الكتاب المقدس دلالتها الروحية. والرسول في عبرانيين 7 بنى تعليما مستنداً على معنى اسم ملكي صادق (أي ملك البر) ملك ساليم (التي تعني سلام)، إذ أنه على أساس البر سيعم السلام في ملكوت ربنا له المجد. وليس أسماء الأشخاص فقط بل أسماء الأماكن أيضا؛ فلقد اغتسل الرجل المولود أعمى في بركة سلوام الذي تفسيره مرسل، فنال البصر. ولقد تكررت الإشارة إلى المكان في هذا الفصل مما يدل على أهميته (يو9: 7،11)، ثم إنه يذكره أولاً بالأرامي ثم يترجمه لنا، وذلك للفت الانتباه إلي معني اسم المكان؛ إن معناه "مرسل"؛ فمن يؤمن بأن المسيح مرسل من الله لمأمورية الفداء، يزول عماه الروحي. ويركز كل من العهد القديم والجديد على أهمية ومدلول الأسمـاء، فنقرأ مثلاً « لذلك دعا ذلك الموضع بئر سبع »، وأيضاً « فدعا إبراهيم اسم الموضع يهوه يرأه » أو « فدعي اسم ذلك المكان الجلجال » ( تك21: 31، 22: 14، يش5: 9). وبنفس الأسلوب لنا أن نبحث في معاني الأسماء فنخرج من هذا بالطعام الروحي.
5- مدلول الموقع الجغرافي: بل انه حتى للموقع الجغرافي دلالتـه. فمثـلاً نقرأ في غلاطية 4: 21-31 مقارنة بين جبل سيناء وبين أورشليـم، باعتبار أنهما يمثـلان النظامين القديم والجديد، أو بالحري الناموس والنعمة. وليس الموقع الجغرافي فقط، بل والطبوغرافي أيضا؛ فالملاك ليُرِي يوحنا المدينة السماوية (الكنيسة الحقيقية) أخذه بالروح إلى جبل عظيم وعالي، بينما ليريه دينونة الزانية العظيمة (المسيحية الاسمية) ذهب به بالروح إلى برية. أفليس لهذا من مدلول؟ والرب لينطق بأمثال ملكوت السماوات ترك البيت وجلس عند البحـر، أفليس لهذا أيضا من مدلول لا سيما إذا فهمنا مدلول البيت (مت10: 6) ومدلول البحر (رؤ17: 15)؟!
6- مدلول الزمن: أما دلالة الزمان فواضحة على سبيل المثال في رومية 4. فاستناداً على أن الوعد بالبركة لإبراهيم أعطى له وهو في الغرلة قبل أن يعطيه الله علامة الختان أوضح الرسول أن البركة إذاً تشمل الأمم أيضاً، واستناداً على أنها كانت قبل الناموس (غل 3) أوضح أن التبرير هو بالنعمة وليس بالأعمال!
7- مدلول الصمت: يعوزنا الوقت لو أشرنا إلى معاني كـل ما ورد في الكتاب المقدس: الأوزان، والأحجام، والمساحات، والأطوال، والمعادن، والألوان، والأعداد* . . . فليس شئ في كتاب الله بلا معنى. على أن الأعجب من هذا أنه حتى إذا صمت الكتاب فلصمْته معنى. ولنرجع مرة ثانية إلى عبرانيين 7 فنجد أن بولس استناداً إلى عدم ذكر سفـر التكوين شيئاً عن أبوي ملكي صادق ولا عن ذريته، عن مولده أو موته (أنظر تك 17-20) فقد اتُخذ هذا كتعبير عن كهنوت المسيح الفريد السامي (عب7: 1-4)، كما أن عدم ورود قَسَم في الكهنوت اللاوي يدل على أنه كهنوت مرحلي لا دائم (عب7: 20، 21، 22، 28).
وبالمثل فإن عدم جود كرسي في خيمـة الاجتماع يدل على عدم اكتمـال العمـل في العهد السابـق أو بالأحرى عدم مقدرة الناموس على كمال التطهير (عب 10: 11، 12). . . وهكذا.
وسوف نشير أيضاً في الفصل التاسع عشر عن مدلول عدم ورود اسم الله في سفر أستير؛ فحتى هذا له معناه الروحي!
8- المعنى المجازي: ثم هناك أقوال أخرى لا تُقبَل بمعناها المباشر قط. فلقد أخطأ نيقوديموس لما فسر كلام الرب له؛ « ينبغي أن تولدوا من فوق » (يو 3: 7) تفسيراً حرفيـاً، وما كان الرب يقصد قط التناسل الجسدي وبالمثل لا يقصد بولس المعنى الحرفي في أقواله « مع المسيح صُلبت »،...(غل 2: 20، كو 3: 3...). وفى يوحنا4 لم يكـن قصد الرب في كلامه معالمرأة السامرية أنه سيعطيها ماءً حرفياً كما فهمت المرأة للوهلة الأولى، بل كان يقصد به عطية الروح القدس. وفي نفس الأصحاح لما قـال الرب للتلاميذ « أنا لي طعام لآكل لستم تعرفونه أنتم » فإن التلاميذ أخذوا المعنى البسيط وتساءلـوا فيما بينهم « ألعل أحداً أتاه بشيء ليأكـل » فكانوا بهذا مخطئين، لأن الرب أوضح بعد ذلك « طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله».
وكثيراً ما كان الناس لا يفهمون كلام الرب إذ كانوا يأخذونه بالمعنى السطحي فقط. فلما قال «انقضوا هذا الهيكل وفى ثلاثة أيام أقيمه» (يو 2: 19)، لم يفهموا أنه كان يتكلم عن هيكل جسده. ولما قال لتلاميذه « تحرزوا من خميـر الفريسيين والصـدوقيين » (مت 16: 5-12) ظنوا أنه يحدثهم عن خمير الخبز مع أن كلام الرب كان عما يرمز إليه الخمير أينما ورد في الكتاب المقدس، وهو الشر.
عن تعبيرات كهذه قال كثيرون مرة « هذا الكلام صعب. من يقدر أن يسمعه؟» فكانت إجابة الرب « الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة » (يو 6: 60-63).
لا عجب إذاً أن قام كثيرون من الشراح والمفسرين بكتابة ما لا يُحصى من الكتب لشرح هذا الكتاب العجيب! لقد مر للآن نحو تسعة عشر قرناً من الزمان على اكتمال الوحي، فيها قام عشرات الآلاف من ذوي أقوى العقـول المفكرة بشرح الكتاب؛ لكنهم لم يصلوا إلى نهايته بعد! فكثيرون من أذكى الرجال وأنفذهم بصيرة وأوسعهم ثقافـة، صرفوا عمرهم في دراسة الكتاب المقـدس، ولا يوجد بينهم واحد فكر أو حلم يوماً أن يقول إنه وصل إلى قرار الكتاب، فهو دائما يشع نوراً جديداً من بين ثنايا كلماته. قال الرب له المجد «كل كاتب متعلم في ملكوت السماوات يشبه رجلاً رب بيت يخرج من كنزه جدداً وعتقاء» (مت13: 52). فياله من كنز عظيم فيه جديد لا ينتهي، بحيث يمكن لكل كاتب متعلم، لا أن يكرر ما قالـه الأسبقون، بل يخرج الجديد، ثم يخرج القديم أيضاً الذي لا يعتق أبداً ولا يفقد بريقـه قط. نعم ما أكثر ما فهمناه من الكتاب، لكن أكثر منه ما لم نفهمه بعد، ولا زال في الكلمة من مخبوء الكنوز ما يفوق التصور مما ستكشف عنه الأبدية. أليس كون الكلمة واسعة بهذا المقدار، حتى ليشعر المرء أمامها أنه مثل طفل يلهو على رمال شاطئ محيط خضم عظيم، دليلاً على أنها ليست كلمات بشر، إذ أنها تشتمل على كنوز لا تنفد من حكمة الله. وكما أن الله غير محدود كذلك كلمته «لكل كمال رأيت حداً، أما وصيتك فواسعة جداً» (مز 119: 96).
أسماء الله في الكتاب
إن ما يميز أعمال الله عن أعمال البشـر، أن الأخيرة عند فحصها بتدقيق تظهر عيوبها ومساوئها، بينما الأولى متى وُضعت تحت الفحص الدقيق ظهرت روعتها ودقتها. فمثلاً إذا وضعت زهرة تحت المجهر، يبرز لك من دقة تكوينها وجمال خلقها ما لم تكن تراه من قبل. ثم إذا وضعت تحت المجهر جسم معدني مشغول فسيبرز لك في الحال تشوهات وخدوش كثيرة لم تكن لتلحظها بالعين المجردة.
لقد شن أصحاب النقد الأعلى (انظر الفصل التاسع) هجومهم على كلمة الله ووحدة أسفارها نظراً لوجود أكثر من اسم لله بها. هذا قاد بعضاً من رجال الله لأن يدرسوا الأمر بعناية. ولأن الكتاب المقدس هو بالفعـل كتاب الله، فلقد ظهر في الحال عظمة وكمال الوحي في نفس الأمر الذي أعثر الكافرين، وظهرت الحكمة الإلهية العالية التي ساقت كتبة الوحي جميعاً فى اختيار اسم الله بحسب الفكر الذي يقدمونه.
فمثلاً اسم الجلالة « إيلوهيم » بالعبري؛ والمترجم بالعربية "الله"، يحدثنا عن طبيعة الله، عن مطلق لاهوته، عنه كالخالق وعلاقته مع الخليقة والإنسان بصفة عامة. وأما الاسم "يهوة" المترجم بالعربية "الرب"، فهو اسمه في علاقته الخصوصية مع الإنسان، اسم العهـد مع شعبه في العهـد القديم. هذا الأمر صحيح بالنسبة لكل أسفار الكتاب المقـدس المتقدمة منها والمتأخرة، سواء في العهد القديم أو العهد الجديد.
ولنأخذ مجرد أمثلة بسيطة لتوضيح هذا الأمر الواسع الشيق. ففي الفصل الأول من سفر التكوين نجد الاسـم إيلوهيم، ويتكرر هذا الاسم هناك 35 مرة، ولا نجد اسماً لله سواه، لأننا نراه هناك كالخالق العظيم. أما في الفصل الثاني فلا يُذكَر هذا الاسم على الإطلاق، بل يذكر اسم « يهوة إيلوهيم » أي الرب الإله، لأن في هذا الفصـل نجد الله يدخل في علاقة مع الإنسان. وهذا عين ما نراه أيضاً في تكوين 3. إلا أن الشيطـان في تجربته للمرأة يقول « أحقاً قال الله؟» مع أن الذي كلم الإنسان هو الرب الإله (أنظر تك 2: 16). فالشيطان لا يريد لفت نظر الإنسان إلى علاقة الله الخاصة معه، ويسعى جاهداً لإنكارها وإفسادها. وبالأسف سـارت المرأة وراء الشيطان في ردها عليه، إذ قالت له « من ثمر شجر الجنة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة فقال الله لا تأكلا منه ولا تمساه». وبتجاهل المحبة الخاصة التي في قلب الله نحو الإنسان، سقط الإنسان!!
لننتقل إلى حادثة الطوفان (تك 6-8) فنجد أنه يرد كلا الاسمين (الله والرب)؛ لكن حينما ترد علاقة الخالق مع الخليقة يذكر "الله" وعندما يتحدث عن عهده - تبارك اسمـه - مع الإنسان يذكر "الرب". وهناك آية تجمع الاسمين معا تبرز هذه الفكـرة ؛ فالحيوانات دخلت الفلك بناء على أمر الله، لكن الرب هو الذي أغلق على نوح (تك 7: 16).
لنتحـول الآن إلى الأسفار التاريخية، فمثلاً في قضاة 7 نسمع حلماً فسره رجل مدياني بالقـول « دفع الله إلى يد (جدعون)…الخ »

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:12 AM
- لكن جدعون عندما أبلغ الأمر إلى بني إسرائيل قال « الرب قد دفع إلي يدكم جيش المديانيين » (ع14،15)!
نفس هذه الدقة العجيبة نجدها في 1صموئيل17: 46،47 فى حرب داود مع جليات، عندما قال له داود « هذا اليوم يحبسك الرب في يدي فأقتلك وأقطع رأسك . . . فتعلم كل الأرض أنه يوجد إله لإسرائيل (هنا يرد اسم الله عند الحديث عن شعوب الأرض) وتعلم هذه الجماعة كلها أنه ليس بسيف ولا برمح يخلص الرب (هنا يرد اسم الرب بالارتباط بجماعة إسرائيل)».
بل في آية واحدة بصدد دفاع الرب عن الملك يهوشافاط نجد الاسمين معاً بنفس المدلـول السابق؛ الرب فى علاقته مع الملك التقي، والله فى علاقته مع البشر بصفة عامة « فلما رأى رؤساء المركبات يهوشافاط قالوا إنه ملك إسرائيل فحاوطوه للقتال، فصرخ يهوشافاط، وساعده الرب، وحولهم الله عنه » (2أخ18: 31)!!
لكن لننتقل الآن إلى الأسفار الشعرية. نجد مثلاً أن سفر الأمثال، وموضوعه سلوك الشعب على الأرض على ضوء أحكامه تعالى، لا يذكر فيه سوى اسم "الرب" (باستثناء 25: 2)، بينما سفـر الجامعـة الذي كتبه نفس الكاتب، وهو سليمان، لا يُذكر فيه سوى اسم "الله"، لأنه يحدثنا عن موقف الإنسان الطبيعي بالنسبة لكل ما هو تحت الشمس، أي خليقة الله.
ثم لنلقى نظرة أخيرة على أحد الأمثلة الجميلة في الأسفار النبوية. فيرد في سفر يونان الاسمان، ولكن ليس بطريقة عشوائية. ففي الأصحاح الأول نجد اسم الرب، حتى النوتية الذين صرخوا في بادئ الأمـر إلى آلهتهم الوهمية دون جدوى قد قادهم الرب إلى معرفة شخصه بواسطة يونان « لأنه أخبرهم » فصلوا إلى الرب، وخافوا من الرب، وذبحوا له ذبيحة.
وفي أصحاح 2 لازلنا نقرأ عن الرب؛ فيونان يصلي إليه والرب يخلصه، ويطلب منه أن يذهب إلى نينوى وينادي لها.
عندئذ (أصحاح 3) نقرأ عن "الله". فإن كرازة يونان التى لم تكن إلا تلويحاً بغضب الله قادت أهل نينوى، المدينة "العظيمة لله" إلى أن يؤمنوا "بالله". لقد عرف الله (رو 1: 19، 21) أولئـك الذين كانوا "بـلا إلـه". وأخذوا مركز المذنبين التائبين إلى الله!!
لم ينته الأمر عند هذا، بل إن توبة أهل نينوى وعدم توقيع الله القضاء عليهم أغاظ يونان فصلى إلى الرب طالباً الموت - إنه لا زال، رغم ضعف مستواه الروحي، نبياً للرب، ولم ينحدر إلى مستوى مجرد إنسان في علاقته بالله. وهنا يظهر اسم جديد في المشهد؛ إنه « الرب الإله » (4: 6)، فليس مجرد "الله"، وليس فقط "الرب"، بل الاثنين معاً؛ طبيعتـه وعلاقته الخاصة. فكان يمكن أن يقال إن الله أعد يقطينة، لكن كان ينبغي أن يقال إن "الرب الإله" أعد يقطينة لتكون ظلاً على رأس يونان، لكي يخلصه من غمه!!
ثم نجد بعد ذلك أن الله أعد دودة، والله أعد ريحاً شرقية - الله باعتباره الخالق يتصرف، وكصاحب الخليقة يناقش يونان. لكنه يختم السفر بحديث، لا من الله، بل من الرب مع يونان!!!
التباين مع التوافق!
يعتقد البعض أن تكوُّن الكتـاب المقدس من مجموعة كتابات لأشخاص عديدين يُنقِص من قيمته، بل ويلاشي صفته ككتاب إلهي. لكن الشخص المفكر عندما يتأمل في الذين كتبوا هذا الكتاب، وفي ظروفهم المتباينة، مبتدِأً من موسى الذي تهذب بكل حكمة المصريين، ومنتهياً بيوحنا صياد السمك في بحر الجليل، والذي كان عديم العلم وعامياً، فإنه يأخذه العجب حقاً.
لقد كتب موسى أسفاراً خمسة هي أولى أسفار الكتاب، كما كتب يوحنا أيضاً أسفـاراً خمسة هي آخر أسفار الكتاب. أما موسى فكتب أسفاره في التيه في سيناء وهو محاط برمال البرية، ويوحنا كتب آخر أسفاره الخمسة (سفر الرؤيا) وهو منفي في جزيـرة بطمس محاطاً بمياه البحر. وبين أول وآخر من كتب مرت نحو 1600 سنة، أي نحو أربعين جيلاً، فيها قام نحو أربعين كاتباً بكتابة أسفـار الكتاب المقدس؛ بعضهم كتب وهو في بلاط القصر في بابل، والبعض وهو بين المسبيين عند نهر خابور، والبعض الآخر في سجون روما الضيقة المظلمة!
ثم لاحِظ، لا تنـوع الظروف فقط، بل تنوع الأشخاص أيضاً. فلقد كان بين من كتب: المتعلم كلوقـا الطبيب والأمي كعـاموس جاني الجميز، الفيلسوف كبولس والشاعر كداود، القائـد العسكري كيشوع والكاتب الديني كعزرا. كان فيهم العظمـاء؛ ملك ورئيس وزراء كسليمان ودانيآل، كما كان فيهم البسطاء؛ عشار ونجار كمتى ويعقوب.
ثم لاحظ أيضاً تنوع شكل الكتابة، لقد كتبوا عن أمور شتى بحسب الظاهر؛ فواحد كتب تشريعاً، والآخر كتب تاريخاً، واحد كتب شعراً وآخر كتب قصة، وثالث كتب رسالة. ومع ذلك فإننا لا نجد فيه تضاربـاً أو تشويشاً، بل برغم التنوع والتباين الشكلي نجد في كل هذه الكتابات هدفاً إلهياً واحداً، وفكراً إلهياً متجانساً، وموضوعـاً إلهيـاً معزياً، وخيطاً فضياً يربط صفحات الكتاب من الأول إلى الآخر.
سيكون لنا في الفصل القادم عودة إلى الحديث عن وحدة أسفار الكتاب المقدس، لكننا الآن نريد لفت النظر إلى عدم وجود أدني تضارب أو تناقض بين أجزائه المختلفة. فإن بعضاً من الذين يأخذون الأمور بسطحية يحسبون أن هناك تعارضاً صارخاً بين العهدين القديم والجديد أو بالأحرى بين الناموس بطقوسه وأحكامه وبين النعمة بسموهـا وتسامحهـا، وأن ما بناه الأول قد هدمه الثاني. لكن فـات أصحابنا هؤلاء أن الناموس كان « مؤدبنا إلي المسيح » (غل3: 24)، وكان قصد الله منه تشويق الإنسان لقبول علاج الله في المسيح لمشكلة الخطية بواسطة إشعاره بمقدار قداسة الله ومقدار نجاسة الإنسان ومذنوبيته، وعدم إمكان تسكين غضب الله إلا علي أساس الذبيحة!
لكن أي ذبيحة ؟ - قد يظن البعض أنه هنا يبرز التعارض. فالعهد القديم يطلب الذبائح الحيوانية، والعهد الجديد يؤكد عجزها عن إيفاء مطالب الله. لكن الأمر ليس كذلك لأن داود في العهد القديم قال « لأنك لا تسر بذبيحة وإلا فكنت أقدمها. بمحرقة لا ترضى » (مز51: 16). ومرة أخرى « بذبيحة وتقدمة لم تسر. أذنيّ فتحت. محرقة وذبيحة خطية لم تطلب. حينئذ قلت هانذا جئت؛ بدرج الكتاب مكتـوب عنى » (مز40: 6،7 أنظر أيضاً 1صم15: 22، مى6:6-8) فالذبائح الحيوانية ما كانت إلا رمزاً للذبيحة الكاملة، ذبيحة المسيح.
خذ مثلاً آخـر؛ فلقد كان مكان سُكنـى الله فى العهد القديم هو الهيكل الأرضي. الأمر الذي يتعارض مع مفهوم العهد الجديد. فهل هناك تعارض حقيقي؟ كلا البتة - فمرة أخـرى كان الله يُعلِّم المؤمنين الأبجدية لا الكلمات. فكما أراد أن يعلمهم أهمية الذبيحة، أراد أن يعلمهم هنا محبته من نحو الإنسان، والقداسـة التابعة لسكناه معهم. لكن سليمـان شعر يوم تدشين الهيكل بأن الله أعظم من أن يحده هيكل، ولو كان بيتاً من ذهب « لأنه هل يسكن الله حقاً على الأرض؟! هوذا السموات وسماء السموات لا تسعك فكم بالأقل هذا البيت الذى بنيت » (1مل 27:8) وهذا عين ما قاله إشعياء وغيره أيضاً (إش57: 15، 66: 1،2 أنظر أيضا أع17 :24،25).
كانت فريضة الختان مسألة جوهرية في العهد القديم، ولم تعد كذلك في العهد الجديد (غل6: 15)، فهـل غيَّر الله كلامه؟ مطلقاً، فحتى في العهد القديم أفهم الله شعبه أن غرضه الروحي من ذلك عدم نفع الجسد، الأمر الذي يبينه العهد الجديد بأكثر وضوح (تث10: 16، 30: 6 مع رو2: 25،28، 29، كو2: 11، 13، . . . الخ).
نقول أيضاً هـل كانت نعمة الله في العهد القديم أقل مما هي الآن؟ وهل كانت قاصرة علي اليهود دون سواهم؟ دعنا نتذكر أن إعطاء الناموس للمرة الثانية للشعب لم يكـن يخلو من النعمة (خر32-34). ثم دعنا نتذكر كيف تخطت نعمة الله حدود اليهود في العهد القديم؛ ولعل سفري راعوث ويونان من أبرز الأمثلة على ذلك. ليس معني ذلك أننا ننكر أن النعمة المذكورة في العهد الجديد لا يوجـد ما يماثلها في العهد القديم، لكن هذا ليس مرجعه التعارض، بل أن الله كان ينتظـر عمل المسيح علي الصليب لكي يعلن هذه النعمة التي أُعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الأزمنة الدهرية (2تي 1: 9،10، 1تي2: 4-7).
ومن الناحية الأخرى هل غضب الله وقضاؤه المعلن في العهد الجديد أخف وطـأة مما هو معلن في العهد القديم؟ الجواب ولا هذا أيضاً، فإنه لم يظهر إطلاقاً، كما ظهـر في الصليب، كراهية الله للخطية ودينونته عليها. والله الآن، مع أنه متمهل في إجراء الدينونة، لكنه لم يهمل أن يذكرها كالوجه الآخر من الإنجيل بالنسبة لأولئك الذين يرفضون الإنجيل. فهو يقول « لأنه هكذا أحب الله العالـم حتى بذل ابنه الوحيد » ثم يضيف بعدها مباشرة « لكي لا يهلك كل من يؤمن بـه » (يو3: 16)، فالهلاك نصيب كل من لا يؤمن بالمسيح. « فكم عقاباً أشـرّ ( أشر من الموت تحت لعنة الناموس) تظنون أنه يُحسب مستحقاً من داس ابن الله وحسب دم العهد الذي قُدِس به دنساً وازدرى بروح النعمة» (عب10: 29).

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:13 AM
======= 12 =======
وحدة أسفاره

ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به فى جميع الكتب
(لوقا24: 27)


أشرنا في الفصل السابق أنه رغم تعدد كتبة الكتاب وتنوع كتاباتهم وتباين أحوالهم وظروفهم فإننا لا نجد في النهاية تضارباً أو تشويشاً فيما كتبوا، بل نجد في هذه الكتابات هدفاً إلهياً يسري فيها، وفكراً متجانساً يوحد معانيها، وموضوعاً واحـداً ينعش قارئيها، وخيطاً فضياً يربط صفحاتها معاً من الأول إلى الآخر. هذا يؤكد أن الكُتـاب البشريين كتبوا واحداً تلو الآخر وماتوا. لكن الكاتب الحقيقي استمر من الأول للآخر، وهو الروح القدس.
وسنتتبع هذا الفكر في هذا الفصل في خمس نقاط هامة وجميلة:
1- التكامل التاريخي
يعطينا الكتـاب المقدس ككل تاريخ البشرية مسلسلاً من البداية إلى النهاية دون أية فجـوات تاريخية. فسفر ينتهي ليبدأ سفر آخر من حيث انتهى سابقه تماماً. كأن الكاتب الأول سلم الراية لمن تلاه، مع أنهما قد لا يكونان التقيا على الأرض إطلاقاً.
يبدأ سفر التكوين من البدء، أول الزمان، ويُختم سفر الرؤيا بعتبات الأبدية. وبين هذين السفرين تتتابع الأسفار الإلهية واحداً تلو الآخر في استطراد تاريخي عجيب.
يحدثنا سفر التكوين عن الأيام الباكرة في حياة البشرية ويغطي بالتتابع حقبة زمنية* قدرها 2300 سنة تقريباً منتهياً بموت يوسف، ليبدأ بعده سفر الخروج بملك جديد على مصر لم يكن يعرف يوسف (خر1: 8). وإذ يختم سفر الخروج بتأسيس خيمة الاجتماع في البرية وامتلائها من مجد الرب، فإن سفـر اللاويين يُفتتح بحديث الرب إلى موسى من خيمة الاجتماع.
وهكذا تواصل باقي أسفار موسى الخمسة القصة، حتى تنتهي بموت موسى رجل الله نحو سنة 1450 ق.م، وبعدها يفتتح سفر يشوع بالقول « وكان بعد موت موسى عبد الرب ». ثم يُختم هذا السفر بموت يشوع عن 110 سنة، ليبدأ السفر التالي، سفر القضاة، بالقول « وكان بعد موت يشوع أن..». وإذ يختم سفر القضاة بحوادث شريرة ومحزنة حدثت أثناء حكم القضاة، يأتي بعده سفر راعوث فيحدثنا عن لمحة من لمحات النعمة حدثت « في أيام حكم القضاة » (را 1: 1).
يأتي بعد ذلك سفرا صموئيل ليكملا لنا ذكر آخر قاضيين (عالي وصموئيل)، وبعدهما يرد ذكر أول ملكين لإسرائيل؛ شاول الذي حسب اختيار الناس، وداود الذي بحسب قلـب الرب. ثم أسفار الملوك والأخبار التي تحدثنا عن تاريخ المملكة حتى سبيها*. وبنفس العبارة التي بها يُختم سفر الأخبار، عبارة الدعوة للعودة من السبي؛ يبدأ سفر عزرا! وبعده سفر نحميا يكمل قصة البقية التي رجعت إلى الأرض.
إذاً فالعهد القديم يحدثنا عن:
التاريخ الباكر : تكوين1 إلى 11: 9
تاريخ البطاركة : تكوين 11: 10 إلى تكوين 50
تاريخ الأمة الإسرائيلية : خروج1 إلى أستير 10
وتاريخ الأمة، الذي يمثل الفكر الأكبر في أسفار العهد القديم، ينقسم كالآتي:
الرحلة (من مصر إلى كنعان) : خروج1 إلى تثنية 34
أرض الموعد : يشوع إلى راعوث
المملكة : 1صموئيل إلى 2 أخبار
السبي : عزرا إلى أستير
ثم إن ما توقفت عنده الأسفار التاريخية أكملته النبوات. وهكذا فإن سفر ملاخي (آخر الأسفار النبوية) يشير إلى مولد يوحنا المعمدان؛ آخر أنبياء العهد القديم، ويشير أيضاً إلى مجيء الرب لهذه البقية، كالعلاج الأخير للحالة التي وصلت إليها البقية الراجعة من السبي.
وهذا ما تم فعلاً إذ جاء ربنا يسوع بعد نحو 400 سنة. وتُقدِم لنا الأناجيل الأربعة قصـة المسيح، من أول بشارة الملاك بميلاد يوحنا المعمدان، ممهد الطريق أمام المسيح، حتى صعود المسيح. ويكمِّل سفر الأعمال القصة حتى انتشار المسيحية إلى أقصى الأرض. وما وقف عنده السرد التاريخي أكملته النبوة، أي سفر الرؤيا وكذا بعض أجزاء في الرسائل حيث نصل إلى الأبدية!
هذا التتابع التاريخي الدقيق في أسفـار الكتاب المقدس لم يعمله شخص معين، ولا كان من صنع إنسان ما، بل نما شيئاً فشيئاً عبر الأجيال حتى برز إلى الوجود بهذا الكمال المعجزي. وشكراً لله فإنه عندما أعطى الأمر تباعاً بكتابة أسفار هذا الكتاب إنما كان متجهاً بفكره إلينا « نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور » (1كو10: 11)، لأننا - دون باقـي القديسين في مختلف التدابير- تمتعنا بهذا "الكتاب" في صورته الكاملة.
2- تقدُم الإعلان مع وحدة الهدف
إن هدف الله الذي نستنتجه من أولى أصحاحات الكتاب المقدس هو إيجاد علاقة له مع الإنسان. ولهذا فقد نفـخ الله فى الإنسان نسمة حياة، ميّزه بها عن باقي المخلوقات حتى يكون مؤهَـلاً للشركة معه. لكن الانسان - بالأسف - استخدم الإرادة الحرة التي أعطاهـا الله له فى عصيان الله، فسقط الإنسان، وانقطعت شركته مع الله، وطُـرِد من الجنة. فهل تحول الله عن هدفه ؟ أبداً؛ فبعد السقـوط مباشرة ظهرت نعمة الله متمثلة في الأقمصة من الجلد التى ألبسها الله لآدم وحواء. وما فقده الإنسان - بالسقوط - من جنة أرضية، عوضته النعمة ما هو أعظـم؛ فلا يُختـم الكتاب المقدس إلا بالسماء الجديدة والأرض الجديدة حيث « مسكن الله مع الناس، وهو سيسكن معهم » (رؤ21: 3). ولكي يصل الله لهذا الهدف النهائي كان تجسُد المسيح، والصليب (عب2: 9، 10)، وحول هذا الهـدف دارت مشـورات اللاهوت في الأزل (مز40: 5-8)، إذ قَبِلَ المسيح، رجل مشورات الله، أن يتولى بنفسه إتمام هذا الهدف (عب10: 4-10،1بط1: 18-20).
وهكذا فإن ما نجد بذرته ونقـرأ تباشيره في سفر التكوين، نجد تحقيقه في سفر الرؤيا. وبين الفكرة وتحقيقها، رحلة طويلة من فشل الإنسان وعداء الشيطان. لكن مع كل سفـر جديد يزداد الفكر وضوحاً والغرض قرباً. فبعد طرد آدم من الجنة سار الله مع أخنوخ (تك5: 24)، وتكلم إلى نوح (تك6: 13) وظهر لإبراهيم ثم زاره وأكل عنده (تك12، 13، 18)، كما ظهر أيضاً ليعقوب (تك28، 32). لكن عندما نصل إلى سفر الخروج، نجد سكن الله في وسط شعبه؛ أولاً كرغبة أظهرها موسى* ثم صادق الله عليها فى خروج 25.
بعد ذلك في سفر الملـوك تتبدل الخيمة ببيت لسكنى الله، الأمر الذي يحدثنا عن الاستقـرار. وعندما نصل إلى العهد الجديد نجد كيف أن « الكلمة صار جسداً، وحلّ (أى نصب خيمته) بيننا » (يو1: 14). وبعد موته وقيامته وصعوده أرسل الروح القدس ليؤسس هيكلاً ليس مصنوعاً بالأيادي، بل بيتاً روحياً هو "الكنيسة" التي سيسكن الله فيها إلى أبد الآبدين (أف2: 21، 22).
إذاً فيمكن القول إن ما جاء بعد موسى لم يخرج في مضمونه عما أتى به موسى، ولو أنه ازداد وضوحـاً؛ وهو أن الإنسان الخاطئ يحتاج إلى مخلص. ولقد أخـذ النور يزداد عن هذا المخلِّص؛ فهو أولاً « نسل المرأة » (تك3: 15)، ثم من عائلة سـام المبارك (تك9)، ثم من نسل إبراهيم الذي في نسله ستتبارك جميع أمـم الأرض (تك12،22)، ثم عن طريق اسحق ويعقوب، إلى أن تحدد السبط بسبط يهوذا (تك49: 10)، ثم بيت داود (2صم7، مز89)، ثم عذراء من بيت داود (إش7: 14). كما أعطى معلومات عن المدينة التي يولد فيها « بيت لحم »، وكذا وقت ميلاده (مى5: 2، دا9: 24-27).
3- وحدة الموضوع
الموضوع الرئيسي في الكتاب المقدس من أول كلمة فيه إلى آخر كلمة؛ هو المسيح. هذا ما أوضحه الرب يسوع نفسه في يوم القيامة عندما سار مع تلميذي عمواس « ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب » (لو24: 27). الأمر الذي يُظهِر أن كل أسفار الكتاب المقدس، مهما اختلفت في مبناها فإن موضوعها واحد وهو الحديث عن مسيح الله؛ الرب يسوع.
فعن أسفار موسى الخمسة سبق أن قال المسيح له المجد « موسى . . . كتب عنى » (يو5: 46). فهذه الأسفـار مليئة بالإشارات الرمزية عن المسيح ابتداءً من الوعـد الذي سمعه آدم وحواء في الجنة بنسل المرأة الذي يسحق رأس الحية، وباقي الرموز الجميلة عنه وعن عمله العجيب على الصليب (كهابيل وذبيحته تك4، ونوح وفلكه تك 6-8، ثم اسحق وطاعته وزواجه تك22، 24، ويوسف في آلامـه وأمجاده تك 37-50 وغيرها). وكذلك خروف الفصح في سفر الخـروج الذي كان واسطة حماية الشعب من غضب الله (خر12)، ثم انشقاق البحر الأحمر الذي أصبح وسيلة خلاص الشعب من العبودية، وهلاك فرعون وجنوده (خر14 )، وكذا الصخرة التي بضربها تفجرت المياه لتنقذ الشعب من الموت المحقق (خر17 ) ... ثم الذبائح المختلفة فى سفر اللاويين... وهكذا.
أما في الأسفار التاريخية فنجد في شخصية يشوع ثم القضاة ثم الملوك المؤمنين، وكـذلك الأنبياء أو الرؤساء… الخ؛ صوراً رمزية مباركة للمسيح، وفيما عملوا؛ صـوراً مصغرة للخلاص الذي عمله المسيح على الصليب. والقياس مع الفارق، لأن« الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع » (يو3: 31).
لقد صَدَق أحد الشراح عندما قال إن تاريخ إسرائيل هو في نفس الوقت نبوة؛ فكل نصر وتحرير يعطي تصويراً لعمل المسيح، وكل قديس وبطل في الإيمان يشير بشعاع واحد إلى شخصه المجيد، وكل مأساة وكارثة حلت على البشرية تشترك في تلك الصرخـة القوية التي تدعوه للتدخل. فهو بحق روح التاريخ، تماماً كما هو روح الشعر والنبوة.
ثم إذ نصل إلى الأسفـار النبوية نجدها ممتلئة بالنبوات عن المسيح. فنجد فيها نحو 333 نبوة عن أزليته وتجسده وولادته من عذراء وحياة الاتضاع المقترنة بالطاعة لله أبيه، وكذلك عن الصليب بأدق تفاصيله، وعن الدفن والقيامة، كما وعن مجد المسيح وملكه النهائي. فحقاً كما قال الملاك ليوحنا الحبيب في جزيرة بطمس « اسجد لله، فإن شهادة يسوع هي روح النبوة » (رؤ19: 10).
فكأننا نجد الوعـد بالمخلص مع رموز عديدة له في أسفار موسى الخمسة، ممهد لمجيئه في الأسفار التاريخية، يصبو إليه القديسون في الأسفار الشعرية، متوقع ظهوره فيما بيننا في الأسفار النبوية.
لكننا إذ نصل إلى أسفار العهد الجديد نجد الحديث صريحاً ومباشراً عن المسيح. في الأناجيل نجد حياة يسوع فوق الأرض وموته الفدائي. وفي سفر الأعمال نجـد المسيح المرفّع في السماء، الذي لازال يعمل ويخلِّص. وفي الرسائل نجـد الحق الكامل المبارك عنشخص المسيح وعمله، وعن السر العظيم؛ المسيح الـرأس والكنيسة جسده. وسفر الرؤيا يحدثنا عن المسيح في سيادته الحتمية المستقبلة على كل الخليقة.
حسناً قيل "إننا في العهد القديم نرى في أسفار موسى صوراً ورموزاً للمسيح، وفي كتب الأنبياء نبوات عن المسيح، وفي المزامير نستمع إلى مشاعر المسـيح على الأرض. ثم في العهد الجديد إذ نلتقي في الأناجيل بشخصه فعلاً، فإن لنا الحقائـق الخاصة بالمسيح. ثم في الرسائل نجد ثمار المسيح التي ينبغي أن تظهر في تابعيه".
وقال آخـر "ما هي النوته للموسيقى، أو البيضة للمحارة، أو النواة للذرة، أو الماسة للخاتم، أو القلب للجسد، أو الحياة للشجرة، أو الشمس للقمر؛ هكذا المسيح لأسفار الكتاب المقدس".

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:14 AM
كأننا - بلغة القديس أغسطينوس - نرى في العهد القديم المسيح؛ موضوع العهد الجـديد، مظللاً. وفي العهد الجديد نرى المسيح، موضوع العهد القديم، معلناً. فالعهد القديم كله يشير متقدماً إلى الشخص الذي سيأتي، والعهد الجديد يشير راجعاً إلى الشخص الذي أتى. العهد القديم هو مثل المساء مهوب بقمره وكواكبه. أما الصباح؛ العهد الجديد، فمجيد بشمسه. وكما أن المساء والصباح يوم واحد (تك1: 5)، هكذا العهد القديم والعهد الجديد كتاب واحد.
4- تناسق المحتويات
في تكوين 1: 1 نقرأ عن خلق الله للسموات والأرض في البدء.
ثم ابتداء من عدد 2 يركز الوحي أنظارنا على كوكب الأرض.
ثم في اليوم الثالث (تك 1: 9) يحصر النظر على اليابسة.
وفي اليوم السادس (تك 1: 26) على الجنس البشري الذي يعيش فوق اليابسة.
وبعد ذلك اعتباراً من تكوين 12 فصاعداً يضيق النظرة علي أمة واحدة فقط هي موضوع أسفار العهد القديم.
وإذ نصـل إلى العهد الجديد نجده يركز الضوء كله على شخص واحد جاء من هذا الشعـب بحسب الجسد، هو ربنا يسوع المسيح .. لكن بعد ذلك، ومن الرب يسوع كنقطة بداءة جديدة، يتسع الإعلان الإلهي من جديد بواسطة رسل المسيح ابتداءً من أورشليم إلى اليهودية، ثم السامرة، ثم تنتقل بشارة الإنجيل إلى العالم أجمع. وفي المستقبل ستمتلئ الأرض كلها من معرفة الرب (حب 2: 14). وأخيراً تجيء السماء الجديدة والأرض الجديدة (رؤ21: 1).
ففي البدء خلـق الله السموات والأرض (تك1: 1)، وفي النهاية، في سفر الرؤيا « رأيت سماء جديدة وأرض جديدة » (رؤ21: 1).
في تكوين 1 نقرأ عن تسلط آدم ومعه حواء على كل الأرض، وفي رؤيا 21 نقرأ عن تسلط المسيح ومعه الكنيسة على كل الكون.
في تكوين 2 نقرأ عن نهر يسقي الجنة، وعن شجرة الحياة، وفي رؤيا 22 نقرأ عن نهر خارج من عرش الله والخروف، كما نقرأ عن شجرة الحياة.
في تكوين 2 نقرأ عن أول عرس في الكتاب، آدم وحواء. وفي رؤيا 19، 21 نقرأ عن آخر عرس، وهو أعظم بكثير إذ هو عرس المسيح والكنيسة.
في تكوين 3 نرى كيف دخلت الحية وأفسدت المشهد الجميل إذ ذاك « ملعونة الأرض بسببك »، وفي رؤيا 20 ، 21 نقرأ عن نهاية الشيطان الحية القديمة، « ولا تكون لعنة ما في ما بعد ».
في تكوين 3 نقرأ عن طرد آدم وامرأته من الجنة كي لا يأكلا من شجرة الحياة، وفي رؤيا 22 نرى المسيح مع المؤمنين يمتعهم بشجرة الحياة.
في البداية نقرأ عن دينونة العالم بطوفان الماء (تك 6) وفي النهاية نقرأ عن دينونة العالم بحريق النار (رؤ20: 11 قارن 2بط3: 6-12).
في البداية بابل تتحدى الله وتريد أن تصعد إلى السماء، وفي النهـاية الله يقضي على بابل وترمى في البحر لكي لا توجد في ما بعد (رؤ18: 21) من ثم تظهر المدينة التي لها الأساسات التي صانعها وباريها الله (رؤ21).
... وبين سفر التكوين حيث نجد أصل كل شيء، وسفر الرؤيا حيث نجد مصير كـل شيء، يرد الحديث الحلو عن المسيح، حمل الله الذي يرفع خطية العالم، بل المحور الإلهي الذي عليه تدور مشاورات الله وعنده يلتقي الأزل بالأبد.
5- الارتباط المعنوي
حسناً شبّه داربي كلمة الله بالجسد الكامل. فلو نقص من الجسد أصغر عضو فإن الجسـد، رغم كونه لم يفقد الحياة، لكنه لم يعد جسداً كاملاً . هكذا أيضاً لو حُذِف من كلمـة الله أي جزء ولو صغير، فإنها ستظل كلمة الله الحية، لكن لا يكون لها الكمال الإلهي الذي بحسب فكر الله. وفى نفس هذا الاتجاه قال ف. ف. بروس "أى عضو في الجسد لا يمارس وظائفه الطبيعية إلا بارتباطه بالجسد، وأي سفر في الكتاب يستمد معناه من وجوده في الكتاب".
والآن فكِر في سفر الرؤيا مثلاً، الذي هو آخر ما كتب بالوحي، وكتبه يوحنا بن زبدي صياد السمك. بدون هذا السفر ما كانت كلمة الله قد كملت، بل ولظلت أجزاء من الكلمة - لا سيما من نبوة دانيال ومن الأناجيل بدون شرح.
والآن دعنـا نقارن بين بعض أسفار الكتاب المقدس؛ فمثلاً إذا قارنّـا بين أسفار الملوك وأسفـار الأخبار (وهي تتحدث عن نفس الحقبة)، نجد أن الأولى تقدم لنا الصورة الرسمية لكل من مملكة إسرائيل ويهوذا، وكذا معاملات الله القضائية، بينما الثانية تعطينا الصورة الأدبية للوضع، وتركز أكثر علي معاملات النعمة بالنسبة لمملكة يهوذا.
ثم إذا أخذنا نبوات إرميا وحزقيال ودانيآل، وهم الأنبياء الذين ظهروا متلاحقين تـاريخياً وبنفـس هذا الترتيب؛ فإننا نجد أن إرميا الذي من الكهنة مشغول بالحـالة الأدبية للشعب التي تميزت في وقته بالشر والوثنية، لذلك تمتد عين النبوة عنده إلى العهـد الجديد، يوم يكون الشعب قلباً وقالباً للرب. أما حزقيال الكاهن أيضاً فمشغول بالمجد الإلهي، وفي وقتـه كان المجد قد فارقهم بسبب نجاستهم، لذا تمتد نظرته بالنبوة إلي عودة المجد للهيكل في النهاية. أما دانيـآل الذي من النسـل الملكي فمشغول بالسيادة والحكم، اللتين ضاعتا أيضاً من الشعب بسبب شرهم، وتسلم الأمم السلطان والحكم. لكن في النهاية سيعود الملك لربنا يسوع المسيح. فهذه النبوات الثلاثة تكمل بعضها موضوعياً.
ثم انظر للأناجيل الأربعة في العهد الجديد
إنجيـل متى يكلمنـا عن المسـيح الملك، ومرقس عن المسيح العبد، ولوقا عن المسيح ابن الإنسان، ويوحنا عن ابن الله.
فى متى المسيـح أتى ليكمل (5: 17)، وفى مرقس أتى ليخدم (10: 45)، وفى لوقا أتى ليخلص (19: 10)، وفى يوحنا أتى ليعلن (1: 18).
متى يُختم بقيـامة المسيح، ومرقس يُختم بارتفاع المسيح، ولوقا يُختم بوعد مجيء الروح القدس، ويوحنا بوعد مجيء المسيح الثاني.
نفس هذا الارتباط المعنوي نجده أيضاً في الرسائل: فإذا نظرنا إلى الرسائل ككل نرى أن بولس كتب عن الإيمان، وبطرس كتب عن الرجاء، ويوحنا عن المحبة، بويعقوب عن الأعمـال، بينمـا يهوذا كتب عن الارتداد عن الحق الذي يفسد الإيمان والرجاء والمحبة والأعمال الحسنة.
ثم هاك بعض المقابلات فى الرسائل: فرسالة رومية تتحدث عن التبرير أمام الله بالإيمان، ورسالة يعقوب تتحدث عن التبرير أمام الناس بالأعمال.
رسالـة كورنثوس الأولى تتحدث عن موقف الجماعة بالنسبة للمخطئ « اعـزلوا الخبيث من بينكم » (5: 13) والرسالة الثانية تتحدث عن موقف الجماعة بالنسبة للتائب «تسامحونه.. تعزّونه.. تمكنوا له المحبة» (2: 7، 8).
في رسالة أفسس نجد سر « المسيح والكنيسة » مع تركيز الضوء علي امتيـازات الجسد أي الكنيسة، بينما في رسالة كولوسي نفس السر مع تركيز الضوء علي أمجاد الرأس، المسيح.
رسالتا تسالونيكي: بينما تعالج الأولي مجيء الرب لأجل قديسيه، فإن الثانية تعالج مجيء الرب مع قديسيه للعالم. الأولى غرضها تصحيح مفهوم الجماعة بالنسبة للمؤمنين الذين رقدوا، بينما مشغولية الثانية تصحيح المفهوم فيما يختص بالمؤمنين الأحياء.
رسالتا تيموثاوس؛ تتجه الأولى بالحديث عن موقف المؤمن الأمين في بيت الله أو بالأحرى الجانب الجماعي للشهادة، والمسئولية أيام القوة الروحية، بينما تتجه الثانية إلي موقف المؤمن الأمين داخل البيت الكبير (المسيحية)، أو بعبارة أخرى السلوك الفردي في أيام التشويش والخراب.
رسائل يوحنا تتحدث عن الشركة: الرسالة الأولى تقدم لنا أساس الشركة وبركاتـها، والرسالتان الثانية والثالثة تتحدثان عن اتساع الشركة وحدودها؛ من الذي يُعزَل من الشركة وكيفية التعامل معه، ومن الذي يُقبَل وماذا نفعل له. في الرسالـة الثانية نجد يوحنا الشيخ يوجه حديثه لسيدة لكي لا تقبل من لا يأتي بالتعليم الصحيح عن المسيح. أما الرسالة الثالثة فإنه يوجهها لرجل لكي يشجعه علي قبول ومساعدة الذين يخدمون الرب بنشر التعليم الصحيح.
ثم تأمل أخيراً في العلاقة الوثيقة بين أسفار العهدين القديم والجديد:
سفر النهايات
السماء المفتوحة
والإنسان المُرحَب به سفر الرؤيا: سفر البداءات
الفردوس المفقود
والإنسان المطرود سفر التكوين:
جوهر المسيحية
الذبيحة الواحدة
الحقيقة والمرموز إليه رسالة العبرانيين: جوهر اليهودية
الذبائح المتنوعة
الظلال والرموز سفر اللاويين:
البركات الروحية
فى السماويات رسالة أفسس: بركات الأرض
فى كنعان سفر يشوع:

نرجع إلي ما قلناه في أول هذا الفصل، فقد يرى الإنسان الطبيعي في تعدد أسفار الكتاب وتعدد من كتبوه نقصاً، أما الروحي فإنه يرى في نفس هذا الأمر كمالاً ودليلاً مباركاً يضاف الي أدلة الوحي!!
« لهؤلاء رائحة موت لموت، ولأولئك رائحة حياة لحياة » (2كو2: 16).

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:14 AM
======= 13 =======
الكتاب السباعي

سـباعيات ســــهام كلمتــك
(حبقوق 3: 9)

للرقم سبعة شأن عظيم في الخليقة حولنا. لعل أوضح مثالين على ذلك هما فيما نراه وما نسمعه؛ فالضوء الذي ( وهو فى ذاته لا يُرى،لكنه يجعلنا ننظر المرئيات) يتكـون من سبعة ألوان الطيف الجميلة والزاهية، كما أن الموسيقى العذبة التي تشنف أسماعنا تتكون أيضاً من سبعة نغمـات متصاعدة هي نغمات السلـم الموسيقى. ولأن داود في مزمور 19 ربط بين ضياء السماء ونغماتها، وبين نامـوس الرب وكلمته فإننا نتوقع أن يكون للسباعيات مكان بارز في كلمة الله، وهو ما نجده فعلاً فيها.
أفكار الله الأساسية
(ا) سبع مراحل للأرض؛ أو بالحري سبع صور لها من البداية إلى النهاية:
1- ففي البدء خلق الله السماوات والأرض (تك1: 1)، وهو طبعاً لم يخلقها خربة (إش45: 18).
2- ثم صارت الأرض خربة وخالية (تك1: 2)، على الأرجح بسبب سقوط الشيطان (إش14).
3- ثم جدد الرب السماء والأرض في ستة أيام، وكان كل شئ حسن جداً (تك1: 3-31).
4- سرعان ما لُعِنت هذه الأرض، بسبب خطية آدم هذه المرة، ولقد سُميت الأرض في هذه المرحلة « العالم القديم » (2بط2: 5).
5- ثم يأتي « العالم الحاضر الشرير » (غل1: 4)، وهو ليس أفضل حالاً من العالم القديم (لو17: 26). وسينتهي أيضاً هذا العالـم بالقضاء والدينونة، كما هو واضح في سفر الرؤيا.
6- ثم يأتي « العالم العتيد الذي نتكلم عنه » (عب2: 5)؛ أعني به الأرض تحت ملك ربنا يسوع المسيح.
7- وأخيراً يصل الله إلى غرضه النهائي، بعد الملك الألفى « ثم رأيت سماءً جديدة وأرضاً جديدة، لأن السمـاء الأولي والأرض الأولى مضتا » (رؤ21: 1، انظر أيضاً 2بط3: 12،13).

(ب) التدابير السبعة؛ بمعنى طرق معاملات الله مع البشر من بداية التاريخ حتى نهاية الزمن، وهذه عددها سبعة:
1- تدبير البراءة في الجنة: استمر إلى أن سقط الإنسان وطُرِد من الجنة (تك2،3).
2- بعد السقوط جاء تدبير الضمير، عندما ترك الله الإنسان محكوماً بضميره فقط، واستمر الأمر كذلك حتى فسدت الأرض كلها وأُغرقت بالطوفان (تك4-6).
3- بعد ذلك جاء تدبير الحكومات، عندما رتب الله بعد الطوفان أن يُحكَم الإنسان بواسطة الإنسان (تك9: 6).
4- لما تحول الإنسان إلى الوثنية في برج بابل فصل الله إبراهيم ليكون مستودعا لمواعيد الله، فجاء تدبير الوعد لإبراهيم بالنعمة.
5- لكن بني إسرائيل لم يقدِّروا نعمة الله، ولا عرفوا ضعفهم، وقالوا لموسى « كـل ما تكلم به الرب نفعل » (خر19: 8)، فجاء تدبير الناموس الذي أثبت فشل الإنسان الذريع وحاجته إلى خلاص المسيح.
6- من ثم بدأ التدبير السادس وهو تدبير نعمة الله، حيث « ظهرت نعمة الله المخلّصة لجميع الناس » (تي2: 11). والآن « كل من يدعو باسم الرب يخلص » (رو10: 13).
7- وباقي على البشر تدبير أخير، وهو تدبير ملء الأزمنة أو تدبير الملك الألفي (أف1: 10). فبعد ظهور النعمة في الماضي، نحن نتوقع استعلان المجد عن قريب (تي2: 11،13).
(ج) صور الملكوت السبع؛ فكرة ملكوت الله لها سبع صور تمر بها من البداية إلى النهاية:
1- ملكوت الله في الجنة؛ عندما سلّط الله الإنسان على كل شئ، ثم أعطاه وصية واحدة يبرهن بها على خضوعه هو لله.
2- بسقوط الإنسان في الجنة لم يعد الملكوت ظاهراً، وترك الله الإنسان لضميره، ولا نعـود نسمع عن فكرة الملكوت إلا بعد خلاص بني إسرائيل من أرض مصر. وترد أول إشارة لملك الله في ترنيمة موسى (خر15: 18)، وهو ما تحقق فعلاً في أرض كنعان. فطوال فترة حكم القضاة كان الرب هو ملك هذه الأمة (قض8: 23، 1صم8: 5-7).
3- عرش الله في أورشليم على عهد داود وسليمان (1أخ29: 23)، لكن سرعان ما فشلت المملكة مرة ثانية، وابتدأ الأنبياء يتنبأون عن المسيا المنتظر؛ ابن داود الحقيقي (إش11، 32،. . .).
4- الملكوت مُقدَم للأمة، ومرفوض منها. فلما جاء الملك المتنبأ عنه (لو1: 32، 33و مت2: 2)، من ثم جـاء النداء « توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات » (مت3: 2، 4: 17، 10: 7)، فإن الشعب بكل أسف رفضوا ملكهم بل وصلبوه.
5- الملكوت في صورته السرية: فإذ رُفض الملك تأسس الملكوت في غيابه (مت13). وفي هذه الفتـرة فإن الزوان والحنطة ينميان كلاهما معاً، في فترة أناة الرب الحالية، والتي ستنتهي بظهور الرب بالمجد والقوة.
6- وبظهور المسيح فإنه سيقيم الملكوت الألفي، حيث يحكم علي العالم لمدة ألف سنة بالبر والعدل.
7- الملكوت الأبدي (2بط1: 11) حيث في الأبدية تبدأ الصورة السابعة والنهائية للملكوت (1كو15: 28).
(هـ) بيت الله في سبع مراحل:
1- خيمة الاجتماع في البرية.
2- هيكل سليمان الذي خربه نبوخذنصر.
3- هيكل زربابل الذي جدده هيرودس الملك، وكان قائماً على عهد المسيح.
4- جسد المسيح الذي فيه استُعلن مجد الله بصورة عجيبة حقاً (يو2: 19-21، 1: 14).
5- الكنيسة؛ هيكل الله الروحي الآن وإلى أبد الآبدين (أف2: 21).
6- الهيكل الذي سيُبنى في المستقبل، لكنه سيتدنس برجسة الخراب (2تس2: 4، رؤ11: 1،2).
7- الهيكل الذي سيبنيه الرب يسوع، وتمارَس فيه العبادة في الملك الألفي (زك6: 12،13، حز40-48).
سباعيات الكتاب
وهي تجل عن الحصر، لكن سنأخذ مجرد عينات بسيطة منها:
في يوم الكفارة كان الدم يُرَش قدام غطاء التابوت 7 مرات (لا16: 14). وعند دخول الشعب إلى أرض الموعد طافـوا 7 أيام حول أريحا، وفي اليوم السابع 7 مرات (يش6). ولقد طلـب أليشع من نعمان السرياني أن يغطس في نهر الأردن 7 مرات (2مل5). وفي العهد الجديد يتحدث المسيح عن الغفران للأخ المخطئ سبعين مرة سبع مرات (مت18: 22). ونقرأ عن 7 أشياء فائقة، لكنها بدون المحبة ليست شيئاً (1كو13). وسلاح الله الكامل كان من 7 قطع (أف6)، ولبس مختاري الله القديسين يتكون من 7 أجزاء (كو3: 12-14)، والفضائل المسيحية سبعة (2بط1: 5-7). أما سفر الرؤيا فهو كتاب سباعي حقاً إذ فيه ما لا يقل عن خمسين سباعية؛ أشهرها الكنائس السبع (ص2،3)، والختوم السبعـة (ص6-8) والأبـواق السبعة (ص8-11) والجامات السبعة (ص15،16).
لكن بالإضافة إلى هذه السباعيات المتواجـدة معاً، هناك سباعيات أخرى اشترك في إنشائها مجموعة من الكُتّاب تباعدت بينهم العصور؛ فجاءت تلك السباعيات مؤكدة وحدة أسفار الكتاب معاً.
فالكُتّاب الملهَمون الذين أشـاروا إلي حـادثة الطوفان سبعة: موسى (تك 6-9) أيوب (أي11: 16، 22: 16) - إشعياء (إش 54: 9) - متى (مت 24: 37-39) - لوقا (لو17: 26،27) - بولس (عب11: 7) - بطرس (1بط3: 20، 2بط 3: 5، 6
ويذكر الكتـاب سبع ممارسات لعيد الفصح، أولها الفصح الذي عُمِل في أرض مصر لإنقاذ الأبكار، وآخره الفصـح الذي عمله المسيح مع تلاميذه يوم صلبه (خر12، عد 9، يش5، 2 أخ 30، 2 أخ 35، عز6، لو22).
وعبارة « أنا إله إبراهيم وإله أسحق وإله يعقوب » ترد سبع مرات (خر 3: 6، 15، 4: 5، مت22: 32، مر 12: 26، لو 20: 37، أع 7: 32).
وكذا عبـارة « يكونان جسداً واحداً » عن اقتران الرجل بالمرأة (تك 2: 24، مت19: 5، 6، مر10: 8، 1كو 6: 16، أف5: 31).
ثم إن الكتـاب المقدس يتحدث في سبع مواضع عن الأزلية، وكلها جاءت في العهد الجديد (يو17، 1كو2، أف1، أف3، 2تي1، تي1، 1بط1).
ويسمي الله بأنه «إله السلام» سبع مرات، كلها وردت في رسائل بولس (رو15: 33، 16: 20، 1كو 14: 33، 2كو13: 11، في4: 9، 1تس5: 23، عب 13: 20).
والذين ناداهم الله مكرِراً اسمهم مرتين هم سبعة: ذكر موسى ثلاثة منهم؛ هم "إبراهيم" (تك 22: 11) و"يعقوب" (تك 46: 2) و"موسى" (خر 3: 4). وبعده بأكثر من 400 سنة كتب صموئيل واحدة: "صموئيل" (1صم 3: 10). وأخيراً بعد أكثر من ألف سنة أخرى كتب لوقا الثلاثة الأسماء الأخرى: "مرثا" (لو 10: 41) و "سمعان" (لو 22: 31) و "شاول" (أع 9: 4).
والذين وُلِدوا بوعد سبعة وهم: اسحق (تك 17: 19، 21 مع 18: 14)، شمشون (قض 13)، صموئيل (1صم 1)، سليمان (1أخ 22: 9)، يوشيا (1مل 13: 2 مع 2مل 22، 23)، ابن الشونمية (2 مل 4: 16)، يوحنا المعمدان (لو1: 13-25).
وممكن تتبع سبـع زيجات ذُكِرت فى العهد القديم وتعتبر رمزاً جميلاً لاقتران المسـيح بالكنيسة: آدم وحواء - اسحق ورفقة - يوسف وأسنات - موسى وصفورة - عثنئيل وعكسة - بوعز وراعوث - داود وأبيجايل.
وفي الكتاب يُشار إلى روح المسيح الإنسانية سبع مرات مذكورة في الأناجيل (مت27: 50، مر2: 8، 8: 12، لو23: 46، يو11: 33، 13: 21، 19: 30).

كما تـوجد سبع عبارات نطق بها المسيح فوق الصليب سجلها البشيرون
مت27: 46 مع مر15: 34، لو23: 34، 43، 46، يو19: 26، 27، 28، 30).)
السباعيات الرقمية
هنا نحن أمام أحد براهين وحي الكتاب المقدس، قال عنه بحق أبرز الرواد فى هذا المجال ويدعى "إيفان بانين" "هو البرهان الذي لا يقبل الشك والذي أنت طالبه"
لقد كان العبرانيون قديماً، شأنهم شأن المصريين القدماء وغيرهم، لا يعرفون شيئا عن الأرقام المستخدمة حالياً، بل كانوا يستخدمون ذات الحروف الأبجدية للتعبير عن القيم العددية. فكانت الحروف العشرة الأولى فى أبجديتهم تعبِّر أيضاً عن القيم العددية من 1 إلى 10 على التوالي. ثم الحروف التسعة التالية قيمتها على التوالي أيضا من 20 إلى 100 ثم الحروف الثلاثة الأخيرة (لأن حرف الأبجدية العبرية هى22 حرفاً) قيمتها العددية 200 ثم 300 ثم 400 على التوالي. وبجمع قيم الحروف المتجاورة إلى بعضها نحصل على الرقمالذي تعبر عنه تلك الحروف.
وسنأخذ عينة واحدة فقط لما يشتمله الكتاب المقدس في داخله من الأدلة على وحيه؛ وأعنى بها الإعجـاز الذي نحصل عليه من القيم العددية للكلمات والعبارات، وذلك من أول آية في الكتاب المقدس، وهذه الآية هي:« في البدء خلق الله السمواتوالأرض »، وترد في الأصل العبري هكذا "براشيت برىالوهيم أت هشميم فات هارص" ونحللها كالجدول التالي:


. يتبع ...

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:15 AM
الكلمة ترتيب الحرف فى الآية اسم الحرف بالعبري مقابله فى الأبجدية العربية ترتيب وضعه فى الأبجدية العبرية قيمة الحرف العددية
1 بيت ب 2 2
(1) 2 ريش ر 20 200
3 أليف ا 1 1
4 شين ش 21 300
البدء 5 يود ي 10 10
6 تاف ت 22 400
(2) 7 بيت ب 2 2
خلق 8 ريش ر 20 200
9 أليف أ 1 1
10 أليف أ 1 1
(3) 11 لمد ل 12 30
12 هيه هـ 5 5
اللة 13 يود ي 10 10
14 مم م 13 40
(4) 15 أليف أ 1 1
ال 16 تاف ت 22 400
17 هيه هـ 5 5
(5) 18 شين ش 21 300
19 مم م 13 40
سموات 20 يود ي 10 10
21 مم م 13 40
(6) 22 فاف ف 6 6
وال 23 أليف أ 1 1
24 تاف ت 22 400
25 هيه هـ 5 5
(7) 26 أليف أ 1 1
أرض 27 ريش ر 20 200
28 صادي ص 18 90

تتكون هذه الجملة في الأصل العبري - كما نرى - من 7 كلمات
عدد أحرفها 28 حرفاً أي 4×7
الكلمة الوسطى هي أصغر كلمات الآية وتتكون من حرفين، تسبقها كلمة من خمسة حروف وتلحقها كلمة من خمسة حروف، فيكون المجموع فى الحالتين 7 أحرف.
الجزء الأول والذي يتكون من المبتدأ والفاعل يحتوى على 14 حرفاً، والخبر يحتوى على 14 حرفاً = 2×7
الأسمـاء المذكورة فى هذه الآية وهى: الله - سموات - أرض تحتوى معاً على 14 حرفاً = 2×7
القيمة العددية لحروف هذه الكلمات الثلاثة هي 777 = 111×7
وقيمة ترتيب هذه الحروف (القيمة الموضعية- انظر الجدول) هى 147 = 21×7
والفعل الوحيد في الجملة - "خلق"، قيمته العددية 203 = 29×7
الكلمات رقم 3، 4 تبدأ بحروف متحركة وتتكون من 7 أحرف
لاحظ أن 3+4 = 7
والكلمات أرقام 1، 2، 5، 6، 7 = تبدأ بحروف ساكنة كما تحتوى على 21 حرفاً أي 3×7
لاحظ أن 1+2+5+6+7= 21 = 3×7
الحرف الأول والأخير من كل من الكلمات السبعة:
مجموع قيمتها العددية = 1393 =199×7
ومجموع قيمتها الموضعية = 133 =19×7
القيمة العددية للأحرف الأول والأوسط والأخير (التى ترتيبها 1، 14، 15، 28) = 133 =19×7
منها الحرفان الأولان 42 = 6×7 والأخيران 91 = 13×7
وفي حروف الآية الثمانية والعشرين يوجد 3 أحرف فقط لم تتكرر، وهذه قيمتها العددية 126 =18×7
كمـا أن الحروف الهجائية المستخدمة في هذه الآية هي 11 حرفاً أي نصف الأبجدية العبرية تماماً.
قيمتها الموضعية: 1، 2، 5، 6، 10، 12، 13، 18، 20، 21، 22.
وقيمتها العددية: 1، 2، 5، 6، 10، 30، 40، 90، 200، 300، 400،.
ويمكن تقسيمها إلى: مجموعة الآحاد 1، 2، 5، 6 مجموعة العشرات 10، 12، 13، 18 مجموعة المئات 20، 21، 22
لاحظ أن 1+6 = 7 1×7
10+18 = 28 4×7
20+22 = 42 6×7
والمجموع 77 11×7

ثم لاحظ أن مجموعتي الآحاد والمئات تتكون من 7 أرقام، مجموع قيمتها الوضعية 77 = 11×7
منها مجموعة الآحاد فقط مجموعها 14 = 2×7
ومجموعة المئات مجموعها 63 = 9×7
والآية الأخرى والوحيدة في التـوراة التي تتكون من 7 كلمات ومن 28 حرفاً هي الواردة في خروج 20: 1 والتي بها تبدأ كلمات الوصايا العشر.
فصول سباعية
ويمكننا أن نتتبع فصولاً سباعية رائعة في الكتاب المقدس؛ أوضحها أيام الخليقة السبعة (تك1،2) التي تحدثنا عن مخطط الله العظيم من جهة معاملاته مع البشـر، وكذلك مواسم الرب وأعياده المقدسة وعددها سبعة (لا23) التي تحدثنا عن تعـاملات الرب مع شعبه الأرضي بل وأيضاً مع الكنيسة في الفترة الحاضرة. وأيضاً أمثال ملكوت السماوات السبعة (مت13) التي تتحدث عن كل فترة غياب المسيح، سواء الفترة الحالية التي فيها تعتبر المسيحية إناء لشهادة الله على الأرض، أو حتى بعد اختطاف الكنيسة في فترة الضيقة العظيمة. وأخيراً الرسائل إلى الكنائس السبع (رؤ2،3) التي تحدثنا عن رحلة الكنيسة الاسمية في كل فترة النعمة الحاضرة، من نزول الروح القدس لتكوين الكنيسة وحتى اختطافها عن قـريب. وإننا نُحيل القارئ العزيز إلى العديد من الكتب القيمة في هذا المجال والمتوفرة في المكتبة العربية.
ودعنا الآن نركز نظرنا على جانب واحد فقط، من واحد فقط من هذه الفصول الغنيـة، وأعني به جانب رقميات الفصل، أو بالأحرى سباعيات الفصل كما نراه في أولى تلك الفصول، أعني بها تكوين 1 إلى 2: 3 (فصل تجديد الخليقة).
يستخدم هذا الفصل 21 حرفاً (أي 3×7) وأما الحرف الذي لم يُستخدم فهو حرف سمَّخ (بتشديد وفتح الميم)، المقابل لحرف السين في اللغة العربية. ومن المثير أن نعرف أن لكل حروف الأبجدية العبرية معنى خاصاً به، وهذا المعنى مأخوذ إما من شكل الحرف أو من الألفاظ التي يعبر بها. وحرف «السمخ» مدلوله مسند. وعدم وجود هذا الحرف في كل أصحاح الخليقة له معنى جميل؛ وهو أن الله في خلقه وإتقانه للعالمين لم يستند علي شيء سوي كلمته.
ثم إن مجموعة الكلمات التي تسبق اليوم الأول في هذا الفصل وكذلك كلمات كل يوم من الأيام الستة تتكون من سبع كلمات أو سبع فقرات أو مضاعفاتها. وعدد الحروف في كل هذه الحالات مضاعفات الرقم (7) والقيمة العددية لهذه الحروف هي دائماً مضاعفات الرقم (7)!!
ثم لنتأمل في الكلمات نفسها فنجد أن هناك 7 أيام، وأن كلمة « رأىَ الله » تتكرر 7 مرات وكذلك كلمة « حسن » تتكرر 7 مرات، وأن « المياه » أو « البحر» 14 مره (2×7). وكلمة « الأرض » 21 مره (3×7) و« الله » الذي خلق وأعد هذه كلها مذكور 35 مرة (5×7)*!!
بالإضافة إلي ما تقدم يمكن أيضاً تقسيم هذه الأيام إلى مجموعات ثلاث. فاليوم الأول والثـاني والرابع تبدأ دون غيرها من الأيام الستة بكلمة «ليكن». وفي هذه الأيام الثلاثة بالذات نجد للرقم (5) مكاناً بارزاً. ففي اليوم الأول يُذكَر النور 5 مرات. وفي اليوم الثاني يذكر كل من « الجلد » و « المياه » 5 مرات. وفي اليوم الرابع تذكر « الأنوار » « حوامل النور » 5 مرات … كما نلاحظ أنه في هذه الأيام فقط يرد الفصل بين شيء وآخـر، ويُذكر هذا 5 مرات. وفي كل من هذه الأيام الثلاثة فقط يُذكر أن الله تكلم مرة واحدة فقط. وفيها أيضاً، بخلاف الأيام الثلاثة الأخرى، لا يرد ذكر كائنات حية!!
أما المجموعة الأخيرة فهو اليوم السابع وحده الذي فيه لم يعمل الله شيئاً، بل « استراح ». و فيه دون غيره لا ترد الإشارة إلى "مساء وصباح يوماً سابعاً".
والآن لاحظ أرقام هذه المجموعات الثلاث:
المجموعة الأولي : 1+2+4 = 7 (1×7)
المجموعة الثانية : 3+5+6 = 14 (2×7)
المجموعة الثالثة : 7 (1×7)


ثم لنتحول إلى الفصل المذكور فيه الوصايا العشر، وهو كما ذكرنا يبدأ بآية تشبه الآية التي يبدأ بها تكوين 1 من جهة التراكيب الرقمية. نجد أولاً أنه كما تكوّن ذلك الفصل من 21 حرفاً (ولم يتضمن مطلقاً حرف السين) هكذا هذا الفصل يتكون من 21 حرفاً دون الإشارة مطلقاً لحرف الطيت المقابل لحرف الطاء العربي. وحرف السين مدلوله - كما ذكرنا - مسند ، فالله لا يحتاج إلى شـئ يستند عليه في خلقِه للعالم، أما حرف الطيت (ط) فمدلوله ثعبان؛ الحية القديمة التي خدعت حواء في الجنة بصدد الوصية الأولى، وكأن الله يحذر بني حواء منها لكيلا تخدعهم الحية مرة أخرى!!
ثم إننا في باقي الفصل نجد الآتي:
7 وصايا تبدأ بكلمة "لا"
كلمة "يوم" أو "أيام" وردت فيه 7 مرات
العلاقات العائلية: أب وأم وابن وابنة وامرأة (أي زوجة) 7 مرات
الأرقام 3،4،6،7،1000 وردت معاً 7 مرات
أداة الربط "و" في الوصية الثانية 7 مرات
وصية عدم العمل في اليوم السابع تنبر على 7 أشخاص أو مخلوقات.
* * * *
وقبل أن أختـم حديثي أشير إلى أن تاريخ شعب إسرائيل من البداية إلى النهاية مكون من أربعة أقسام، وكل قسم منها هو عبارة عن 490 سنة تماماً، لا أكثر ولا أقل. أي 7 × 7 × 10 . وسوف أشير إلى ذلك في التذييل رقم (1) في نهاية الكتاب. وحقاً من كان بوسعه أن يسيطر على التاريخ بهذا الأسلوب العجيب، سوى من قال عنه المسيح « الأزمنة والأوقات .. جعلها الآب في سلطانه » (أع1: 7).
لكنني لا أتعجب فحسب من سيطرة الله على الأزمنة والأوقات، بل أتعجب كـذلك من هذا التنسيق والترتيب، بل هذا الإعجاز العجيب في الكتاب المقدس؛ كلمـة الله، حتى أننا وبحق يمكن أن نسمي أقواله « آيات » ونقول للرب مع المرنم « كلمتك ممحصة جداً وعبدك أحبها!» (مز119: 140).

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:16 AM
======= 14 =======
الإعجاز العددي للكتاب


عجيبة هي شهاداتك لذلك حفظتها نفسي
(مزمور 119: 129)

عرفنا في الفصل السابق أن مبدع الكون هو بنفسه الذي أوحى بالكتاب، وعليه فإننا نتوقع أنه إذا كان للأرقام دلالات محددة في الخليقة: في الطبيعة، وفي الكيمياء، وفى علم الأحياء، وفي الحياة الطبيعية، فإننا نتوقع أن يكون لها أيضاً دلالات محـددة في الكتاب المقدس*، بل أن يكون لها ذات الدلالات. ترى هل هذه الأمور هكذا؟
سنرى في هذا الفصل جانبـاً من الإعجاز الرقمي في الكتاب المقدس. وسنرى ما سبق أن اكتشفه داود في الخليقة أن « الله طريقه كامل » (مز18: 30)، وفي الكتاب أن « ناموس الرب كامل » (مز19: 7).
(فالرقم 1) مدلوله الأولوية والرئاسة وكذلك الوحدة
ولهذا يرتبط الرقم (1) في الكتـاب المقدس بالله الواحد (تث6: 4، يع 2 : 19)، وبالمسيح الرأس (إش 44: 6، رؤ1: 17، 2: 8، 22: 13)، وبالكنيسـة باعتبـار وحـدة أفرادها (أف4: 3 - 6، يو10: 16، 17: 10، 21-23). وهكذا
(والرقم 2) ومدلوله الشركة والاتحاد والاقتران. كما أنه رقم الشهادة الكافية
انظر مت19: 5، جا4: 9، 2كو13: 1.
لذلك نجد الكتاب المقدس يتكون من عهدين: العهد القديم والعهد الجديد. كما أن الوصايا العشر كانت مكتوبة علي لوحين (خر31: 18). وكان في قدس الأقداس كروبان (خر25: 18،1 مل6: 23). وفي هيكل سليمان عمودان (1مل7: 15). وهو الرقم الذي يمثل الحد الأدنى للاجتماع باسم الرب (مت18: 19، 20) وللشهادة له (مر6: 7، أع1: 10، رؤ11: 3، يو8: 17، 18). والله كرر الحلم على فرعون مرتين لتأكيده (تك41: 32).
(و الرقم 3) هو رقم التحديد
فللتعبير عن الأجسام يلزم علي الأقل 3 أبعاد، ولتحديد المكان يلزم علي الأقل 3 محاور، والمثلث هو أبسط الأشكال الهندسية. وللمادة 3 أحوال (صلبة أو سائلة أو غازية). والذرّة تتكون من إلكترونات وبروتونات ونيوترونات. والكائنات الحية (حيوانات أو أسماك أو نباتات) تتكون بصفة عامة من 3 أجزاء.


ويعلمنا الكتاب المقدس أن الإنسان كائن ثلاثي (جسد ونفس وروح - 1تس5: 23).
وأن لله أقانيم ثلاثة (الآب والابن والروح القدس - مت 28: 19).
وكان لخيمة الاجتماع في العهد القديم أقسام ثلاثة (الدار الخارجية - والقدس - وقدس الأقداس). والمعـادن المستخدمة فى صنع أدواتها ثلاثة (الذهب والفضة والنحاس). وثلاث مـرات كان يصعد جميع الذكور إلى أورشليم فى السنة. والسمـاوات عددهـا ثلاث (2كو 12: 2). وتتكرر عبارة « أبا الآب » في العهد الجديد 3 مرات (مر14: 36، رو8: 15، غل4: 6)...
وهو أيضاً رقم القيامة من الأموات (2مل20: 5، هو6: 2، يون1: 17، مت16: 21، 1كو15: 4 .... الخ).
(والرقم4) هو رقم الأرض
فالأرض لها أطراف أربعة: الشمال والجنوب والشرق والغرب (إش 11: 12، رؤ7: 1 مع إر49: 36، زك6: 5)، كما أن هناك فصولاً أربعة في السنة، وبالتالي فهو رقم العمومية.
لذلك نقرأ في الكتاب أن المذبح كان مربعاً، وكان له أربعة قرون (خر27: 1،2، 30: 2، رؤ9: 13)، وتُقـدَم عليـه أربعة أنواع من الذبائح (لا1- 5). ثم هنـاك أربع إمبراطوريـات تعاقبت السيادة علي الأرض في الفترة المسماة بأزمنة الأمم (دا2، 7)… وهناك أيضاً 4 أناجيل.
(والرقم 5) هو رقم المسئولية ورقم النعمة:
فهو عدد حواس الإنسان، وكذا عدد الأصابع فى كل من أطرافه.
ونظراً لأن هذا الرقم حاصل جمع 4 +1 فهو يحدثنا عن الخالق مع الخليقة، أو بالحري هو رقم عمانوئيل "الله معنا".
لهذا يتكرر هذا الرقم أكثر من غيره في خيمة الاجتماع. فمثلاً كان ارتفاع ألواح الدار الخارجية في الخيمة 5 أذرع (خر27: 18)، وكذلك طول مذبح المحرقة (خر27: 1)، وهو عدد الأعمدة علي مدخل القدس (خر 26: 37). وكان هو عدد شواقل فضة الفداء (عد3: 47). كما أنه عدد الحجارة المُلْس التي أخذها داود في حربه مع جليات (1صم17: 40).
وفي العهد الجديد نقرأ عن خمس عذارى حكيمات وخمس جاهلات (مت25)، وعن خمسة أرغفة شعير (يو6: 13). وهكذا. كما أن عدد جروح المسيح كانت خمسة؛ في يديه ورجليه وجنبه!
(والرقم 6) هو رقم الإنسان والعمل
فلقد خُلق الإنسـان في اليوم السادس (تك1: 26)، كما أن أيام العمل في الأسبوع ستة (انظر خر20: 9)، ومثلها سنوات عبودية العبد العبراني (خر21: 2). وبالمثل أوصى الرب شعبه أن يزرعوا أرضهم ست سنين ويريحوها في السنة السابعة (لا25: 3،4).
ولأن الإنسان شرير وكذلك كل عمله (رو3: 12)، لذلك ارتبط هذا الرقم في الكتاب المقـدس بالشر؛ فالشعوب الذين طردهم الرب بسبب شرهم من أرض كنعان ستة (تث20: 17)، وجليات الفلسطيني كان طوله 6 أذرع وشبر، وأسنان رمحه ست مئة شاقل حديد (1صم17)، وابن رافا عدو داود كان له ست أصابع في كل من أطرافه (2صم21: 20)، ومدة حكم عثليا الملكة الشريرة ست سنين (2مل11: 3)، وتمثال نبوخذنصر كان طوله 60 ذراعاً وعرضه 6 أذرع (دا3: 1). ونقرأ في العهد الجديد عن ستة أجران فارغة في يوحنا 2: 6، وستة رجال في حياة المرأة السامرية (يو4: 18)، والغني في لوقا 16 كان له خمسة إخوة غيره، وهم جميعاً غير مبالين بالله أو بالأبدية.
والمسيح له المجـد صُلب يوم الجمعة؛ اليوم السادس من الأسبوع، وقضي فوق الصليب 6 ساعات. والظلمة بدأت هناك الساعة السادسة!!
ورقم الوحش الذي سيظهر في فترة الضيقة العظيمة هو 666 (رؤيا13: 18). وهو بالأسف نفس عدد وزنات الذهب التي جاءت لسليمان في سنة واحدة (1مل10: 14 قارن مع تث17: 17).



(والرقم 7) هو رقم الكمال
فهو عدد أيام الأسبوع، وألوان الطيف، والسلم الموسيقى . كما أن الفتحات التى فى رأس الإنسان عددها سبع.
ولقد سبق لنا في الفصل السابق أن تأملنا في مدلول هذا الرقم.
(والرقم 8) هو رقم الجديد.
فهو رقم أول يوم في الأسبوع الجديد، وبداية السلم الأعلى في الموسيقى، ولهذا اعتبر أنه يعبر عن ما هو جديد.
فنجد أن ثمانية أشخاص نجوا بالفلك ودخلوا إلى الأرض الجديدة (1بط3: 20)، ويُذكَـر نوح في العهد الجديد ثمانى مرات. كما نجد أن الختان كان يحدث في اليوم الثامن (تك17: 12)، وتطهير الأبرص كان يتم فى اليوم الثامن (لا14: 10)، والباكورة كانت تُقدَم في غد السبت أي في اليوم الثامن، وكذلك أيضاً عيد الخمسين (لا23: 11، 16).
ثم إن قيامة المسيح حدثت يوم الأحد أي في اليوم الثامن، وكذلك أيضاً حلول الروح القدس.
ورفقة عروس اسحق كانت بنت بتوئيل الثامن بين إخوته (تك22: 20-23). وكذلك أيضاً كان ترتيب داود بين إخوته الثامن (1صم17: 12،14).
ويسجل الكتاب المقدس 8 أشخاص أقيموا من الأموات! ابن أرملة صرفة (1مل17)، وابن الشونمية (2مل4)، والذي مس عظام أليشع (2مل13)، وابنة يايرس (مر5) وابن أرملة نايين (لو7) ، ولعازر (يو11)، وطابيثا (أع9)، وأفتيخوس (أع20).
وكتبة العهد الجديد عددهم ثمانية!
ومن الجميل أن نعرف أن الاسم الكامل « الرب يسوع المسيح » مذكور فى العهد الجديد 88 مرة، وكذلك أيضاً « ابن الإنسان » مذكور88 مرة.
ثم أن القيمة العددية لاسم « يسوع » باليوناني هو 888. ولاسم « المسيح » وباليوناني "كريسـتوس" 1480 (8×185)، ولاسم « الرب » وباليوناني « كريوس » 800 (8×100) ولاسم « المخلص» وباليوناني "سوتر" 1408 (8× 176) ولاسم « يسوع المسيح » هو 2368 = 37×8×8.
وهناك 8 تركيبات مختلفة لأسماء المسيح الثلاثة الرئيسية وردَت في الكتاب كالآتي:
الرب – يسوع - المسيح - الرب يسوع - الرب المسيح - يسوع المسيح - المسيح يسوع - الرب يسوع المسيح
(والرقم 9) هو رقم الإعلان الواضح.
إنه 3×3 (كمال الإعلان) . ولهذا تحمل المرأة طفلها تسعة أشهر فى بطنها، وبعد ذلك يخرج إلى النور مكتمل النمو.
وفي الكتاب المقدس نجد أن ثمر الروح المذكور فى غلاطية 5: 22 يتكون من تسع فضائل مباركة. ومواهب الروح فى 1 كورنثوس12: 8-11 عددها 9 . والرب بدأ موعظته علي الجبل (مت5-7) بتسعة تطويبات.
كما نقـرأ أن الرب يسوع فوق الصليب نطق بالقول « قد أُكمل» الساعة التاسعة (مر15: 34)، وهو نفس وقت التقدمة المسائية (عز9: 5، لو1: 10).
ونلاحظ أن القيمة العددية لكلمة « آمين » في اليوناني =99، وأن الرب نطق بكلمة « الحق » في الأناجيل الأربعة 99 مرة!!




(والرقم 10) هو رقم المسئولية.
إنه 5×2 أي المسئولية الكاملة. ولاحظ أنه عدد أصابع كلتا اليدين، لذلك كانت وصايا الله للشعب عشراً (خر34: 27، 28، تث4: 13).
ولأن الإنسان فاشـل في المسئولية، لذلك نقرأ أن الشعب جرب الرب فى البرية عشر مرات (عد14: 22،23)، كما أن فرعون كمسئول أمام الله يذكر الكتاب عنه أنه قسّى قلبه عشر مرات، وأتت عليه عشر ضربات.
ويرتبط بهذا أن عدد الشقق الجميلة في خيمة الاجتماع عشر (خر26: 1)، فشخص المسيح هو الذي غطى المسئولية التي كانت علينا. وفي العاشر من الشهر الأول دخل الشعب إلى أرض الموعد، وهو نفس يوم إحضار خروف الفصح قبل أربعين سنة (خر12: 3، يش4: 19). ويتكرر هذا الرقم في هيكل سليمان بصورة بارزة. ويشبّة ملكوت السماوات بعشر عذارى (مت25).
(والرقم 11) هو رقم الفرح
فهو يساوى 10+1 أي وفاء المسئولية وتغطيتها. وفي الموسيقي نجد أن مضاعفات الرقم 11 من الذبذبات تعطي الصوت المعين في السلم الموسيقي، ومضاعفات 11 أيضاً تفصل بين ذبذبة كل صوت في السلم والصوت الذى يليه.
وفي اللغة العبرية كلمة «عيد» قيمتها العددية 11.
وفي الكتاب المقدس نجد أن الرقم 11 يحدثنا عن الفرح وعن الترنيم المرتبط بسداد مسئولية الإنسان.
وتتكرر كلمـة « عمل » بصدد الخليقة فى تكوين (1:1 إلى 2: 3) 11 مرة؛ فالله يفرح بعمل يديه! وفي خيمة الاجتماع كانت المنارة في القدس بها 22 أي (2×11) كأسة لوزية بعجرة وزهرة (خر25: 31-36). وكان فوق الشقق الجميلـة العشر، إحدى عشرة شُقة من شعـر المعزى (خر36: 14). والراجعـون من السبي أيام عزرا قدموا 77 (7×11) خروفاً (عز8: 35). ونحميا يذكرفىسفره أنه التجأ إلى الرب بالصلاة 11 مرة.
ولقد كان يوسف، الابن المحبوب ليعقوب، هو الابن رقم 11. والتلاميذ بدون يهوذا الإسخريوطي كان عددهم 11.
وفى العـهد الجديد يذكر التعبير « محبة الله » 11 مرة. وبصدد محاكمة المسيح وصلبه تسجل الأناجيل 11 شهادة لبرّه (مت 27: 4،19،24، لو 23: 4،14،15،22،41،47، يو19: 4،6)‍‍ ‍‍‍‍‍‍‍‍.
ويسجل الكتاب المقدس 11 ظهوراً للرب يسوع بعد قيامته من الأموات لخاصته من المؤمنين!
(والرقم 12) هو رقم نظام الله في خليقته.
فالبروج في السماء عددها اثنا عشر، ولهذا كان هو عدد شهور السنة (رؤ22: 2) كما أنه هو عدد ساعات النهار (انظر يو 11: 9)، ومثلها ساعات الليل. وبالتالي فهو الرقم الذى يعبر عن إدارة الله وتنظيمه فى الخليقة.
لذلك نقرأ في العهد القديم عن 12 سبطاً، يرتبط بهم 12 حجراً كريماً علي صُـدرة رئيس الكهنة (خر28)، وكذلك 12 رغيفاً في القدس علي مائدة خبز الوجوه (لا24 : 5). والقضاة المذكورون في سفر القضاة عددهم 12. وفى العهد الجديد أقام الرب 12 رسولاً أرسلهم إلى شعبه الأرضي. كما نقرأ عن 12 قفة مملوءة كِسراً فاضلة من معجزة إشباع الآلاف.
وبالارتباط مع معنى هذا الرقم نقرأ أيضاً عن 12 أسداً علي درجات عرش سليمـان (1مل10: 20). وعن 12وكيلاً لسليمان (1مل7:4). وعن 12 ثوراً أُقيم عليها بحر النحاس في الهيكل (2أخ4:4). ويُذكر هذا الرقم بصدد المدينة السماوية في رؤيا9:21 إلى 4:22 نحو 12 مرة !



(والرقم13) هو رقم الشر
فهو الرقـم الذى منه تتشاءم شعوب كثيرة. وبتتبع هذا الرقم فى الكتاب المقدس نجد أنه يرتبط بالخطية وبالشيطان الذى يريد أن يشوه نظام الله فى الخليقة، كما يرتبط كذلك بقضاء الله ودينونته على هذه الحالة.
فالرقم 13=12+1. أي الخروج عن ترتيب الله ونظامه.
وأول ذِكر لهذا الرقم فى الكتاب كان مرتبطاً بالعصيان والحرب (تك4:14). وفترة الذل فى حياة يوسف كانت 13 سنة. وضربة البرد، وهو ما يعبر عن غضب الله (مز12:18،13،أى22:38،23)، مذكور فى (خروج9) 13 مرة. وأريحا، مدينة اللعنة، طيف حولها قبل أن تسقط أسوارها 13 مرة. والأمر بإبادة اليهـود أيام أحشويرش صدر فى اليوم الثالث عشر من الشهر الأول، على أن يبادوا في اليوم الثالث عشر من الشهر الثاني عشر (أس12:3،13).
ويذكر فى الكتاب المقدس 13 مجاعة ( تك12: 10 و تك26: 1 و تك43: 1 مع أع7: 11 و قض6: 4 و را1: 1 و 2 صم 21: 1 و 1مل17 مع لو4: 25 و 2مل 4: 38 و 2مل6: 25، 2مل8: 1 ومرا4: 3-10، 5: 10 مع إر52: 6، 2مل25: 3 و أع11: 28 و رؤ6: 5،6 مع مت24: 7)!
وعبارة « هذه مواليد » أو « كتاب مواليد » تتكرر فى العهد القديم 13 مرة، حيث أن كل نسـل آدم مولود بالخطية. إلى أن نصل إلى فاتحة العهد الجديد فنقرأ عن كتاب ميلاد يسوع المسيح؛ إنها المرة الرابعة عشر: أي 7×2 كمال الإنسان الثاني؛ الذي هو الله وإنسان في آن معا!
والعجيب أن أسماء الشيطان في اللغة اليونانية قيمتها العددية هي دائماً مضاعف الرقم 13. فعلى سبيل المثال « إبليس والشيطان » (رؤ9:12) القيمة العددية لحروفه =2197=13×13×13!
جمال تراكيب الكتاب
ثم دعنا نلقي نظرة على إعجاز الكتاب المقدس في رقميات تراكيبه. فالعهد القديم عـدد أسفاره 36 أي 3×12. وعلى ضوء ما ذكرناه آنفاً من معان للأرقام نفهم أن هذا الرقم يعنى الله فى حكومته على الأرض. وهذا بالفعل هو الطابع الإجمـالي لكل العهد القديم. أو قد نعتبره 6×6 أي أن كل العهد القديم أثبت أن الإنسان (الذي رقمه 6) شرير (وهو رقم 6). فشر الإنسان في انتظار خلاص الله، وهو ما أظهرته حكومة الله على الأرض.
أما أسفار العهد الجديد فعددها 27 أي 3×3×3، أي الله في كمال الإعلان؛ فإن ما يميز العهد الجديد هو « وبالإجماع عظيم هو سر التقوى؛ الله ظهر في الجسد » (1تي3: 16). هذا هو بالفعل الطابع العام للعهد الجديد.
ومجموع أسفار الكتاب المقدس هو 63 أو 7×3×3 كمال الإعلان الإلهي!
إعجاز من الأسفار الشعرية: نأخذ أيضاً عينة واحدة من المزامير التسعة الأبجـدية، وليكن مزمور 119، هذا المزمور مركّب من22 فقرة أبجدية، كل فقـرة منها مكونة من ثمانية أعداد، يبتدئ كل منها بالحرف الذى يخص فقرته. إذاً فالرقم 8 - الذى يحدثنا عن « الجديد » - يفرض نفسه على المزمور كله. وهذا منـاسب لأن موضوع هذا المزمور هو حالة الشعب في التجديد (مت19: 28) أي الملك الألفي. فعندما يقطع الرب مع شعبه الأرضي عهداً جديداً فإن الأبجدية كلها (أي كل كلامهم) سيتفق وكلمة الله، التي هي موضوع هذا المزمور العجيب، ويكـاد لا تخلو كل آيات المزمور من الإشارة إليها، لأن الله إذ ذاك سيجعل شريعته فى داخلهم ويكتبها على قلوبهم (أر33:31).
ومثال آخر من سفر المراثي، حيث أصحاحات 1،2،4،5 مكونة من 22 آية على عدد الأبجدية العبرية، وكل آ ية من آيات الأصحاحات 1،2،4 تبدأ حسب الحرف المقابل لها بالترتيب. أما الأصحاح الثالث فيتكون من 66 آية بحيث أن الحرف مكـرر 3 مرات متتالية. فأصحاح ثالث وأبجدية مكررة 3مرات، والجميل أن موضوع الأصحاح هو بالفعل القيامة!

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:16 AM
إعجاز من الأسفار النبوية: في مطلع نبوة يوئيل تَرِد نبوة عجيبة، حتى أن الرب دعا شعبه جميعاً ليسمعوها وليخبروا بها أبناءهم حتى الجيل الرابع، وهذه النبوة هي « فضلة القمص أكلها الزحاف، وفضلة الزحاف أكلها الغوغاء، وفضلة الغوغاء أكلها الطيار »

وقد يبدو للمتأمل السطحي أن الرب يحذر من ضربات الجراد الرهيبة، وكما نعلم فإن ضربة الجراد من أشد الضربات فتكاً، إذ أنها تترك الشعب في حالة رهيبة من الجوع.
لكن بالإضافة إلى هذا المعنى الظاهري، هناك معنى آخر أعمق، ونستدل عليه عندما نعرف أسماء أطوار الجراد المذكورة سابقاً في اللغة العبرية، ومعاني تلك الأسماء، وقيمتها العددية بأن نستعيض عن حروف تلك الكلمات بقيمتها العددية (انظر الفصل السابق) فنحصل على ما يلي:
القمص (وبالعبري جزم) ج ز م؛ والكلمة العبرية تعني يقطع أو يفترس، قيمتها العددية 3 + 7 + 40 = 50
والزحاف (وبالعبري أربة) أ ر ب هـ؛ تعني يكثر أو يزيد، قيمتها العددية 1 + 200 + 2 + 5 = 208
والغوغاء (وبالعبري يلق) ى ل ق؛ بمعنى يلعق أو يلحس، قيمتها العددية 10 + 30 + 100 = 140
والطيار (وبالعبري حسيل) ح س ى ل؛ بمعنى مدمر، قيمتها العددية 8 + 60 + 10 + 30 = 108
لاحظ أنها أطوار أربعة، وأن قيمتها العددية هي على التوالي 50، 208، 140، 108
والآن أيـة رسالة عجيبة متضمنة في هذه القيم العددية لجيش الجراد في أطواره الأربعة المتعاقبة؟ إن هذه الأطوار تمثل لنا إمبراطوريات الأمم الأربع التي تعاقبت السيادة علي الشعب وهي: الكلدانيين والفرس واليونان، والرومان، والقيمة العددية لتلك الأسماء بالعبري تمثل تماماً سني الاستعباد لتلك الإمبراطوريات!
فمن خراب هيكل سليمان على يد الكلدانيين سنة 588ق.م.، حتى سقوط بابل سنة 538 ق.م. = 50 سنة - هذه هي ضربة القمص المفترس.
ومن خراب بابل سنة 538 ق. م.. حتى هزيمة الفرس على يد اليونان سنة 330 ق. م. = 208 سنة - هذه هي ضربة الزحاف، الكثير.
ومن انتصار اليونان سنة 330 ق. م. حتى هزيمة أنتيوخس أبيفانس بواسطة الرومان سنة 190 ق.م.=140 سنة. هذه هي ضربة الغوغاء الذي يمسح الأرض.
وأخيراً من مُلك هيرودس الكبير عام 38 ق. م. حتى خراب أورشليم والهيكل على يد تيطس الروماني سنة 70 م = 108 سنة. هذه هي ضربة الطيار المدمر المتلف!
شفرة الكتاب
كان بداية التفكير في مسألة شفرة الكتاب من أكثر من خمسين سنة، عندما ذكر رابي يقيم في براج بتشيكوسلوفاكيا يدعى فايس ماندل، أنك لو كتبت حروف سفر التكوين، ولم تدخِل مسافات بين الحروف ولا بين الكلمات ولا بين الجمل، بل تكتب الحروف إلى جوار بعضها، تماماً كما كانت تُكتَب في المخطوطات القديمة، وتُسقط خمسين حرفاً وتأخذ الحرف 51 ثم تترك 50 حرفاً آخر وتأخذ الحرف الذي يليه، وهكذا دواليك فإنك ستحصل على كلمة "التوراة". ولقد كرر نفس الأمـر في سفر الخروج، فحصل على ذات الكلمة "التوراة"، ثم كرر الأمر في سفر العدد، وفي سفر التثنية فحصل في كل مرة على نفس الكلمة "التوراة"‍‍‍‍!



كان هذا من نحو خمسين سنة، وأما الآن، وبعد اختراع الكومبيوتر فقد حدثت طفرة عجيبة في ذلك المجال. فلقد ظهر في بداية العام الماضى (1997) في أمـريكا كتاب بعنوان The Bible Code، فأحدث صدوره دوياً عالياً في الأوسـاط الدينية، وتحدثت عنه هناك المجلات وأجهزة الإعلام المسموعة والمرئية. مـؤلف هذا الكتاب "ميخائيل دروسنن" يقول في أول الكتاب أنه سافر إلى تل أبيب في سبتمبر عام 1994 لمهمة محددة؛ أن يحذر رابين رئيس وزراء إسرائيل من خطر اغتياله، بناء على شفرة الكتاب المقدس، حيث أنه في المرة الوحيدة التي فيها يظهر اسم اسحق رابين كاملاً بواسطة الشفرة فإن حادثة إغتياله تتقاطع مع حروف اسمه. ثم لما حدث الاغتيال بعد نحو سنة واحدة من تحذيره هذا، فقد اقتنع المؤلف تماماً أن تلك الشفرة حقيقة مؤكدة.

كانت بداية قصة دروسنن مع شفرة الكتاب عندما نما إلى علمه، عن طريق أحـد أصدقائه في إسرائيل أن هناك كتاباً ذكر حرب الخليج "عاصفة الصحراء" قبل حدوثها بآلاف السنين، هذا الكتاب هو الكتاب المقدس. ولأنه شخص لا تعنيه كثيراً المسائل الدينية، كما يقول هو في مقدمة الكتاب، فإنه في البداية لم يكن متحمسـاً للموضوع، لكن في منزل أحد علماء الرياضيات في أورشليم، وعلي جهاز الكومبيوتر، أراه ذلك العالم كيف أن هناك شفرة في الكتاب المقدس وهذه الشفرة أخبرت بحرب الخليج، وحددّت يوم 18 يناير عام 1991، وذكرت اسم صدام حسين!
يستطرد المؤلف قائلاً إنه في البداية كان متشككاً في الأمر، وبدأ يفحصه ليبين زيفه، لكنه بعد فترة من البحث اقتنع بالأمر تماماً. ثم استمر يعمل في هذه الشفرة لمدة خمس سنوات، فكان من ضمن ما اكتشفه حادثة مقتل رابين. لكنه اكتشف أيضاً عجائب لا تُحصى؛ فلقد أشارت الشفرة إلى انتخاب الرئيس الأمريكي كلينتون، وأشارت أيضاً إلى مقتل السادات، ومقتل جون كنيدي، وفضيحة ووترجيت، وعن الحرب العالمية الثانية، وأفران الغاز وهتلر، وقنبلة هيروشيما، كما أشارت إلى وصول الإنسان إلى القمر ومشيه عليه، كما أشارت إلى المفكرين العظام مثل شكسبير وإديسون وبيتهوفن ونيوتن. . . إلخ إلخ.
ويذكر مؤلف الكتاب الذي يدعم أقواله بالفقرات التوراتية التي تثبت كلامه، أن شفرات الكتاب تختلف تماماً عن كتابات أو نبوات نوستراداموس الفرنسي، والتي يمكن للإنسان أن يفسرها بألف طريقة، إذ أنها تسجل الأحداث بالأسماء والتواريخ بكل دقة!!
وبعد أن يسجل مؤلف الكتاب ما أمكنه كشفه في كتابه هذا الذي يتكون من أكثر من 260 صفحة من القطع الكبير، يؤكد أننا لا زلنا في أول الطريق لاكتشاف مثير، لم تتضح كل أبعاده بعد‍‍.
ونحن ليس لنا تعليق على ما تقدم. فالكتاب منشور حديثاً، ولاشك أنه سيخضع للكثير من البحث العملي والنقد.
لكننا من جانبنا ننحني باحترام أما كتاب الله، ونسجد بخشوع لإله الكتاب الذي في عظمته الربانية « يحصى عدد الكواكب » (مز147: 4) . وفى اعتنائه الأبوي بنا يحصى شعور رؤوسنا (مت10: 30). والذي أعطانا كلمته العجيبة ، الجديرة منا نحن بأن نحصيها ، ونتلذذ بما فيها (مز119: 13،14).
وبفمى حسبتهـا
فخري مدى‏ الدهور قلبى بها مسرور
هي الغنى كل الغنى

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:17 AM
======= 15 =======
التاريخ يشهد له


اسأل القرون الأولى وتأكد مباحث آبائهم. لأننا نحن من أمس ولا نعلم، لأن أيامنا علي الأرض ظل. فهلا يعلمونك؟ يقولون لك ومن قلوبهم يخرجون قوالاً!
(أيوب8: 8-10)

حتى أوائـل القرن الماضي كان الاعتقاد السائد بين معظم الفلاسفة الملحدين أن ما ورد في الكتاب المقدس، لا سيما في العهد القديم، لا يزيد عن كونه قصصاً وهمية لفّقها كتبة الأسفار بغرض تقديم المبادئ الأدبية والروحية بصورة سهلة إلى البشر. لكن منذ ذلك التاريخ، نظراً لتقدم علم الآثار (الأركيولوجى)، ظهرت اكتشافات عديدة جاءت كلها مؤيدة لما أورده الكتاب المقدس من أخبار.
وقبـل أن نستعرض جانباً من هذه الاكتشافات، نريد أن نشير إلى أمرين هامين فى الكتاب المقدس نفسه يؤكدان صحة تواريخ الكتاب، وينفيان شبهة التزوير والتلفيق عنه.
أولاً: توافق السرد التاريخي للكتاب بعضه مع بعض، وعدم تعارض أحداثه الواحد مع الآخر في أدق التفصيلات، حتى تلك الإشارات العابرة التي جاءت عرَضاً في أسفار متباعدة لكتاب مختلفين.
وثانياً: توافق السرد الكتابي مع التاريخ الوضعي.
أولا: توافق السرد التاريخي للكتاب
كأمثلة لهذا التوافق نذكر:
1- يخبرنا سفر الخروج 6: 20 أن عمرام أبا موسي تزوج بعمته يوكابد، (أنظر أيضاً خر2: 1، 6: 16، 18). وهذا الوضع غير المألوف يفسره إشارة عابرة وردت فى سفر آخر وهو أن يوكابد هذه وُلِدت للاوى* في مصر (عد26: 59)، أي بعد ميلاد أخيها قهات بفترة كبيرة. والأرجح أن أخاها تزوج وأنجب بكره عمرام قبل أن تُولد يوكابد، لأنه من إشارة ثالثة وردت في تكوين 38 نفهم أن أولاد يهوذا، أخي لاوي الأصغر منه، كانوا قد تزوجوا وهم في أرض كنعان قبل نزولهم إلي مصر.
2- يخبرنا الوحي في يشوع3: 15 أن موعد عبور الشعب لنهر الأردن حدث فى وقت الحصاد. لكن فى أي فترة من الحصاد؟ نفهم من يشوع 5: 10 أنهم فـور عبورهم الأردن عملوا الفصح في الرابع عشر من الشهر (الأول)، وبعده مباشرة يأتي الحصاد الأول (حصاد الشعير). أما الحنطة فتُحصد بعد ذلك بفترة . ثم من خروج9: 31 نفهم من سياق الكلام أن حصاد الكتان يكون في نفس وقت حصاد الشعير. فإذا رجعنا إلى يشوع2: 6 نجد هناك إشارة عابرة لها قيمتها فيما نحن بصدده إذ يذكر أن راحاب الزانية أخفت الجاسوسين في بيتها، قبيل عبور الشعب للأردن مباشـرة، « ووارتهما بين عيدان كتان لها منضّدة علي السطح » (أي مقطوعة حديثاً ومبسوطة بغرض تجفيفها). فهل هذا الاتفاق بين هذه الأسفار المتعددة، يتفق والقول بأنها ملفقة؟!
3- عندما أرسل موسى الجواسيس الاثنى عشر لتجسس الأرض رأوا هناك الجبابرة بنى عناق. ومن سفر ثانٍ نفهم أن يشوع لما تولى القيادة خلفاً لموسى، فإنه قرض تماماً سكان الأرض، ويضيف قائلاً « فلم يتبق عناقيون فى أرض بنى إسرائيل، لكن بقوا (فقط) فى غزة وجت وأشدود» (يش11: 21،22). ومن مدينة جت التى بقى فيها الجبابرة، خرج بعد نحو 400 سنة ذلك العملاق الجبار "جليات" الذى كان طوله ستة أذرع وشبر، وذلك حسبما نقرأ فى سفر ثالث (1صم17: 4).
4- لما أراد داود أن يجعل والديه فى مأمن من مضايقات شاول الملك لهما، يَرِد فى إشارة عابرة القول « ذهب داود من هناك إلى مصفاة موآب. وقال لملك موآب ليخرج أبي وأمي إليكم حتى أعلم ماذا يصنع لي الله » (1صم22: 3). فلماذا اختار موآب بالذات؟ الإجابة نفهمها من سفر راعوث. فجدة يسى أبى داود هي راعوث الموآبية، فلصِلة قرابة الدم « ودعهما عند ملك موآب » (انظر را4: 17)

ثانيا: توافق السرد الكتابي مع التاريخ.

1- إن ما ذكره الكتاب المقدس في تكوين1، 2، ولخصة الله بالقول « فى ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها واستراح في اليوم السابع » (خر20: 11) يؤيده أن كل شعوب العالم درجت منذ القديم علي اعتبار الأسبوع سبعة أيام، منها يوم راحة! ونحن نعرف أن اليوم محدد نظراً لدوران الأرض حول محورها أمام الشمس، وأن الشهر تحدد نظراً لدوران القمر حول الأرض، وأن السنة تحددت نظراً لدوران الأرض حول الشمس، لكن لماذا تحدد الأسبوع؟ وعلى أي أساس؟ لا نجد إجابة شافية عن اتفـاق كل شعوب الأرض، حتى البدائية منها على هذا الأمر إلا ما ورد فى تكوين 1،2.
2- من النافذة الضيقة المفتوحة في الكتاب علي عالم ما قبل الطوفان، نستدل على أنه كانت قد مرت بالبشرية إذ ذاك ثلاثة عصور: الأول هو العصر الحجري. ثم ابتداء من توبال قايين نقرأ عن اختراع كل آلة من نحاس وحديد (تك4: 22)، مشيراً إلى العصر النحاسي والحديدي. ولاحظ أنه يذكر النحاس أولاً، وهو عين ما يقوله علم التاريخ.
ولأن توبال قايين، وهو سليل قايين يعادل في الترتيب متوشالح حفيد شيث، فإننـا نستنتج أنه كان معاصراً له. وإذ نعرف أن متوشالح ولد سنة 687 من خلق آدم، ومات سنة 1656، فإنه يمكن استنتاج تقسيم معقول لهذه العصور: فالعصر الحجري استمر نحو ثمنمائة سنة، وتلاه العصر النحاسي (أو البرونزي) واستمر نحو خمسمائة سنة ثم الحديدي ثلثمائة سنة.
ويحرص الوحي على أن يسجل أن العصر الحديدي بدأ قبل الطوفان، فما كان ممكناً بناء الفلك قبل بداية العصر الحديدي.
3- شئ آخر يستوقفنا في قول يوسف لإخوته « لأن كل راعي غنم رجس للمصريين » (تك46: 34)؛ لماذا ذلك؟ الأرجـح لأنه كان هناك ملوك رعاة حكموا مصر. ولأنهم كانوا مغتصبين السلطة فإنهم كانوا مكروهين لدى المصريين.
ويعتقد الكثيرون أن الهكسوس هم الذين كانوا يحكمون البلاد وقت نزول إبراهيم إليها، وأنهم كانوا عرباً، أي ساميين. وهذا هو سر كرمهم مع إبراهيم.
لكن كيف يمكن أن يقوم بعد موت يوسف بفترة وجيزة « ملك جديد علي مصر لم يكن يعرف يوسف » (خر1: 8)؛ يوسف الذي أنقذ مصر والعالم من كارثة محققة، والذي ظل لعشرات السنين ثانياً لفرعون؟! الإجابة هي أن ملك سفر الخروج هذا هو بلا شك أول ملوك أسرة جديدة من الأسر التي تعاقبت حكم مصر، فأراد هذا أن يقلل من شأن من تعاونوا مع النظام السابق، أو لعله خلط بين أولئك الرعاة العبرانيين، والملوك الرعاة.
4- وبصدد الحديث عن مصر وتاريخها تُقابلنا عقبة تعترض توافق السرد الكتابي والتاريخ. فمن الكتاب المقدس نعرف أن خلق آدم كان من نحو ستة آلاف سنة، مع أننا نسمع أحياناً أن مصر ذات حضارة عمرها 7آلاف سنة!!
وردّنا على ذلك هو أن المؤرخين الذين كتبوا عن تاريخ مصر لم ينتهوا إلى نتيجة محددة في مسألة هذه التواريخ. والاختلافات بينهم ليست ضئيلة بل إنها تصل إلي قرون. ونسجل هنا شهادة أحد الثقات في هذا المجال وهو المكتشف الفرنسي الشهير شمبليون إذ قال عن أعماله في مقابل الذين يهاجمون الكتاب المقدس « إنهم سيجدون في هذا العمل الرد المطلق علي افتراءاتهم إذ قد برهنت أنه لا يوجد في الواقع أي أثر مصري أقدم من عام 2200 ق.م. ومـع أن هذه بلا شـك تعتبر آثاراً عظيمة لكنها فى نفس الوقت لا تتعارض فى شئ مع التاريخ المقدس بل إني أتجاسر وأقول أنها تؤيده في كل النقاط».
وبهذه المناسبة نذكر حادثة طريفة عن السير وليم رمساى، أستاذ العلوم الإنسانية بجامعة إبرديـن بسكوتلاندا، وقد كان في زمانه أشهر حجة في علم التاريخ والجغرافيا لأسيا الصغرى (تركيا حالياً). وفي غيرته لدراسة كل المصادر المتاحة والوثائق القديمة عن تاريخ تلك البقعة فإنه درس سفر الأعمال وكذلك إنجيل لوقا. وفي البداية درس رمساى هذين السفرين بكثير من التشكك والتحفظ، لكنه بعد سنوات من الدراسة المكثفة، فإن ذلك الذي بدأ متشككاً، أصبح واحداً من أشهر المدافعين عن كتابات لوقا، حتى في أدق وأصغر التفصيلات. هذه التفصيلات البسيطة ، أسرت في البداية ذهنه، ثم ملكت قلبه، وكتب رمساى فيما بعد العديد من الكتب، أحد أشهر هذه الكتب بعنوان "الاكتشافات الحديثة تؤكد صحة ودقة أسفار العهد الجديد" ومما قاله : "إني أعتقد أن التاريخ الذي يقدمه لوقا لا يوجد أجـدر منه بالثقة. وإذا قارنت ما كتبه لوقا، بما كتبه باقي المؤرخين، فإنها هي ستكون بلا شك الأشد تدقيقاً والأكمل شرحاً".
نأتي الآن إلى ما يقدمه علم الآثار (الأركيولوجى) من براهين إيجابية تؤكد صحة ودقة الكتاب المقدس. ودون أن يراودنا الفكر لحظة واحدة أن الكتاب المقدس يحتاج إلى إثبـات من الحجارة الميتة، فإنه بلا شك أمر مثير أن نرى كيف تحمل الآثار الأقدم فى العالم الشهادة لصحة الكتاب الأقدم فى العالم، نعم وتتفق مع الكتاب المقدس فى أدق التفصيلات. وسنقصر الحديث في هذا الموضوع الشيق الواسع على النقاط الأربع الآتية:

أولا: صحة الأماكن المذكورة فى الكتاب المقدس

1- موقع الجنة (تك2)
« وغرس الرب الإله جنة فى عدن شرقاً »
تشير الوثائق الأثرية إلى أن سهول العراق الواقعة جنوب غرب بابل القديمة كانت تُدعي عدن. ونلاحظ أن التوراة تسجل لنا أسماء الرؤوس الأربعة للنهر الذى كان يخرج من عدن ليسقى الجنة. النهر الثالث هو حداقل ويسمى اليوم دجلة. والرابع هو الفرات. أما الأول والثاني فهما فيشون وجيحون. ولقد اكتشف عالم الآثار الألماني "دلتش" قائمة في بابل بأسماء الأنهار الرئيسية التي كانت موجودة قديماً، ومن بينها نهر باسم فيشانو وآخر باسم جيحانو
2- المدن الأولى التى بنيت بعد الطوفان (تك10)
يسجل الكتاب المقدس أن نمرود - مؤسس المملكة البابلية - قد بنى ثماني مدن. وقد تم بالفعل اكتشاف أطلال* سبع مدن. ولم يبق سوى مدينة واحدة لم يستـدل علي موقعها حتى الآن، هي مدينة أكد. وفي وسط أطلال مدينة كالح وهى واحدة من السبع المدن المكتشفة، وتبعد 30 كم جنوب شرق نينوى بالقرب من نهر دجلة، اكتشـف "سير أوستن لآيار"الإنجليزي عام 1845 تمثالاً لثور مجنح باسم "الصياد الجبار" الذي يُرجَح جداً أنه هو نمرود نفسه مؤسس هذه المدينة والذي عنه يرد قول الكتاب المقدس « كنمرود جبار صيد أمام (أى ضد) الرب ».
3- مدينة حاران (تك: 31، 32، أع7: 2-4)
وهي المدينـة التى إليها نزح ناحور أبو إبراهيم وعائلته، وفيها ظلت بقية العائلة بعد ترك إبراهيم لها إلى أرض الموعد (تك24: 4، 38، 28: 2، 10، 29: 4، 5)، الأمر الذي يُستدَل منه أنها كانت وقتها مدينة كبيرة. مع أنها اليوم مجرد قرية صغيرة تبعد نحو 450 كم شمال شرق دمشق. علي أن المخطوطات القديمة أثبتت فعلاً أنها كانت فى غابر زمانها مركزاً تجارياً هاما بحكم موقعها، وأنها كانت محطة للقوافل المارة على الطريق من بابل إلى آسيا الصغرى.

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:17 AM
- مدينة أريحا (يش 6)
عندما نقرأ ما ورد عن مدينة أريحا وملكها في يشوع 6 قد نتخيل أنه كان يحكم على مملكـة كبيرة مترامية الإطراف. فكيف أمكن لرجال إسرائيل أن يطوفوا حول المدينة سبع مرات في يوم واحد؟
إلى أن جاءت الاكتشافات الحديثة فاكتشف موقع أريحا القديم، واتضح أن مساحتها حوالي 7 هكتار، وأن محيطها كـان حوالي 600 متر فقط. فكم يكون من السهـل أن تطوف حوله 7 مرات في اليوم (أي حوالي 4,2 كم). واتضح مرة أخرى أن الكتاب المقدس معه الحق.
5- مدينة حاصور (يش10)
يذكر الكتاب أنها كانت رأس الممالك التي امتلكها يشوع بن نون (أي أقوى تلك الممالك). ولما نقب الباحثون في مكانها ظهرت أطلال المدينة عبارة عن كومتين هائلتين من التراب. الكبيرة تمثل خرائب المدينة والصغيرة للقلعة المجاورة لها، وتحيط بها جدران بسمك 80 متراً. وقدّر البعض أن هذه القلعة كانت تسع نحو 30 ألف مقاتل!!
6- مدينة نينوى عاصمة أشور
توصـف مدينة نينوى في الكتاب المقدس في سفر يونان أربع مرات بأنها مدينة عظيمة مسيرة ثلاثة أيام. ولقد تهكم فولتير على هذا الوصف في زمانه. إلا أن الاكتشـافات التي تمت بعد عام 1842 أكدت أنها مدينة عظيمة تضم عدة مدن أصغر ضمن نينوى الكبرى. وأكدت أن وصف الكتاب هو وصف دقيق.

ثانيا: صحة الحوادث المذكورة فى الكتاب المقدس

1- حادثة السقوط (تك3)
اكتُشف ختم دائري في بابل بطول 28مم يرجع تاريخه إلي نحو 2500 ق.م منقوش عليه شجرة مقدسة في الوسط وعن اليمين يجلس رجل وعن اليسار تجلس امرأة. وخلف المرأة حية كأنها تتحدث مع المرأة!!
إن الشيطـان عن طريق الحية نجح قديماً في إفساد الإنسان، لذا نجد للحية أيضاُ مكاناً بارزاً في العبادة الوثنية، بل وفي عبادة الشيطان التي انتشرت في كثير من بلاد العالم اليوم. ويوجد رسم مصري قديم على أحد الآثار وفيه نرى الخمر مقدمة للحية كأنها إلهة، ونفس الأمر نجده بصورة أو بأخرى في كل العبادات الوثنية تقريباً فى جميع أنحاء العالم.
2- الطوفان (تك6-8)
في كل ديانات العالم، ولدى كل شعوب الأرض وأجناسها المختلفة والمتباعدة لابد وأن تجد قصة أو أسطورة ما، تتحدث عن كارثة عالمية أودت بحياة الكائنات. بل إنها تتفق أيضاً في أن غضب الآلهة العظيم نتيجة شر الإنسان كان وراء هذه الكارثة. هنـاك ما لا يقل عن 33 وثيقة أثرية لشعوب مختلفة تتحدث عن الطوفان. هذا الإجماع، الذى لا نجد له نظيراً بالنسبة لأي حادث آخر، لا يمكن أن يحدث من مجرد الصدفة وحدها، بل لابد أن تكون وراء هذه القصص ذكرى لحادثة خطيرة حدثت قبل أن تتفرق الأمم والأجناس في كل العالم، تركت آثارها الواضحـة على كل الجنس البشرى. أو بالحري لابد أن يكون الطوفان أمراً مؤكـداً، وأن الذين ينكـرونه اليوم إنما يخفى عليهم بإرادتهم، كقول الرسول بطرس (2بط3: 5).
يوجد اليوم بالقـرب من "أور" بالعراق حفرة اكتشفها «سير ليونارد ويلي» عام 1927، بها طبقات صلصال طينية صلبة بارتفاع نحو 3 أمتار وأسفلها وجدت آثار لاستيطان آدمي، الأمر الذي لا يمكن أن ينتج إلا عن كارثة طوفانية رهيبة*
3- برج بابل وبلبلة الألسنة (تك11)
في منطقة أور، وخـلال عمليات التنقيب بها، أُكتشف عام 1924 بناء ضخم له ثلاثة مصاعد إلى أعـلا يرجح الخبراء أنه هو نفسه برج بابل الذي قصد الناس به الوصول إلي السماء - لا إلى سماء الله، لأنهم كانوا قد أبعدوا الله عن فكرهم، ولأن الله قال لما رأى مشروعهم « لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه » فأغلب الظن أنهم أرادوا الوصول إلى طبقات الجو العليا ليسهل عليهم دراسة النجوم فى السماء لكي يعبدوها ولكي يسألوها (قارن إش47: 13، إر8: 2). وبكل أسف لازالت هذه البـذرة، المكروهة عند الله، موجودة حتى يومنا هذا. وعلى صفحات الجرائد في معظم أنحاء العالم تجد باب "اسأل النجوم"!! وكلمـة برج التي ترد فى هذا الباب هي نفس الكلمة التي قيلت عن "برج" بابل، مما يؤيد صحة الحادث كما رواه الكتاب المقدس.
أما عن أمر بلبلـة الألسنة وتعدد اللغات التى ارتبطت بمحاولة الإنسان بناء هذا البرج، فإننا نـورد هنا شهادة العلامة "ماكس مولر" الذي قال "كلما حللنا اللغات تظهر، رغماً عن اختلافاتها، أنها محتوية علي أصول قليلة جداً، وأنها جميعا ترجع إلي أصـل واحد". كما قال أحد الفلاسفة اللغويين في هذا الموضـوع "إن اللغـات وإن اختلفت الواحدة عن الأخرى فهي في مجموعها أجزاء لأصل واحد كما لو كانت قد حدثت زلزلة هائلة فى أحد الأجيال فتتت الصخر القوى ومزقته إلى أجزاء لا عدد لها"!!
4- هزيمة رحبعام ملك يهوذا (1مل14: 25،2أخ12: 2-9)
على جدران معبد الكرنك بالأقصر سجل "شيشنق" فرعون مصر (أول ملوك الأسرة الثانية والعشرين) وصفاً لانتصاره الساحق على رحبعام ملك يهوذا. هذا ما استطاع شمبليون أن يقرأه، ثم تأكد بواسطة كثيرين من بعده.
إنه بلا شك أمر مؤسف أن يقيم العالم نصباً يسجل عليه انتصاره على شعب الله. لكننا في الوقت ذاته نتعزى عندما نتذكر أن هذا النصب يحمل الدليل على قداسة الله الذى استخـدم مصر كعصا لتأديب شعبه «لأنهم خانوا الرب»، بالإضافة إلى الدليل على صدق كلمة الله.
5- مرض نبوخذنصر (دا 4)
لا نجد وسط آثار بابل ومخطوطاتها ذِكراً لمرض نبوخذنصر المذل، والذي استمر سبع سنوات عقاباً له من الله علي كبريائه، وطبعاً ليس متوقعاً أن نجد أثراً لذلك. إلا أن الآثار تسجل أن نبوخذنصر بقي مدة غير قادر علي ممارسة مهام المملكة. كما أنه قد تلاحظ من قراءة الآثار أنه لمدة معينة توقفت جميع أعماله العظيمة علي غير العادة!!

ثالثا: صحة العوائد المذكورة فى الكتاب المقدس:

إن الاكتشافات التى ترجع إلى زمان إبراهيم أكدت أن السرد المذكور فى أسفار موسى ليست من تأليف كهنة مؤرخين عاشوا بعد زمان إبراهيم بقرون عديدة (كم ادعى أصحاب النقد الأعلى)، بـل إنها فى تمام التوافق مع الأحوال التى كانت سائدة فى زمان ما قبل موسى. ففي مدينة "نزى" جنوب شرق نينوى، أوضحت الآثار هناك أن العادة قد جرت وقتئذ أن يتبنى الزوجان العاقران من يسهـر عليهما طيلة حياتهما علي أن يأخذ أملاكهما بعد موتهما. كما جاء أيضاً في آثارها أن الزوجة لها الحق فى أن تقدم أَمَتها لزوجها لتنجب منها أولاداً. وهذا يتمشى مع ما جاء فى تكوين 15: 2، 16: 2، 30: 3.
أما الآثار المصرية فقد دلت، كما قال العلامة روسلينى، على أن المصريين كانوا يتناولون الطعام جالسين بخلاف الشعوب الأخرى الذين كانوا يأكلون وهم متكئين علي الأرض (تك43: 33). كما ذكر المؤرخ يميليكوس أن التفاؤل بالطاس وكذا استخداماته الدينية أو استشاراته (كما يحدث الآن فيما يسمونه قراءة الفنجان)، كان من خرافات المصريين القدماء (تك44: 2، 5، 15، 16). ويوجد في المتحف البريطاني اليوم طاس مليئة بالنقوش أحضرت من أشور المرجح أنها مصرية الأصل حيث يوجد عليها رسم لأبى الهول وللتاج المزدوج وللشمس المجنحة وللجعران المقدس.
ومن العادات التي ذكـرها الكتاب عن المصريين ولازالت حتى الوقت الحاضر مترسبة في أعماق نفسية المصريين: الحزن الثقيل علي الموتى (تك50: 11)، وعادة الأربعين، المرتبطة بفن التحنيط المصري (تك50: 3)، وأيضـاً عدم احتلاق أهـل الميت ولعل هذا هو سبب عدم كلام يوسف المباشر مع فرعون بخصوص سفره لدفن والده، حيث لم يكن من بروتوكولات القصر الظهور أمام فرعون دون حلق (تك50: 4،5،41: 14).

رابعا: صحة الشخصيات المذكورة في الكتاب المقدس:

1- سرجون الثاني (إش20: 1)
هذه الشخصيـة لم يُشِر التاريخ إليها علي الإطلاق. الأمر الذى أتخذه الكافرون حجة ضد الكتاب المقدس. حتى جاء عام 1842 عندما اكتشف "بول بوطا" الفرنسي بقايـا قصره المقام على مساحة 25 فدان، واستطاع أن يحل رموز الكتابة المسمارية المخروطية، فتبين انه حكم أشور من عام 722- 705 ق.م. ومن وقتها تحول هذا الطعن فى الكتاب المقدس إلى حجة قوية تؤكد صدق تواريخه.
ونفس الشيء يقال عن ترتان المذكور أيضاً في نفس الفصل (إش20). فلم يكن أحد يعـرف من هو ترتان هذا، إلا أن الاكتشافات أوضحت أن ترتان ليس اسم علم، بل لقب لقائد الجيش الأشوري.
2- بيلشاصر الملك (دا 5)
إن آخر ملوك بابل كما يذكر التاريخ هو شخص يدعى نبونيدس. ويقال إنه عندما هاجـم الفرس مدينة بابل كان ملكها هذا غائباً عنها فى بورسبا. وأن كورش الفارسي تبعه إلى هناك وأسره دون أن يقتله!!
كل هذا يبدو متعارضاً مع ما ذكره الكتاب المقدس في سفر دانيآل. علي أن السير هنري رولنص اكتشف سنة 1854 من كتابات وجدت في أم قير ببابل أن نبونيدس فى آخر حياته أشرك معه في الملك ابنه "بلشرأزر" وأعطاه لقب ملك. ومن إشـارة عابرة ذكرها الكتاب المقدس يتضح لنا صدق هذا الأمر؛ فإن "بيلشاصر" هذا - كما يسميه الكتاب المقدس - وعد من يفسر القراءة التي ظهرت علي حائـط قصره، بأن يسلطه ثالثاً علي المملكة، وليس ثانياً كما هو المتبع في مثل هذه الظروف (قارن تك41: 40-45، أس10: 3، دا2: 48، 49). وليس من تفسير لهذا سوى أن بيلشاصر هذا نفسه لم يكن الأول فى مملكة بابل، بل الثاني، فلم يستطع سوى أن يعد دانيآل بالمركز الثالث. وظهر كالعادة أن الكتاب المقدس، لأنه هو الحق، فإن معه الحق دائماً.
وماذا أيضاً فى هذا الموضوع الذى من جهته الكـلام كثير عندنا، ولو أن ما قيل فيه يكفي للذي تكفيه الإشارة. لأننا لا نود أن نكون كأصحاب النقد الأعلى الذين يميلون بالأسف إلى أن يصدقوا أساطير البشر المسطرة علي الآثار أكثر من تصديقهـم لله في كلمته الصادقة!! نعم فنحن لا نصدق كلمة الله الحية لأن الحجارة الميتة قد أيّدتها، بلإننافقط نقول مع سيدنا
« أقول لكم إنه إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ »! (لو19: 40).

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:18 AM
======= 16 =======
الكتاب النبوي وكتب ديانات اخرى تشهد للانجيل



وعندنا الكلمة النبوية وهى أثبت، التي تفعلون حسنا إن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير فى موضع مظلم
(2بطرس 1: 19)


النبوات في الكتاب المقدس قسمان: قسم منها خاص بالأيام الأخيرة، وهذه قيمتها أن تعطينا فكر الله من جهة ما هو مزمع أن يعمله في العالم، والقسم الآخر تم في الماضي، وقيمتها أنها تعطينا البرهان القاطع بأن هذا هو كتاب الله. نعم فمن غير الله يقدر أن يخبرنا بالمستقبل؟
لنفرض أنني قلت إن السماء ستمطر في مدينة الإسكندرية في شهر نوفمبر القادم. هذا الكلام لن يدهش أي شخص حتى ولو تحقق كلامي، فعادة ما تمطر السماء في الإسكندرية في شهر نوفمبر. أما إذا ذكرت تفصيلات أخرى؛ فحددت اليوم وذكـرت الساعة والدقيقة التي ستمطر فيها السماء، وحددت المدة التي ستستمر فيها السماء تمطر، فإن هذه التفصيلات تعطى لنبوتي قيمة، مما يجعلها شيئا غير عادى.
طبّق هذا الكلام على نبوات الكتاب المقدس؛ أولاً سيدهشك العدد الكبير للنبوات التي في أسفار العهد القديم، كما ستدهشك الدقة العجيبة في ذكر تفصيلات متنوعة وكلها تمت في دقة عجيبة.
ولقد حسب أحد الدارسين عدد نبوات الكتاب المقدس فوجدها 10385 نبوة. ولهذا فلا عجب أن يطلق الرسول بطرس على هذا الكتاب اسم « الكلمة النبوية » ويضيف قائلاً إننا نفعل حسناً إن انتبهنا إليها (2بط1: 19).
فإذا عرفنا أن الإنسان لا يعرف من أمر غده شيئاً (أم27: 1)، وأنه حتى الشيطان لا يعرف المستقبل، حتى تحدى الله قديما الآلهة الوثنية بالقول « أخبروا بالآتيات فيما بعد فنعرف أنكم آلهة » (أش41: 23)، وأن أمر المستقبل في علم الله وحـده كقول دانيآل لنبوخذنصر « السر الذي طلبه الملك لا تقدر الحكماء ولا السحرة ولا المجوس ولا المنجمون علي أن يبينوه للملك. لكن يوجد إله في السموات كاشف الأسرار وقد عرف الملك نبوخذنصر ما يكون في الأيام الأخيرة » (دا2: 27، 28)، يتضح لنا على الفور أهمية هذا الفصل الذي ندرسه.
النبوات الخاصة بالمسيح
فبالنسبة لعدد النبوات عن المسيح ذكر أحد الدارسين واسمه كانون ليدون، أن هناك 333 نبوة عن المسيح وردت فى أسفار التوراة. ولأن المجال لا يسمح بذكر هذه النبوات جميعها فإننا سنكتفي بذكر أهمها. ونُذكِّر القارئ أن هذه النبوات جميعها توجد فى التوراة التى بين أيدي اليهود الذين لا يؤمنون بالمسيح، مما يجعل مسألة تحريف هذه النبوات أو دسها فى هذه الأسفار غير واردة مطلقاً.

التتميم النبوة ذُكِر عن المسيح أنه
مت1: 22،23 إش7: 14 سيولد من عذراء
مت2: 5،6 مى5: 2 سيولد فى بيت لحم
مت2: 15 هو11: 1 سيلجأ إلى مصر
مت12: 14-21 إش42: 1-4 سيعيش حياة كاملة فريدة
مت21: 4،5 زك9: 9 سيدخل إلى أورشليم راكبا على جحش
يو13: 18 مز41: 9 أحد تلاميذه سيخونه
مت27: 35 مز22: 16 سيموت مصلوبا
مت 27: 57-60 إش 53: 9 سيدفن فى قبر وجل غنى
أع2: 31 مز16: 10 سيقوم من الأموات
أع1: 2، 9، 11، 22 مز68: 18 سيصعد إلى السماء
هناك عالم رياضيات في جامعة باسادينا في كاليفورنيا بأمريكا يُدعى بيتر ستونر اختار أوضح 48 نبوة من هذه النبوات، ثم طبق نظرية الاحتمالات في أن تتحقق تلك النبوات مصادفة في شخص واحد فوجد أن هذا الاحتمال هو فرصة واحدة أمام رقم فلكى يكتب هكذا: واحد وأمامه 181 صفراً.
2- شعوب الأرض والقارات (تك9، 10)
هذه النبوة القديمة على فم نوح يرجع تاريخها إلى ما قبل الميلاد بنحو 2500 سنة. فهل تمّت؟ نعم إنها تمّت بكل دقة.
فعن حام، ومنه عمرَت قارة أفريقيا (القارة السوداء)، لم يذكره نوح عند بركته لأولاده، وهكذا ظلت معظم القارة الأفريقية أجزاء منسية في العالم، بل وأيضاً حلّت اللعنة بعائلته في كنعان ابنه الصغير، فامتلك اليهود أرضهم وأبادوهم منها، لما كمل مكيال إثمهم. وعن سام الذي منه عمرت قارة آسيا قال « مبارك الرب إله سـام »، فجاء كل الأنبياء وكتبة الوحي من نسله. وعن يافث، الذي منه عمرت قـارة أوربا، قال « ليفتح الله ليافث » ففتح الله له، واكتشف نسله الأمريكتين ثـم استراليا. وقال أيضاً « ليسكن فى مساكن سام »، لهذا فإن نسل يافث من قديـم الزمـان؛ من أيام الإسكندر الأكبر كانوا أشهر الغزاة الفاتحين. ففي التاريخ القديم نجد اليونان ثم الرومان وفى التاريخ الأوسط نجد الإيطاليين والأسبان والبرتغال، وفي العصر الحديث الإنجليز والفرنسيين، وأخيراً الروس والأمريكان كلهم من نسل يافث كقول الكتاب المقدس من آلاف السنين.
3- اليهود
سأل مرة فردريك الكبير ملك بروسيا واحداً من قواده كان معروفاً عنه الإيمان بالمسيح: هل تقدر أن تبرهن على وحي الكتاب بكلمتين. أجاب "اليهود يا مولاي". ولا عجب فلقد قال هيجل فيلسوف ألمانيا (1770-1831)، إنه قدر أن يستوعب تاريخ الأمم الأخرى أما تاريخ اليهود فكان أمامه لغزاً معقداً لم يستطع حله" وهاك بعض المتفرقات من النبوات التي قيلت عنهم في الكتاب وتمت في دقة عجيبة:
1- تشتيتهم بين الأمم لشرهم : تحدث موسى نحو عام 1500 ق. م. عما سيحدث لهذا الشعب عندما يخطئون ضد الرب إلههم، وقال إنهم سيتشتتون فى كل العالم مرتين (تث28: 36، 49). وهذا ما تم فعلاً. المرة الأولى كانت بواسطة جيوش الكلدانيين سنة 588 ق.م. والثانية على يد الرومان بقيادة تيطس فاسباسيان سنة 70 م. وها هم اليوم نتيجة هذا التشتيت الأخير موجودون فى كل بلاد العالم! (انظر أيضاً تث4: 27، 28: 64، إر9: 16، حز7:15).
وقبل أن يحدث السبي البابلي بنحو 150 سنة حدد إشعياء اسم الأمة التي ستستعبدهم (إش39: 6)، ثم ذكر إرميا النبي المدة بالضبط التي سيستعبدون فيها، وهي سبعون سنة أو أجيال ثلاثة (إر25: 11، 27: 7). وهو ما حدث بكل دقة بعد ذلك (2أخ 36: 21،22 و دا 9: 2،20-23).
2- رفضهم لمسياهم أولاً وصلبهم إياه : أوضحت النبوات أن اليهود سيرفضون مسياهم أولاً، ثم بعد ذلك سوف يقبلونه. ما أوضح ما جاء بهذا الصدد في نبوة إشعياء 53، حيث يقـول النبي « كمستر عنه وجوهنا، محتقر فلم نعتد به»، وأيضاً زكريا 12 حيث يقول النبي « وأفيض على بيت داود وعلى سكـان أورشليم روح النعمة والتضرعات، فينظرون إلىّ الذي طعنوه، وينوحـون عليه كنائح على وحيد له ». وبناء على ذلك تذكر النبوات أيضاً أنهم سيظلون فترة كبيرة فى حالة الضياع « بلا ملك وبلا رئيس وبلا ذبيحة وبلا تمثال وبلا أفود وترافيم » (هو3: 4)، ومدة هذا الضياع حددها دانيآل في نبوته (دا9) بالتفصيل وهي عبارة عن سبعين أسبوعاً (من السنين)، أي 490 سنة. تمَّ منها حتى الآن 483 سنة خُتِمت بصلب المسيح. ثم انقطع الزمن - إذ تكونت الكنيسة - وبعد اختطاف الكنيسة لابد وأن تتم فترة السبع سنين الباقية، وهي فترة الضيقة.
3- عيشتهم وحدهم دائماً : فهم عندما كانوا فى الأرض ما كانوا يسمحون باختلاط أحد من الغرباء بهم (عز10: 11، نح13: 3، يو4: 9) وحتى بعد تشتيتهم فى العالم كانوا يسكنون معاً فى مناطق خاصة بهم، ولا يختلطون بسواهم. وهو عين ما قالته النبوة عنهم، حتى قبل دخولهم أرض كنعان (عد23: 9).
4- خراب أورشليم وخراب الهيكل : هـذا ما قاله المسيح قبيل صلبه عندما نظر مدينة أورشليم وبكى عليها لأنها لم تعرف زمان افتقادها « ستأتي أيام ويحيط بك أعداؤك بمترسة ويحدقون بك ويحاصرونك من كل جهة، ويهدمونك وبنيك فيك، ولا يتركون فيك حجراً على حجر » ( لو19: 43، 44) انظر أيضاً لوقا 23: 28-31 و متى 22: 7.
أما خراب الهيكل فقد أنبأ به المسيح فى عظته من فوق جبل الزيتون، عندما تقدم تلاميذه لكي يروه أبنية الهيكل، فقال لهم يسوع « أَمْا تنظرون جميع هذه. الحق أقول لكم إنه لا يُترَك ههنا حجر على حجر لا يُنقَض »، وأيضاً « هوذا بيتكم يُترَك لكم خراباً » (مت23: 38، 24: 1،2). ولقد تم كلام المسيح حرفياً بعد 40 سنة، عندما أتى تيطس الروماني وحاصر أورشليم، لكنه - ولسبب غير معلوم - فك الحصار قليلاً عنها. فترك كل المسيحيين أورشليم. ثم جـاء تيطس فى حصار ثان، وأوصى جنوده أن يخربوا المدينة كلها، لكن يبقوا على هيكلها الفخم كتحفة معمارية. وكان كلام تيطس لجنوده يتعارض مع كلام المسيح السابق لتلاميذه. ترى كلام مَنْ الذى يتم؟ هل كـلام نجار الناصرة المتواضع الذي تكلم من أربعين سنة، ثم ترك الأرض، أم كـلام القائـد الظافر الذى هو على رأس جنوده المدربين جيداً على احترام تعليمات قائدهم؟
تذكر سجلات التاريخ أن جندياً ركب فوق آخر وألقى بقطعة مشتعلة داخل الهيكل. وفى أثناء ذلك هبت عاصفة ساعدت على احتراق المبنى بالكامل، مما أدى إلى انصهار الذهب الذي كان يغشّى الهيكل. ويُقال إن الجنود الطامعين فى الحصول على الذهب فصلوا كل حجارة عن الأخرى، وهكذا تمت نبوة المسيح حرفيا.
5- حالة البلاد أثناء شتات الشعب : تصف النبوات حالة البلاد أثناء شتات الشعب وكيف ستكون خربة ومهجورة طوال هذه الفترة (إش6: 11، 12، مي3: 12). ويقول المسيح أيضاً إن مدينة أورشليم ستكون مدوسة من الأمم حتى تكمل أزمنة الأمم (لو21: 24).
6- حالة البلاد فى آخر الأيام : كما تصف النبوات الحالة وقت النهاية بأن البلاد تعمر (حز36: 32-35)، حتى أن يوئيل النبي يصور الأرض في الأيام الأخيرة قبيل أيام الضيقة العظيمة كجنة عدن (يؤ2: 3). وها نحن نسمع كيف امتلأت البلاد بالمدن والمستعمرات، وتضاعفت خصوبة الأرض، وكادت أن تتحول إلى جنة!!
7- رجوع الشعب وبناء الهيكل: يذكر الكتاب المقدس رجوعين لهذا الشعب: الأول فى عدم إيمان، هو ما تم حالياً، ويُعتبَر رجوعاً قومياً، ويشير إليه حزقيال 37: 7، 8 . أما رجوعهم بالتوبة إلى الرب فسيتم بعد اختطاف الكنيسة نتيجة عمل روح الله فيهم خلال فترة ضيق يعقوب ( حز37: 9، 10). ونفس الأمر بالنسبة للهيكل، فإن الكتاب المقدس يعلمناإنه سيُبنَى مرتين؛ الأولى بمجهودهم وحماية الإمبراطورية الرومانية العائدة إلى الحياة، لكنه سيتدنس بالعبادة الوثنية ويخرب. والمرة الثانية سيبنيه الرب نفسه (زك 6: 13). وهم الآن شغوفون جداً لبناء الهيكل. لعلنا كلنا سمعنا عن رغبتهم المحمومة فى إتمام ذلك الأمر.


. يتبع ...

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:19 AM
4- النبوات الخاصة بمصر
لمصر مكان بارز فى نبوات الكتاب المقدس، لعل أشهر النبوات المتعلقة بمصر هى نبوة هوشع عن إلتجاء الرب يسوع فى طفولته إلى مصر، التى تمت بعد نحو 750 سنة (هو 11: 1، مت 2: 15).
1- أولى النبوات: أولى النبوات التى تخص مصر، هي ما قاله الله لإبراهيم عن تغرب نسله فى أرض ليست لهم، وعبوديتهم وذلهم فيها، ثم خروجهم منهـا بأملاك جزيلة بعد أن يوقع الله قضاءه عليها (تك 15: 13، 14). وقد تمت هذه النبوة بحذافيرها بعد ذلك بأربعمائة سنة فى عهد موسى، عندما صنع الرب أحكاماً بكل آلهة المصريين (خر 12: 12).
2- اضمحلال عظمة مصر: أما فى الأسفار النبوية فلنا مثلاً فى إشعياء 19 نبوة كبيرة عن مصر، وكانت مصر قد وصلت فى أيام إشعياء إلى الدرك الأسفل فى الوثنية، جنباً إلى جنب مع روح الكبرياء والاعتداد بالأسلاف القدامى « أنا ابن حكماء » (ع11)! فصدر القضاء الإلهي السريع عليها (ع1)، وهو ما تم بعد ذلك بسنوات، ابتداء من سرجون ملك أشور حوالي 700 ق م، وكان ذلك بداية لاضمحلال عظمة مصر كما ورد فى هذا الأصحاح، إذ بدأت سلسلة من الحروب الأهلية (ع2، 3)، صحبَه ركود اقتصادي (ع5-8)، وتأخرت الصناعات (ع9،10)، وتلفت المحاصيل*(ع6).
3- لا رئيس من مصر: يرى إشعياء شراً آخر فى أصحاح 30، 31 إذ كانت مصر بكل أسف، بدلاً من الله، متكلاً لشعبه! لقد ساعدتهم مرة فأنقذتهم (إر 37: 5 ـ 11) مما جعل فرعون يظن أنه قوة لا تقهر. الأمر الذي ما كان يمكن أن يمر بلا عقاب للمعين والمعان على السواء (إش31: 3 . انظر أيضاً إر42: 13 - 22). عن هذا الشر بصفة خاصة تكلم حزقيال النبي كثيراً (أصحاح17، 29، 30، 31، 32 … )، وأعطى تفصيلات تمت بكل دقة؛ فذكر خراب مصر كلها من شمالها إلى جنوبها (حز29: 10)، وتشتُت أهلها لمدة أربعين سنة (الأمر الذي تم على يد نبوخذنصر ملكبابل*)، انظر إرميا 25: 18،19. لكن النبي قال أيضاً إنهم سيرجعون من الشتات، لكنهم سيكونون أحقر الممالك، رغم أن مصر كانت فى ذلك الوقت فى قوتها، وكانت تلعب دوراً رئيسياً في شئون العالم.
ثم يواصل حزقيال الحديث فى الأصحاح التالى فيوضح « لا يكون بعد رئيس من أرض مصر » (حز30: 13)، وهو عين ما حدث ابتداءً من قمبيز مؤسس الأسرة 27 ثم الإسكندر الأكبر، فالبطالسة، ثم الرومان، ثم العرب، ثم التتار، فالمماليك، فالعثمانين، والأتراك. لقد استمر الحال على هذا المنوال لنحو 2500 سنة، حتى قامت ثورة 23 يوليو لتأخذ مصر من جديد وضعها بين الأمم، وذلك تمهيداً لأحداث هامة تحدث « في وقت النهاية » سبق الكتاب فتنبأ عنها.
4- خراب المدن المصرية: تتحدث النبوات عن خراب كثير من المدن المصرية القديمة، وتهدم هياكلها (إر43: 8 ـ 13، 46: 19، حز30: 14، يؤ3: 19) وكما قال الرب حدث تماماً. ففي عين شمس مثلاً لا يوجد سوى مسلة واحدة فقط تدل على موقع مدينة بيت شمس القديمة، مما يبرهن على أنها خربت تماماً ولم يبق سوى هذه المسلة لتقف شاهدة على صدق نبوة الكتاب. ومدينة صوعن التى كانت لفترة طويلة عاصمة مصر هى الآن قرية صغيرة تدعى "صان" في محافظة الشرقية. أما بوباستس وتدعى الآن تل بسطة في محافظة الشلاقية كذلك، فهي فعلاً تل أو أكمة عالية تشير إلى خرائب المدينة القديمة. ويوجد فى الدلتا أكمات عديدة تدل على مواقع مدن قديمة أمكن الاستدلال على بعضها، ولم يمكن الاستدلال على البعض الآخر، مما يدل على أنها خربت تماماً!!
5- بركة مصر فى النهاية: على أن النبـوة ترى كذلك أموراً مباركة عن مصر، إذ يقول إشعياء « فى ذلك اليوم يكون مذبح للرب فى وسط أرض مصر وعمود للرب عند تخمها .. ويعرف المصريون الرب فى ذلك اليوم » (إش 19: 19-21) وقد تمت هذه النبوة جزئياً أيام بطليموس فيلوميتر(181-146 ق.م)، عندما أرسل أونياس رئيس الكهنة رسالة إليه يطلب فيها بناء هيكل للرب بجوار قلعة بوباستس استناداً على هذه النبوة، فسمح لـه. على أن إتمامها سيكون عن قريب، بعد اختطاف الكنيسة « فى ذلك اليوم يكون إسرائيل ثلثاً لمصر ولأشور بركة فى الأرض، بها يبارك رب الجنود قائلاً مبارك شعبي مصر وعمل يدي أشور وميراثي إسرائيل » (إش19: 24،25).
5- الإمبراطوريات العالمية المتعاقبة
إبتداءً من حكم نبوخذنصر بدأت الفترة التى أسماها الرب يسوع « أزمنة الأمم » (لو21: 24)، وهى الفترة التى بدأت من رفض الرب لإسرائيل، وانتقال عرشه من أورشليم، وتسلم الأمم سلطة حكم العالم. وكان نبوخذنصر هذا (أنظر دا 2) مؤسـس الإمبراطورية البابلية الثانية قد رأى تمثال إنسان فى حلم. وقد فسر دانيآل هذا التمثال بأنه يمثل كل فترة أزمنة الأمم، كما أعطى فى باقي نبوته تفصيلات إضافية، حدثت بعد ذلك، ولازالت، بصورة مدهشة.
1- لقد كان رأس هذا التمثال من ذهب: وشرح دانيآل أنه يمثل الإمبراطورية الكلدانية التي أسسها نبوخذنصر نفسه، وأصبحت إمبراطورية عالمية سنة 606 ق.م. بعد أن هزمت مصر، وقد رآها دانيآل فى حلمه هو (دا7) ممثّلة بأسد (ملك الوحوش) له جناحاً النسر (ملك الطيور).
2- ثم يأتي بعد ذلك الصدر والذراعان من فضة؛ وهذه تمثل مملكة مادي وفارس الأقل فى العظمة والتي تأسست عام 530 ق.م. بعد هزيمتها للكلدانين، وقد رآها دانيآل فى حلمه هو (دا7) فى صورة دب، الذى يتميز بالشراهة. ثم رآها مرة أخرى (دا8) فى صورة كبش له قرنان عاليان؛ القرن الأول يمثل مادي، والثاني يمثل فارس. والواحد أعلى من الآخر، إشـارة إلى تسيد الفرس على الماديين، والأعلى طلع أخيراً؛ لأن الماديين كـان لهم السبق فى البداية. وكورش الفارسي، الإمبراطور الشهير أتت عنه نبوة بالاسم قبل ظهوره بنحو 200 سنة، عندما ذكر إشعياء كيفية انتصاره على ملك بابل (إش44، 45)! كما أنه فى دانيآل 11: 2 نجد وصفاً دقيقاً لفترة تسلط الفرس وحتى هزيمتهم على يد الإسكندر الأكبر عام 231 ق.م.
3- وبظهور الإسكندر الأكبر تبدأ الإمبراطورية الثالثة التى رآها نبوخذنصر فى التمثال كالبطن والفخذين من نحاس. وفى تفسير الحلم يقول دانيآل « مملكة ثالثة أخرى من نحاس تتسلط على كل الأرض ». ونلاحظ أنه لم يقل هذا التعبير بالنسبة لمملكة الفرس، لأنه لم يميز الفرس تسلطهم على كل الأرض كما حدث بعد ذلك مع اليونان. وهو عين ما حدث فى التاريخ.
وقد رأى دانيآل فى حلمه إمبراطورية اليونان هذه فى صورة نمر ـ الذي يتميز عن الوحوش بسرعة الانقضاض على الفريسة - وله على ظهره أربعة أجنحة (للتعبير عن السرعة أيضاً). وهو ما ظهر بوضوح فى الإسكندر الأكبر مؤسس تلك الإمبراطورية، إذ أنه فى أقل من تسع سنوات غزا العالم بأسره.
يذكر المؤرخ اليهودي يوسيفوس أنه في طريق الإسكندر الأكبر لأحد فتوحاته اقترب من مدينة أورشليم، فانفتحت له أبواب المدينة على مصراعيها، وسار إليه كهنة اليهود ومعهم درج سفر دانيآل. ويضيف المؤرخ أنهم أروه النبوة التي ذكرت أن واحداً من مملكة اليونان سيحطم الإمبراطورية الفارسية. فاعتبر الإسكندر أن هذه النبوة تشير إليه، ونتيجة لذلك عرض عليهم أن يطلبوا منه أي معروف يعمله معهم.
وتستمر نبوة دانيآل بالنسبة لهذه الإمبراطورية أيضاً فتصورها في صورة تيس من المعز، جاء من المغرب على وجه كل الأرض، ولم يمس الأرض (من شدة السرعة)، وله قرن معتبر بين عينيه. لكن هذا القرن انكسر سريعاً (صورة لموت الإسكندر وهو فى ريعان شبابه - 32 سنة). ثم بعد الإسكندر قامت مشاجرات كثيرة بين قواده انتهت بتقسيم المملكة إلى أربعة أقسام. وقد ذكر دانيآل هذه الأمور كلها (دا 8، 11) وقبل حدوثها بنحو 300 سنة. ثم ركز الضوء على قسمين من أقسامها الأربعة: ملك الشمال وملك الجنوب، لأن منازعاتهما الطويلة لم تنته بعد؛ فالجزء الأكبر منها تم والجزء الأهم لابد أن يتم عن قريب على نحو ما بينا أثناء حديثنا عن مصر.
4- ثم الإمبراطورية الرابعة* وهى الإمبراطورية الرومانية التى تأسست عام 68 ق.م. على أنقاض الإمبراطورية السابقة لها، والتي رآها نبوخذنصر فى صورة الساقين من حديد؛ إشارة إلى قسوتهم التى لم يشهد العالم لها مثيلاً؛ ولا عجـب - ألم يصدروا الحكم على ابن الله بالصلب، ثم اضطهدوا الكنيسة فى عصور الاستشهاد؟ « لأن الحديد يدق ويسحق كل شئ ».
5- على أن قدمي هذا التمثال وأصابعه العشرة كان بعضها من حديد والبعض من خزف. وفى تفسير دانيآل للحلم يذكر أن الإمبراطورية الرابعة نفسها، فى صورتها الأخيرة، لن تكون كصورتها الأولى، بل منقسمة إلى ممالك عشر (يربطها اتحاد كونفيدرالى). وها نحن الآن نرى الاتحاد الأوربي، والذي سينتهي به الأمر حتماً كما ذكر الكتاب إلى تحالف عشر دول مع بعضها، ومنها سيظهر الوحش الروماني!
حقا إن ما كتبه المؤرخون العظام عن تاريخ تلك الإمبراطوريات، والذي يتكون من آلاف الصفحات لا يخرج عن كونه تفسيراً لهذا الحلم الوجيز الذي رآه نبوخذنصر، والرؤى التي رآها دانيآل والمسجلة في نبوته العظيمة أصحاحات 2، 7، 8، 11.
6- زوال بعض المدن
نكتفي بالإشارة إلى نبوتين عن مدينتين:
النبوة الأولى عن بابل: وردت في نبوة إشعياء، مع أن بابل لم تكن في أيام إشعياء قد بلغت مجدها، ومع ذلك ترد هذه النبوة العجيبة في أصحاح 13 « تصير بابل بهاء الممالك وزينة فخر الكلدانيين كتقليب الله سدوم وعمورة ».
وهناك بلاد كثيرة أُخربت ثم أعيد بناؤها، لكن بابل حتى يومنا هذا ومن آلاف السنين لم تُبنَ. ذلك لأن الله قال عن خرابها « لا تعمر إلى الأبد ولا تُسكن إلى دور فدور ». واليوم يعمل بين أطلالها الأعراب كمرشدين للسياح الذين يزورون آثارها، لكنهم يرفضون رفضاً باتا أن يبيتوا فيها، بسب اعتقاد راسخ ومتوارث أنها مسكونة بالأرواح الشريرة. وعن هذا الأمر أيضاً جاءت الإشارة « لا يخيم هناك أعرابي ولا يربض هناك رعاة، بل تربض هناك وحوش القفر ويملأ البوم بيوتهم وتسكن هناك بنات النعام وترقص هناك معز الوحش » (إش 13).
صوُر: وعن صور أيضاً، وكانت وقت النبوة عنها من أقدم الممالك وأكثرها غنىٍ، جاءت نبوة عجيبة فى سفر حزقيال بأنها ستُهدم وتخرب وأنها ستسوى بالأرض، إذ سيرمى أطلال مبانيها فى البحر « يضعون حجارتك وخشبك وترابك فى وسط المياه .. وأصيرك كضح الصخر فتكونين مبسطاً للشباك لا تبنين بعد، لأني أنا الرب تكلمت يقول السيد الرب » (حز 26).
ورغم أن موقع المدينة ممتاز ويصلح لإقامة مدينة عظيمة عليه، لأن المياه العذبة والـوفيرة، والتي تقدر بنحو 10 مليون جالون يومياً، تُرمى في البحر، إلا أنه - وتتميماً لقول الكتاب المقدس - لم تُبنَ حتى اليوم، ولن تُبنَى. ولا يرى الزائر لموقعها إلا الصيادين وهم باسطون شباكهم للصيد!
ولقد أوضح عالم الرياضيات الأمريكي الدكتور بيتر ستونر، أن احتمال إتمام النبوة الخاصة بخراب صور على نحو ما ورد فى حزقيال 26 لو تُرِك للصدفة هو بنسبة 1 : 75 مليون. ومع ذلك فقد تمت النبوة بحذافيرها!!
7- طابع الأيام الأخيرة
تحدثنا الأجزاء النبوية فى العهد الجديد، بوضوح عن وصف الأيام الأخيرة ويمكن تقسيمه كالآتي:
أولاً : فى دائرة الاعتراف المسيحي
الناس يقسّون قلوبهم ويرتدون عن الإيمان؛ فيرِد في 2تيموثاوس 3 وصف للحالة الأدبية هكذا: « محبين لأنفسهم محبين للمال … محبين للذات » وأيضاً « مستكبرين.. غير طائعين لوالديهم غير شاكرين دنسين.. الخ ». أَيمكن إجمال وصف الناس لاسيما فى البلاد التى أشرق عليها نور المسيحية بكلمات أدق من هذه؟!
ثم في 2بطرس2، 3 نجد وصفاً للمعلمين الكذبة، وللكافرين المستهزئين. أَوَلا يملأ هذان الفريقان العالم المسيحي طولاً وعرضاً كما قال بطرس.
وأخيراً نجد في رؤيا 3 وصفاً للحالة الكنسية العامة (في دور كنيسة اللاودكيين) حيث يرد القول « هكذا لأنك فاتر. . . أنا مزمع أن أتقيأك من فمي ». فالفتور والادعاء الكاذب، وهما السمتان البارزتان للحالة الروحية فى الكنيسة اليوم، سبق الله وذكرهما فى الكتاب المقدس من ألفى سنة.
ثانياً : الحالة الاجتماعية للناس بصفة عامة
الحروب والإرهاب، والسلام يكاد ينعدم؛ فيرِد في لوقا 21 ما يعتبر وصفاً دقيقاً لهذه الحالة: « على الأرض كرب أمم بحيرة ». فها علامات الاستفهام غائرة على الوجوه، والأمراض العصبية والنفسية والقلق أصبحت من سمات العصر. « البحر والأمواج (صورة لجماهير الناس - رؤ17: 15) تضج، والناس يغشى عليها من خوف وانتظار ما يأتي على المسكونة » (ع25،26)، ومن فينا لا يحس بحيرة رجل الشارع العادي، وحيرة رجال الحكم أنفسهم بسبب الإرهاب والجماعات المتطرفة والاضرابات. « لأن قوات السموات تتزعزع » الأمر الذى نراه فى افتقار رجال الحكم للمهابة والاحترام اللذين كانا لهم سابقاً. فأولئك الذين رتبتهم السماء كحكام للحفاظ على الأمن، لم يعودوا هم أنفسهم فى أمان. ولم يشهد أي زمان آخر حوادث عن اغتيالات وانقلابات كما يشهد هذا الزمان الذى نعيش فيه!!
* * * *
بعد هذا العرض السريع لبعض النبوات التى تمت فى دقة عجيبة، هل لازلت فى شك عن أمر هذه الكلمة أو مصدرها؟! « إن قلت فى قلبك كيف نعرف الكلام الذى لم يتكلم به الرب ؟ فما تكلم به النبى باسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذى لم يتكلم به الرب » (تث 18: 21،22).
أرأيت إذاً لماذا يحارب الشيطان هذا الكتاب بكل قوة؟ لأنه الكتاب الوحيد الذي يخبرنا عن نهاية الشيطان ومصيره، الذي هو نفس مصيرك بالأسف إن كنت مصمماً على احتقار كلمة الله.
« فالذي خاف كلمة الرب .. هرب بعبيده ومواشيه إلى البيوت. وأما الذى لم يوجه قلبه إلى كلمة الرب فترك عبيده ومواشيه فى الحقل» (خر9: 20، 21).
يا أخي لا تُعطِ أذناً لحيل الشيطان. اقرأ كلمة الله. وتمسك بثبات بالكتاب المقدس كمعتمدك الكلى.

وسفرُ السما دائمٌ لم يزلْ
وصاحبه من قديمِ الأزلْ
وحدَّد فيه ختامَ الأجَلْ
ومن قد تكبَّر ضاعَ وذَلْ
فكيفَ الهلاكُ به قد وَصَلْ
وبالفعلِ قولُ الكتابِ حَصَلْ
عصا موسى قد بَلعتْ كلَ صِلْ
تحقَّق فيه زوالُ الدولْ
وسلطان ربِّ السماءِ كَملْ
يداً تكتبُ فاعتراه الخبلْ
بآلافِ جيشِه، كيف فَشَلْ
وأفنى الجيوشَ، مضى بالخجلْ
ولكنَّ عند النهارِ تُشَّلْ
وقافلةُ اللهِ سوف تظلْ
لأنها تخشى الضيا المشتعلْ
فإن الثعالبَ خلفَ الجبلْ
فأمسكْ بذا النورِ حتى تَصلْ
نرى في الكتابِ بلوغَ الأجلْ
ومهما تسطَّر فيه عُمِلْ
وتخضرُّ أوراقُها وتُطِلْ
نراها. فهل بعد ذا من مثلْ؟
ويبقى العُواءُ فلا تنذهِلْ
وفيه الغذاءُ وفيه الأملْ! تزولُ الجبالُ وتفنى الدُّوَلْ
وكيف يزول وربُ السماءِ
وسجَّلَ فيه قيامَ الشعوبِ
وأعلن فيه مصيرَ الملوكِ
تحداه فرعونُ مصرَ قديماً
طَوتْهُ المياهُ ومعه الجيوشُ
وكم حاولتْ هدمَه من أفاعي
سلوا دانيآلَ يفسِّرُ حلماً
وقومةَ مُلْكِ السماءِ العظيمِ
سلوا بيلشاصر حين رآها
سلوا سنحاريبَ تحدى الإلهَ
ملاكٌ وحيدٌ من اللهِ جاءَ
فتلك الخفافيشُ بالليلِ تسعى
وتلك الكلابُ ستنبحُ دوماً
وتلك الثعالبُ لابد تعوي
فلا تدهشنَّ لهذا العواءِ
وإنه برهانُ نور السماءِ
ونحن بهذا الزمانِ الأخيرِ
نرى حولنا ما حواهُ الكتابُ
تنبأَ عن دوحةِ التينِ تزهوُ
وها نحن في ذا الزمانِ الأخيرِ
سبيقى الكتابُ على العرشِ نوراً
تصفّحْه دوماً ففيه الضياءُ
زكريا عوض الله

يا أخي لا تُعطِ أذناً لحيل الشيطان. اقرأ كلمة الله. وتمسك بثبات بالكتاب المقدس كمعتمدك الكلى.
* * * *


*يترجم البعض إشعياء 19: 7 هكذا «البردي على السواقي ... تتلف وتتبدد ولا تكون» وهذا ما تم فعلاً فاضمحلت زراعة البردي التي اشتهرت بها مصر في الماضي
*قال الكاتب العربي عبد اللطيف البغدادي (الشهير بابن اللباد) من القرن الثاني عشر «كانت ممفيس مدينة زاهرة أيام إبراهيم ويوسف وموسى، ولوقت طويل أيضاً قبل وبعد هذه الفترة، حتى حكم نبوخذنصر ... إذ ظلت مصر فى حالة خراب أربعين سنة .. والسبب إن ملك مصر ضمن ملجأ لليهود الذين هربوا من وجه نبوخذنصر»117.


لاحظ أن دانيآل حدد عدد الإمبراطوريات العالمية بأربعة فقط. وكم هو مثير أن تعرف أن كل محاولة عملت لإقامة إمبراطورية خامسة قد انتهت بالفشل. فنحو عام 800م. حاول شارلمان إنشاء إمبراطـورية أوربية لم يكتب لها النجاح. ثم حاول نابليون أن يبني إمبراطورية يكتب لها البقاء لفترة أطول، لكنه فشل ومات منفياً في جزيرة سانت هيلانة. وأخيراً جاء هتلر وأسس الرايخ الثالث وحاول إبتلاع كل أوربا، وقد وصل به الغرور أن قال في إحدى خطبه إن إمبراطوريته ستستمر ألف سنة121. لكن الله كان قد قال شيئاً آخر؛ فلقد قال إن مملكة المسيح هي التي ستستمر ألف سنة (رؤ20)، وانتهي هتلر إلي مصير غامض. وكما فشلت كل محاولات إنشاء إمبراطورية خامسة، هكذا فشلت أيضاً محـاولات إحياء إمبراطورية الفرس التي حاول القيام بها شاه إيران المخلوع. ونحن نؤمن أن العالم اليـوم علي وشك مشاهدة لا ميلاد إمبراطورية جديدة، بل إحياء للإمبراطورية الرومانية تحت زعامة روما كما يخبرنا الكتاب المقدس في سفري دانيآل والرؤيا.

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:21 AM
======= 17 =======
دقة محتويات الكتاب المقدس العلمية



لا تكثروا الكلام العالي المستعلي و لتبرح وقاحة من أفواهكم . لأن الرب إله عليم
(1صموئيل2: 3)

بعض الناس يلتمسون العذر للكتاب المقدس عن الأخطاء العلمية التى يظنونها فيه باعتبار أنه ليس كتاباً علمياً، ومجاله يقتصر على الروحيات. ومع أن الكتاب المقدس بالفعل ليس كتاباً علمياً، إلا أنه رغم هذا دقيق جداً من الناحية العلمية، كما سنرى بعد قليل.
وإننا بداية نشكر الرب لأن الكتاب المقدس لم يُصَغ بأسلوب علمي، وذلك للأسباب الآتية على الأقل.
1- لأن الكتاب العلمي يلزم إعادة كتابته كل قرن أو ربما كل جيل ليتمشى مع ما يكتشفه البشر من حقائق علمية جديدة. وهذا ما لا يليق بكتاب إلهي.
2- لأن كتاباً يكتب بأسلوب علمي يكون بعيداً عن متناول البسطاء من البشر، ويستحيل عليهم فهمه. أما كتاب الله المكتوب بلغة روحية وأسلوب إلهي فهو مقدم للجميع. كمياه المحيط التى فيها يسبح الطفل وفيها يغرق العالم.
3- لأن العلم ونظرياته المرتبطة بالعالم الذى يزول، ليس هو غرض الكتاب. فالكتاب أساساً يكلمنا عن الخالق لا الخليقة، وعن خلاص النفس الأبدي لا عن استخدام العالم فى الزمان الحاضر. ولهذا فإنه يخاطب القلب أكثر من العقل.
وقبل الخوض فى هذا الموضوع العظيم دعنا نبدأ بهذا المثال الأولي. فمعروف أن الأجسام تتمدد بالحرارة وتنكمش بالبرودة، وبهذا القانون البسيط يمكن لأي شخـص نصف متعلم أن يؤكد أن الثلج أثقل من الماء، اعتماداً على هذا القانون المعروف. ولـو كان ذلك كذلك لغرق الثلج فى قاع الماء، وبالتالي بعد عدة فصول شتاء فى المناطق الباردة، ونتيجة لتراكم الثلج، فإن كل الأنهار والبحيرات ستتحول إلى ثلج لا يمكن لأشهر الصيف الدافئة أن تذيبها كلها. لكن هذا الاستنتاج الخاطئ بنى على قانون معروف ومسلّم به من الجميع. على أن الله فى عظمته وحكمته جعل فى الماء خاصية مختلفة قبل أن يصل إلى نقطة التجمد، وهذه الخاصية من شأنها أن تجعل الثلج يطفو على سطح الماء ولا يغرق!
والآن كثيراً ما تساءل البشر: هل كلمة الله (التى هي في الواقع الحقيقة الكاملة والصحيحة) تتفق مع استنتاجاتهم المبنية على معرفة جزئية، التي يسمونها العلم؟ طبعـاً لا يمكن أن يكون كذلك، لأن ما كان البشر يؤكدون صحته من خمسمائة عام ظهر خطؤه اليوم، ومن يدرى ماذا سيحدث غداً؟
في سنة 1861 أعلنت الأكاديمية الفرنسية للعلوم عن اكتشافها 51 غلطة في الكتاب المقدس. ثم مرت الأعوام وتقدم العلم وإذا بالعلم يصحح نفسه، وقلّت هذه الأخطاء المنسوبة للكتاب. ثم مع مرور الأعوام اتضح أن هذه الأخطاء كانت كلها أخطاء الأكاديمية لا أخطاء الكتابالمقدس. ولا عجب « لأن الرب إله عليم».
نعم إن الكتاب المقدس ليس بالكتاب العلمي البحت، لكنه مع ذلك يخلو تماماً من أية خرافات كالتي تشملها بعض الكتب القديمة فى ديانات أخرى. بل ويحتوى أيضاً على إشارات علمية دقيقة يستحيل معها أن يكون قد كتبه مجرد بشر عاديين، لاسيما لو تذكرنا فى أي عهد قد كُتب، ومستوى التفكير البشرى وقتها.
وسنشير فيما يلي إلى القليل من الحقائق العلمية الرائعة التي في الكتاب تحت العناوين الآتية:
أولاً: دقة الحقائق الفلكية
1- اتساع الكون وعدد النجوم والكواكب اللانهائي:
إذا رجعنا إلى الماضي لنعرف رأى القدماء عن هذا الأمر، سنجد أن تقدير أفضل العلماء والفلكيين الذين عاشوا حتى عام 150م. هو أن عدد النجوم الكلى يبلغ نحو 3 آلاف نجم. ثم إذا تحولنا لنرى ماذا يقول العلم الحديث عن هذا الأمر سنندهش حقاً. فلقد ورد فى أحد المراجع العلمية عام 1930 أن عدد النجوم فى السماء يبلغ نحو 300 بليون نجم. ثم زادت المعرفة بعد ذلك حتى إنه فى عام 1958 قُسِمت مجموعات المجرات إلى أكثر من 2700 مجموعة، كل مجموعة تحوى على الأقل 50 مجرة، وفى كل مجرة نحو 100 مليون نجم!! فلقد استطاعت التلسكوبات الحديثة رصد النجوم التى تبعد حتى مسافة 2000 مليون سنة ضوئية. على أنه أمكن أخيراً وبالأجهزة المعقدة، رصد النجوم الأبعد من ذلك، والتى لا تعطي ضوءاً ظاهراً!!
والآن ماذا تقول كلمة الله عن اتساع السماوات وعن عدد النجوم؟ إن الرب فى نبوة إرميا يضع الأمرين فى صيغة تفيد استحالة قياس أي منها « هكذا قال الرب إن كانت السموات تُقاس من فوق وتُفحص أساسات الأرض من أسفل فإني أنا أيضاً أرفض كل نسل اسرائيل من أجل كل ما عملوا يقول الرب » ثم لاحظ أيضاً كيف تقرن كلمة الله بين هذين الأمرين « كما أن جند السموات لا يُعَد ورمل البحر لا يُحصى هكذا أكثّر نسل داود عبدي واللاويين خادميّ » (إر31 : 37، 33 : 22)
2ـ كروية الأرض وباقي الأجسام الكونية واستدارة مداراتها:
كان الأقدمون يعتقدون أن الأرض مسطحة. وكان أول من اكتشف استدارتها هو كولمبس عام 1492، ثم جاء من بعده كوبرنيكوس في أوائل القرن السادس عشر وبدأ يشكك فى النظرية القديمة أن الأرض مستوية. إلى أن جاء جاليليو وأكد في أوائل القرن السابع عشر على كروية الأرض. فمـاذا يقول الكتاب المقدس عن هذا الأمر؟
في أسلـوب مجازى يتحدث سليمان (نحو عام 950 ق. م.) عن ظهور الأرض إلى الوجود فيقول « لما رسم (الرب) دائرة على وجه الغمر» (أم8: 27). ويتحدث إشعياء (نحو عام 700 ق. م.) فى نبوته عن عظمة الله بالنسبة للأرض ومن عليها فيقول «الجالس على كرة الأرض، وسكانها كالجندب (أي الجراد)» (إش 40 : 22)

ـ دوران الأرض حول محورها:
عندما قال عالم الفلك "جاليليو" (عام 1564- 1642) أن الأرض تدور حول الشمس اعتبرته الكنيسة وقتها هرطوقاً، وكاد أن يفقد حياته لو لم يتراجع مفضّلاً الحياة على إقناع الجهلاء بما لم يكونوا مستعدين وقتها أن يقبلوه. لكن الكتاب المقـدس من نحو أربعة آلاف سنة سجل قول الرب فى سفر أيوب عن كيفية تعاقب الليل والنهار « هل فى أيامك أمرت الصبح؟ هل عرّفت الفجر موضعه؟ ليمسك بأكناف الأرض . . . تتحول (أي تدور حول محورها) كطين الخاتم، وتقف كأنها لابسة » (أي 38 : 12-14).
ولقد ورد على لسان الرب يسوع ما يعتبر دليلاً جميلاً على هذه الحقيقة عينها، لما قال عن وقت مجيئه الثاني « يكون اثنان على فراش واحد فيؤخذ الواحد ويترك الآخر. تكون اثنتان تطحنان معاً فتؤخذ الواحدة وتترك الأخرى، يكون اثنان في الحقل فيؤخذ الواحد ويترك الآخر » (لو 17 : 34-36). ففي لحظة ظهور المسيح سيكون في بقعة من بقاع الأرض ليل والناس نائمون في فرشهم، وفي بقعة أخرى سيكون الفجر والنساء يجهزن الطعام، وفي بقعة ثالثة فى نفس اللحظة سيكون النهار حيث الرجال يعملون فى الحقل!

4ـ الفضاء السابح فيه الكون:
متعددة هى أفكار الفلاسفة والعلماء الأقدمين بخصوص هذا الأمر والتى لا تخرج، فى ضوء العلم الحديث، عن كونها خرافات مضحكة. فكان فلاسفة اليونان مثلاً يعتقدون أن الأرض عبارة عن أسطوانة مسطحة محاطة بالأنهار(!) وأما الهندوس فكانوا يعتبرون العالم محمولاً على ظهر أربعة أفيال ضخمة واقفة على ظهر سلحفاة تسبح فى محيط العالم(!) لكننا - كما ذكرنا قبل قليل - لا نجد شيئاً كهراء هؤلاء الفلاسفة في الكتاب المقدس.
بل إنه حتى القرن السابع عشر لم يكن لدى العلماء أفكار أفضل من هذه، حتى جاء اسحق نيوتن (1687) ليؤكد نفس ما قاله أيوب بالوحي منذ نحو 4000 سنة « يمد الشمال على الخلاء ويعلق الأرض على لا شيء » (أي 26 : 7).
ولعهدٍ قريب جداً لم يكن أحد يفهم معنى تلك العبـارة الأولى « يمد الشمال على الخلاء »، واعتبره البعض من ضمن التجاوزات العلمية. لكن منذ سنوات قليلة قال أحد الأساتذة فى جامعة بال بأمريكا ما ترجمته "باستخدام أكبر التليسكوبات فى نصف الكرة الشمالي، في المرصد البحري بواشنطن، تم اكتشاف منطقة فراغ عظمى، في الأعماق الشمالية للسماء، تقابل الخلاء الذى كتب عنه أيوب"، وذكـر أستاذ آخـر فى مرصد بركس "إن هناك جزءاً كبيراً في السماء من ناحية الشمال بدون نجم واحد، أو بالحري منطقة خلاء"!!
ثانياً: دقة الحقائق الطبيعية
1- النور:
إن أول عمل قام به الله عند تجديد الأرض المذكور فى تكوين1 هو أن قال « ليكن نور فكان نور » (تك1 : 3). وذلك قبل إبراز الشمس فى اليوم الرابع لتلقى بنورها على الأرض. ما أعجب هذا، فلقد كان تفكير الإنسان إلى عهد قريب أن الشمس هى المصدر الوحيد للنور، لكن أمكن حديثاً إكتشاف مصادر أخرى للنور فى الطبيعة بخلاف الشمس، مثل الأشعة البنفسجية وفوق البنفسجية وأشعة إكس!
ولكن يلفت النظر أيضاً أن الكتاب لا يقول إن الله خلق النور، لأن النور كان موجوداً قبل ذلك « الله نور » (1يو1: 5)، « ساكنا فى نور لا يدنى منه » (1تي6: 16). وكذلك لم يقل إنه عمله، لأن النور ليس مادة بل حسب تعريف العلم الحديث عبارة عن كمات (فوتونات) ذات طاقة محدودة، تصاحبها ذبذبات سريعة فى شكل موجات تنتشر فى الأثير. ولذا قال الله « ليكن نور ». وهذه الكلمة من الكلي القدرة كونت الفوتونات وأنشأت الذبذبات المصاحبة لها، فكان النور. وهو عين ما قاله بولس فى العهد الجديد « الله الذى قال أن يشرق نور من ظلمة » (2 كو4: 6، أنظر أيضاً إش 45: 7).
وفى حديث الرب مع أيوب والمسجَّل فى سفر أيوب 38-41 لا يسأل الرب أيوب: أين يسكن النور؟ بل « أين الطريق إلى حيث يسكن النور؟» (أي 38: 19) فالنور لا يسكن فى مكان بل فى طريق إذ يقول العلم إنه يسافر بسرعة حوالى 297000 كيلومتر/ثانية.
وكون الضوء عبارة عن موجات، فهو إذاً فى طبيعته مثل الصوت مع الفارق أن موجاته مستعرضة وتردد ذبذباته أعلا، بينما موجات الصوت طولية وترددها أقل. وأجهزة الاستقبال السمعية عند البشر تتعامل مع الصوت بينما لا تتأثر بالضوء. فنحن لا نسمع صوت النور. وهذا عين ما قاله المرنم فى مزمور 19 «السموات تحدث بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه .... لا يسمع صوتهم».
وعن حقيقة انكسار الضوء عندما يدخل إلى الغلاف الجوى للكرة الأرضية، نتيجة تغير طبيعة الوسط؛ تأتى كلمات الله لأيوب عندما يشير إلى انكسار الضوء عند دخوله إلى مجال الأرض نتيجة كثافة الجو، مشبهاً الأشعة تشبيها شعرياً فى منتهى الدقة كالأصابع المنحنية لتقبض على الأرض، إذ يقول « ليمسك (الضوء) بأكناف الأرض » (أي 38: 12، 13).

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:21 AM
2ـ دورة الماء فى الطبيعة:
إن سقوط الأمطار مكونة الأنهار، ثم انصباب الأنهار فى البحار والمحيطات، ثم حدوث البخر نتيجة لأشعة الشمس فترتفع أبخرة الماء إلى طبقات الجو العليا، وهذه تتكثف نتيجة للبرودة في هذه المناطق فتتكون السحب وتنزل الأمطار؛ وهكذا؛ هذه الدورة التي اكتشفت من قرون قريبة، أسماها أليهو هذه التسمية الدقيقة « موازنة السحاب »! (أي 37 : 16). كما أشار إليها سليمان فى معرض الحديث عن خواء كل شئ، وأن ما كان هو ما يكون فليس تحت الشمس جديد، عندما قال « كل الأنهار تجرى إلى البحر والبحر ليس بملآن. إلى المكان الذى جرت منه الأنهار إلى هناك تذهب راجعة » (جا 1: 7-10 انظر أيضاً أى 36: 27-28، عا5: 8).
أما عن كيفية نزول المطر، فقد كانت النظرية لعهد ليس ببعيد أن الماء المتبخر يتجمع فى سحب هائلة حتى يصبح وزنه أثقل من أن يحمله الجو فينزل على هيئـة مطر بفعل قوى القص (Shearing Force) الناتجة عن الجاذبية، إلى أن اكتشف عالم الطبيعة المشهور "اللورد كلفن" هذا الاكتشاف الذى جعل اسمه يلمـع، وهو أن المطر يحدث دائماً بسبب تفريغ شحنة كهربية فى الجو، وأن البروق تُحدث الأمطـار. والعجيب أن هذه الحقيقـة أشار إليها الكتاب المقدس من آلاف السنين « المُصعِد السحـاب من أقاصي الأرض ... الصانع بروقاً للمطر » (مز 135 : 7 انظر أيضاً أر10: 13، 51: 16).
ولقد حدث أن كان أحد ضباط الجيش الأمريكي يلقى على زملائه محاضرة عن الكهرباء، وأخذ يشرح هذا الاكتشاف العظيم للورد كلفن، وكان هذا الضابط مؤمناً، فأشـار إلى كتاب قديم كان معه، وقال "لكنى أيها السادة أمتلك كتاباً أقدم من جون كلفن بكثير، سبق اللورد في اكتشافه العظيم هذا" .. هذه المفاجأة أثارت شغف الضباط، مما جعلهم بعد المحاضرة يلتفون حول الضابط ليسألوه عن هذا الكتاب القـديم الذى أشار إلى اكتشاف كلفن، فأخرج لهم الكتاب المقدس وقرأ لهم مزمور 135: 7 وإرميا10: 13، 51: 16.
3ـ إستهلاك كتلة الأجرام السماوية:
يظن كثير من الناس أن الأجرام السماوية باقية منذ بدء الخليقة وستستمر كما هى حتى نهاية الزمان. على أن العلم الحديث أوضح أن نتيجة ما تشعه تلك الأجرام من طاقة حرارية وضوء فإنها تفقد مقداراً معيناً من كتلتها باستمرار.
وهذه الحقيقة العلمية الدقيقة أشار إليها الكتاب المقدس فى أسلوب غاية فى الروعة من نحو ثلاثة آلاف سنة عندما قال مخاطباً الرب « من قدمٍ أسست الأرض والسماوات هى عمل يديك، هي تبيد وأنت تبقى، وكلها كثوب تبلى. كرداء تغيرهن فتتغير» (مز102: 25، 26، عب1: 10 ـ 12). وكيف يبلى الثوب؟ إنه لا يبلى فجأة، بل يعتريه القدم يوماً بعد يوم، وتتناقص جدته شيئاً فشيئاً. وبهذه الطريقة عينها تبيد الأجرام السماوية على مدى الآلاف من السنين.
4ـ تحلل العناصر:
وأيضاً حتى أوائل القرن العشرين كان اعتقاد الناس أن العناصر هى أبسط صور المادة وأنه يستحيل تحللها. أو باللغة العلمية كانوا يعتقدون باستحالة انقسام الذرة. لكن عندما جاء ألبرت إينشتين بتفجيره النووي في أوائل هذا القرن، ونتج عن هذا التفتيت طاقة رهيبة وحرارة هائلة، تغير اعتقاد الناس. لكن الكتاب المقدس من ألفى عـام، مستخدماً الرسول بطرس، صياد السمك، سبق وتحدث عن هذا الأمر إذ قال « يوم الرب الذى فيه تزول السماوات بضجيج وتنحل العناصر محترقة … فبما أن هذه كلها تنحل أى أناس يجب أن تكونوا أنتم… منتظرين وطالبين سرعـة مجيء يوم (الله) الذى به تنحل السموات ملتهبة والعناصر محترقة تذوب »! (2بط 3 : 10ـ 12)
ثالثاً : دقة محتوياته وإشاراته الهندسية
1 ـ شكل الفلك وأبعاده:
لما أراد الله أن يخلّص نوحاً وبيته، وأن يحفظ أجناس المخلوقات المختلفة من هلاك الطوفان، لم يكتفِ بأن طلب منه أن يصنع فلكاً، بل أعطاه الله أيضاً الأوصاف الرئيسية للفلك. فليس في أمر الخلاص مجال لتدخل الفكر البشري.
على أن أبعاد الفلك المذكورة في سفر التكوين، تعتبر من وجهة النظر الهندسية أبعاداً مثالية لسفينة كبرى لا تتأثر بالأمواج وتصلح للملاحة بهدوء. فنسبة الطول إلى العرض 6 : 1، هى أفضل نسبة من جهة التوازن والتموج والانقلاب. عن هذا قال أحد خبراء بناء السفن من كوبنهاجن بعد أبحاث فى هذا الموضوع: "إن الأمر الملفت للنظر بالنسبة لهذه الأبعاد أنه بعد آلاف السنين من الخبرة فى مجال بناء السفن، علينا أن نعترف أن النسبة المثالية لسفينة كبيرة هى نفـس نسب فلك نوح فى تكوين 6". وقال أيضاً الدكتور هنري موريس عن نفس الموضوع "إن الفلك بأبعاده الواردة فى سفر التكوين لا يمكن أن ينقلب إلا إذا وقف رأسيا".
2ـ سعة الفلك وتهويته:
حسبت سعة الفلك باعتباره لم يصمم بغرض السفر بل فقط للطفو فوق الماء، وبالتالى كان مفلطحاً من قاعه ومربعاً من الأطراف وقائم الزوايا، بلا مقدمة أو مؤخرة (مما يزيد السعة بمقدار الثلث عن السفن العادية). وباعتبار وحدة القياس المستخدمة، وهى الذراع تساوى نحو 52.5 سم فإن السعة هى نحو 65 ألف متر مكعب، وهى تعادل حمولة عشرين قطاراً للبضاعة يحتوى كل منها على 60 عربة من نوع العربات المستخدمة حالياً.
وهى بلا شك حمولة تكفى تماماً المخلوقات والطعام اللازم لها. لاسيما إذا تذكرنا أن الله قد أمر نوحاً أن يأخذ معه من الطيور والحيوانات كأجناسها* (Kinds) وليس من كل أنواعها (Varices).
هذا المكان الفسيح بما فيه من تجمع ضخم للكائنات الحية كان يحتاج إلى نظام تهوية دقيق لتنفسها، فجاء أمر الله بأن تُرفع جوانب الفلك الأربعة إلى أعلا تاركة نافذة باستدارة الفلك، وتكون تحت السقف مباشرة وعرضها ذراع واحد. وهو ما يعطى نافذة مساحتها نحو 200 متر مربع وهى مساحة تكفى تماماً لتجديد الهواء داخل الفلك. ولقد أشـار الكتاب إلي أن هذه الكوة المستطيلة بطول الفلك هي « من فوق »؛ أي في أعلى الفلك. وهذا ما يتفق مع أفضل أساليب التهوية حيث تعمل تيارات الحمل على رفع الهواء الساخن نتيجة التنفس إلى أعلى ليحل محله هواء نظيف قد تجدد بواسطة هذه الكوة.
3ـ العوازل المضادة للحريق:
منذ عدة سنوات فقط اكتشف بعض العلماء أن الباب الخشبي المجلد بإحكام بالنحاس هو مقاوم تماماً للحريق. وقد قُبِل هذا الاكتشاف من قسم الحريق بلندن إذ أختُبِر هناك فتحمل كل الاختبارات، واعتُمِد باعتباره تأميناً كاملاً ضد الحريق. لكن الله منذ نحو 3500 سنة وهو يعطى تعليمات خيمة الاجتماع لموسى أمره أن يصنع مذبح النحاس، وهو المكان الذي لم تكن النار تنطفئ عليه نهاراً وليلاً، من خشب السنط المغشى بالنحاس!! (خر 27 : 1، 2و لا 6 : 12، 13).
رابعاً : دقة الإشارات والإرشادات الطبية
الدورة الدموية: من الإشارات الفسيولوجية الدقيقة التى سبق الكتاب المقدس فيها العلم بما يزيد عن 2500 سنة نذكر الدورة الدموية التى اكتشفها العالم "وليم هارفي" سنة 1615م.، لكن سليمان سبق وتحدث عنها في سفر الجامعة 12 بأسلوب مجازي لكنه دقيق علمياً، مشبهاً إياها بالجرة على العين التى تنقل مادة الحياة إلى حيث يلزم. كما يشير أيضاً إلى الحبل الشوكي، والجمجمة التي تحتوى على المخ (حبل الفضة وكوز الذهب). وإذ يبطل عمل كل من الجهاز العصبي والجهاز الدوري « يرجع التراب إلى الأرض التى أخذ منها». وهذه الإشارة الأخيرة أكدها أيضاً علم التحليل الكيميائي الحديث الذى أثبت أن جسم الإنسان يتألف من 16 عنصراً جميعها في تركيب التراب!
ارتباط الجسد الفسيولوجى: ولقد أشار الكتاب المقدس إلى الارتباط الفسيولوجى بين أعضـاء الجسم وأنظمته المختلفة بقوله « إن كان عضو واحد يتألم فجميع الأعضاء تتألم معه » (1 كو12 : 26). وحتى اليوم، برغم التقدم الهائل في أنظمة التحكـم الآلي، فإنه باعتراف العلماء المتخصصين لا توجد في كل العالم آلة تعمل بارتباط وثيق بين كل أنظمتها المختلفة نظير جسم الإنسان!
الحياة في المخ: أما ما يقوله الطب الحديث أن حياة الإنسان هي في مخه، أي في الرأس فإنه يتمشى مع ما ذكره الكتاب المقدس عرضاً، من أن المسيح وقد صار رأساً للكنيسة بعد الموت والقيامة والصعود، وأرسل الروح القدس ليربط المؤمنين معـاً معه كالرأس فى السماء فإنه أصبح حياتنا (كو 3 : 1 ـ 4). كقوله الحلو «أنى أنا حي فأنتم ستحيون» (يو 14 : 19).
ضربة القمر: ولقد أشار الكتاب المقدس في مزمور 121 إلى حفظ الرب لأتقيائه من ضربة الشمس في النهار وضربة القمر في الليل. وثبت فعلاً أن القمر، لاسيما في البيئة الصحراوية، له تأثير ضار وينتج عنه أحياناً العمى أو الجنون.
الصحة العامة: ويشير الكتاب المقدس أيضاً إلى كثير من الأوامر الإلهية التى طلب الله من الشعب القديم إتباعها وأثبت العلم الحديث أنها إرشادات صحية على جانب عظيم من الأهمية بالإضافة إلى ما فيها من تعاليم روحية مباركة نذكر منها على سبيل المثال: التمييز بين الحيوانات والطيور الطاهرة والنجسة (لا 11)، وكذا عدم أكل لحم الحيوان الميت (تث14 : 21). وعدم أكل الشحم (أي الدهون)، نظراً لعلاقته بنسبة الكولسترول فى الدم وتضييق الشرايين (لا7 : 23 ـ 25). وعدم الشرب من المياه الراكدة أو الموضوعة فى إناء مفتوح أو التى تدنست بوقوع حيوان ميت فيها (عد 19 : 15، 17، لا 11 : 29 ـ 36). وكذا حتمية عزل الأبرص (لا 13). وعدم السماح بزيارة المرأة الوالدة، حماية لها من توافد الزوار الكثيرين إليها حرصاً على حياتها وحياة مولودها. وكذا ختان المولود الذكر فى اليوم الثامن (لا 12)، ولقد اتضح أخيراً أن اليوم الثامن هو بالفعل أنسب وقت لهذه العملية سواء من جهة تحمل الطفل، أو سرعة تجلط الدم. وغير ذلك الكثير جداً
****
« يا ابني إن قبلت كلامي وخبأت وصاياي عندك ... فحينئذ تفهم مخافة الرب وتجد معرفة الله . لأن الرب يعطى حكمة . من فمه المعرفة والفهم » (أم2: 1-6).

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:22 AM
======= 18 =======
معضلات لا يحلها إلا الكتاب المقدس


إلى الشريعة وإلى الشهادة إن لم يقولوا مثل هذا القول فليس لهم فجر
(إشعياء8: 20)

في مجال العلوم الطبيعية
اقتنع الجيولوجيون جميعاً من دراسة مكونات الأرض وغيرها أن هناك بداية للإنسان، وقبل ذلك كانت بداية للثدييات، وقبلها بداية للطيور والزحافات والأسماك. بل وحتى الحيوانات الدنيئة لها بداية. ونفس الشيء في عالم النبات. وكذلك للجبال والصخور، للأراضي والبحور. وتختلف تقديرات العلماء لهذه البداية؛ فهناك مثلاً من يقدر عمر الأرض بنحو10 مليون سنة، وهناك من يصل تقديره لعمرها إلى10 آلاف مليون سنة. لكن الكل – مع اختلاف تقديراتهم - مُجمِع أن الأرض وما فيها لها بدء.
ولقد سبق أن رأينا في الفصل السابق كيف أثبت العلم أن كتلة الأجرام السماوية تتناقص باستمرار، مما يثبت استحالة أزليتها. وهكذا فإن الكون كله، بسماواته وأرضه، له بداية. العلم يؤكد أنه لابد أن يكون له بدء. أما الكتاب المقدس فبسلطان إلهي يقرر في أول كلمات له « في البدء*خلق الله السموات والأرض ».
والعلم لم يستطع أن يقدم تفسيراً عن كيفية هذه البداية. لأن العلم حقيقة يبدأ من حيث انتهى الخلق، فيفسر مظاهر الخليقة. أما كيف نشأ الكون، فلا فلسفات الأقدمين ولا أبحاث المتأخرين قدمت الإجابة الشافية على هذه المعضلة.
فهل عند الكتاب المقدس الحل؟ نعم، لأننا « بالإيمان نفهم أن العالمين أُتقِنَت بكلمـة الله حتى لم يتكون ما يرى مما هو ظاهر» (عب11: 3). حقاً إننا « بالإيمان نفهم »، وبدونه لا يمكن أن نفهم.
في أوائل القرن العشرين ظهرت نظرية العالم الرياضي الفذ ألبرت اينشتين التي تقول:
الطاقة (الناتجة) = الكتلة (المفقودة أو المتحولة) × مربع السرعة (سرعة الضوء)


وبمسـاعدة هذه النظرية أمكن تحويل الكتلة إلى طاقة؛ تفتتت الذرة وتلاشت كتلة بسيطة منها، ونتج عن ذلك طاقة رهيبة. كما أمكن مؤخراً حدوث العكس فتحولت الطاقة الهائلة إلى كتلة بسيطة.
هذا ما حدث بالنسبة للخلق. ففي الأزل حيث لم يكن سوى الله الكلى القدرة، كانت كلمته المصحوبة بالقوة العظيمة جداً، هي الوسيلة لإيجاد هذا الكون « أَلا تعلمون؟ ألا تسمعون؟ أَلم تُخبَروا من البداءة؟ أَلم تفهموا من أساسات الأرض؟ ... ارفعوا إلى العلاء عيونكم وانظروا من خلق هذه .. لكثرة القوة وكونه شديد القدرة لا يُفقَد أحد » (إش40: 21-26).
إذاً فالخلق بكلمة قدرة الله ، كما يقول الكتاب، هو الحل الوحيد المعقول والمنطقي للمعضلة.
في مجال علم الحياة
يعتبر العلماء اليوم أن كل أشكال الحياة، هي نتيجة ظروف عشوائية تحركت بعملية تطور خلال ملايين وبلايين السنين. فبالأسف قد أسقط غالبية العلماء الله من حساباتهم. وكتعبير وليم كلي جعلوا الحقب الطويلة إلههم، والظروف العشوائية إلهتهم، وبتزاوجهما معاً نتج الكون كله وما عليه حتى الإنسان.
على أنه ليس لدى العلماء دليل إيجابي يقدمونه على نظريتهم هذه، بل إنها مبنية على افتراضات. ورغم أن نظريتهم هذه اصطدمت بعقبات كثيرة، أشهرها "الحلقة المفقودة" في سلسلة التطور، فكل ما ظنوه مكملاً لهذه الحلقة اتضح أنه هزل في موضع الجد*، إلا أنهم يعتبرونها أكثر معقولية من قبول الله. فيا للأسف!!
لكن حتى لو اكتملت هذه الحلقات كلها، تبقى نظريتهم عرجاء. لأن ظهور نوع من حياة أرقى، ناتج من حياة أدنى، حتى لو حدث، لا يعنى الخلق. ويظل السـؤال من الذي أوجد الحياة في صورتها البدائية حيث لم يكن أحد ليوجدها، ولا شئ لتنشأ عنه عشوائياً؟
لن نجـد الحل الصحيح سوى في الكتاب المقدس. قال الله « نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا » (تك1: 26). لاحظ الدقة العجيبة هنا؛ فإن تعبير الخلق (وهو إيجاد شئ لم يكن له سابق وجود، من لا شيء) لم يرد في تكوين1 سوى ثلاث مرات فقط. ففي البدء خلق الله السماوات والأرض (ع1)، أي خلق الله المادة، أما تغير أشكالها فليس بخلق. ثم في اليوم الخامس خلق الله النفس الحية في الحيوانات. لأنه مهما حاول البشر إيجاد الحياة من المواد الكيماوية والهواء فقط كما زعـم بعض الفلاسفة الملحدين هو هراء. وقول الماديين إن الإنسان مجرد مادة متحركة هو زعم باطل. الله وحده هو الذي يعطى الجميع حياة ونفساً وكل شئ (أع 17: 25). ثم بعد ذلك في اليوم السادس قال الله « نعمل الإنسان ».
والإنسان كائن ثلاثي : جسد يربطه بالأرض التي منها أُخِذ، وهو في هذا يشبه النبات، ولا يستوجب تكوين الجسد خلقاً من الله. ثم نفس، بها يشعر ويتألم ويفرح إلخ، مثـل ما للحيـوان. ونظراً لأن النفس قد خُلِقَت في اليوم الخامس فلم يستوجب تكوينها في الإنسان خلقاً جديداً. لكن بعد أن جبل الرب الإله آدم من الأرض تراباً، فإنه اختصه دون سائر المخلوقات بأن نفخ فيه نسمة حياة (هي الروح)، وبها أصبح الإنسان هو الكائن الوحيد الذي له توافق أدبي مع الله، كما له صفة الخلود. لذا تـرد كلمة الخلق للمرة الثالثة في تكوين1، فبعد أن قال الله « نعمل الإنسان » (ع26)، يرد القول « فخلق الله الإنسان » (ع27)!
هذا ما يقوله الكتاب المقدس عن أصل الإنسان. وقديماً قال فلاسفة الإغريق إننا ذريـة الله (أع17: 28) وهم في هذا على صواب، بعكس ما قاله الفلاسفة أخيراً إننا ذرية القرود!! يا ليتهم أنصتوا إلى كلام بلدد الشوحي « تعقلوا وبعد نتكلم. لماذا حسبنا كالبهيمة وتنجسنا في عيونكم؟!» (أى18: 2، 3).
وهكذا مرة ثانية يقدم الكتاب المقدس حلاً لمشكلة لم يستطع العلم للآن ولن يستطيع أن يعطى لها حلاً.

في مجال علم الفلسفة واللاهوتيات
الله، الواحد الأزلي، تُرى ما الذي كان يفعله خلال الأزلية السحيقة، قبل أن يخلق الكـون وما فيه من ملائكة وبشر؟ في الأزلية، حيث لم يكن أحد سواه ماذا كان يفعل؟ هل كان يتكلم ويسمع ويحب، أم أنه كان صامتاً معتزلاً وفي حالة سكون. إن قلنا إنه لم يكن يتكلم ويسمع ويحب، لكان معنى ذلك أنه قد طرأ عليه التغيير، لأنجه قد تكلم إلى الآباء بالأنبياء، كما أنه اليوم سامع للصلاة ، كما أنه يحب إذ أنه الودود. نعم؛ إن قلنا إنه كان ساكناً لا يتكلم ولا يسمع ولا يحب، ثم تكلم وسمع وأحب فقد تغير، والله تعالى منزه عن التغيير أو التطور؛ لأنه الكامل أزلاً وأبـداً. ومن الجانب الآخر إن قلنا إنه كان يتكلم ويسمع ويحب في الأزل، قبل خلق الملائكة أو البشر، فمع من كان يتكلم؟ ولمن كان يسمع؟ ومن كان يحب؟!
إنها حقـاً معضلة، حيّرت الفلاسفة، وجعلتهم يفضلون عدم الخوض في غمارها إذ شعـروا بأن حلها ليس عندهم. وقد عبر أحدهم على ذلك بالقول "البحث في ذات الله إشـراك، والجهل بذاته إدراك". وقال آخر "تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا، لأنه مهما خطر ببالكم عنه فهو بخلافه".
أما الكتاب المقدس فلأنه كتاب الله الذي فيه أعلن الله لنا ذاته، فقد أخبرنا أن هذا الإله الواحد ثلاثة أقانيم "متحدون دون اختلاط أو امتزاج، ومتميزون دون افتراق أو انقسام". وبهذا فإن الله الواحد كان في الأزل يمارس كل الصفات والأعمال الإلهية من حديث واستماع ونظر ومحبة .... إلخ، بين أقانيم اللاهوت، بل وقبل وجود المخلوقات، وبغض النظر عن وجودها، لأن كماله، له المجد، يقتضي أن يكون هو مكتفياً في ذاته بذاته.
إذا فوحدانية الله ليست وحدانية مجردة أو مطلقة، بل هي وحدانية جامعة مانعـة؛ جامعـة لكل ما هو لازم لها، ومانعة لكل ما عداه. وبناء على ذلك فإن الله منذ الأزل هو كليم وسميع، محب ومحبوب، ناظر ومنظور، دون أن يكون هناك شريك معه، ودون احتياجه جلّت عظمته – إلى شئ أو شخص في الوجود. فليس من المنطقي أو المعقول أن صفات الله كانت عاطلة في الأزل، ثم صارت عاملة عندما شرع في الخلق!
ومع أنه ليس في دائرة الملموسات وحدة شبيهة بهذه الوحدة الجامعة المانعة، إلا أنه أمـر طبيـعي أن يكون الخالق أسمى من المخلوق « فبمن تشبهونني فأساويه يقول القدوس » (إش40: 25) بل إن سمو هذه الحقيقة فوق العقل، دليل على أنها ليست من اختراع العقل البشرى، ولا من نتاجه لأنها أعلى منه، وإن كانت ليست ضده ولا تتعارض معه.
وهكذا أعطى الكتاب المقدس حلاً لمشكلة حيرت الفلاسفة ولا تزال
في مجال علم الجيولوجيا
قال أحد علماء الجيولوجيا "إن أعظم مشكلة لم تستطع كل النظريات الجيولوجية أن تعطي لها التفسير المقبول من الجميع هي تلك الظاهرة المدهشة، لاختلاط بقايا حيوانات من أنواع مختلفة وبيئات متباينة، اكتُشفت بكميات هائلة مدفـونة معاً داخل أجزاء متعددة في كل أنحاء الأرض، من ضمنها تلك الأنواع من الحيوانات التي اندثرت".
وفي طبقات الأرض وُجِدت أيضاً أمور أخرى غريبة؛ فإن بقايا حيوانات لا يمكن أن تعيش إلا في أعماق المحيطات وجدت معجونة في الصخور الموجودة على قمم الجبال، وعظام حيوانات أخرى لا تعيش إلا في المناطق الحارة وجدت مدفونة في التربة المتجمدة من المناطق القطبية. كما أن هناك اكتشافات أخرى حديثة عن جبال بحرية ما هي في الحقيقة إلا جزر غارقة في وسط المياه، لعل أشهرها قارة أتلانتا في المحيط الأطلنطي. وثمة أكثر من دليل على أن هناك بعض المناطق تحت المحيط بأعماق تزيد عن 300 متراً كانت يوماً ما فوق الماء!!
حاول الجيولوجيون وضع النظريات لتفسير هذه الظواهر، وتعددت نظرياتهم، أما من كان منهم يؤمن بوحي الكتاب المقدس وما ورد فيه، فقد أدرك على الفور أن الطوفان*هو الإجابة المقنعة تماماً على تلك الظواهر!


فتلك الأعداد الهائلة التي تقدر بالمئات والآلاف لأنواع مختلفة من الحيوانات مدفونة معاً في فترة واحدة، لا شك أنها دُفِنَت بسب كارثة عظيمة. وتكرار هذه الظاهرة في كل أنحاء الأرض معناه أن هذه الكارثة كانت على مستوى العالم كله.
والطـوفان بطبيعة الحال لم يكن مطراً كالذي نعرفه، إذ أنه غطى الأرض كلها تماماً. والكتاب المقدس نفسه يستخدم تعبيراً فريداً إذ يقول « انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم وانفتحت طاقات السماء » (تك7: 11). فما معنى هذا؟
إذاً رجعنـا إلى تكـوين1، نفهم أن الله أوجد الجلد في اليوم الثاني ليكون فاصلاً بين مياه ومياه. المياه التي تحت الجلد تكونت منها البحار، وأما تلك التي فوق الجلد فهي – على الأرجح – التي استخدمت لإغراق الأرض بالطوفان.
ولعله ملفت للنظر أنه في اليوم الثاني فقط لا نقرأ القول « رأى الله ذلك أنه حسن »، لأن الدينونة هي عمل الله الغريب، لأنه « يسرّ بالرأفة » (مى7: 18، إش28: 21).
فقبل الطوفـان كـان في الجلد - أي في منطقة الفراغ اللانهائي - غلاف مائي أحاط بالكرة الأرضية، يوضحه قول الرسول بطرس « السماوات كانت منذ القديم (أي قبل الطوفان) والأرض، بكلمة الله قائمة من الماء وبالماء » (2بط 3: 5)، وكلمة « بالماء » ترد في الأصل « في المياه »؛ محاطة بها. هذا الغلاف المائي جعل الأرض كلها أشبه ببيوت النباتات الزجاجية، فكانت حرارتها معتدلة طول العام. وكان نتيجة لزوال هذا الغلاف بالطوفان أن ظهر الفارق في درجات الحرارة على مـدار السنة*. هذا يفسر لنا وجود بقايا نباتات وحيوانات استوائية في مناطق القطبين.
أما بالنسبة لينابيع الغمر العظيم، فمعروف أن الأرض حالياً في دورانها حول محورها تدور بميل قدره 23.5 درجة، مسببة تغير الجو في فصول العام. ويرجح بعض العلماء أن الأمر لم يكن هكذا من البدء بل قد حدث هذا الميل بصدد الطوفان فكان نتيجة هذا الميل الفجائي، طغيان للماء على اليابسة وهو ما أسماه الكتاب بانفجار ينابيع الغمر العظيم (إشارة لمياه المحيطات العميقة)، وهو ما يفسر ظهور بقايا حيوانات بحرية وسط الأرض اليابسة، وأن كثيراً من الأراضي التي كانت مسكونة يوماً أصبحت الآن مغمورة وسط المياه.
بقى السؤال : أين ذهبت هذه المياه الهائلة التي أغرقت الأرض كلها ؟
أولاً: إن حدوث التغير في الظروف الجوية، ساعد على تكوين منطقتي الجليد القطبيتين اللتين يقول عنهما الخبراء إنهما لو ذابتا لأغرقتا معظم الأرض.
ثانياً: يرجح جداً حدوث تغير في قشرة الكرة الأرضية، فارتفعت الأرض في بعض الأماكن، وبالتالي انخفضت في أماكن أخرى مستوعبة الزائد من المياه. فهنـاك في الطبيعة آثار باقية لهذا التغيير ليس من السهل تفسيرها، إذ في كثير من الأماكن توجد طبقات الصخور الأقدم عمراً فوق الطبقات الأحدث عمـراً. ويؤيد هذا التفسير ما ذكره الكتاب المقدس في مزمور104، فإن الطوفان إذ كسا الأرض حتى غطى الجبال (ع6)، فقد تداخـل الرب لإنهاء هذه الحالة (ع7)، فيقول « تصعد الجبال*، تنزل (المياه) إلى البقاع، إلى الموضع الذي أسسته لها. وضعت لها تخماً لا تتعداه. لا ترجع لتغطى الأرض » (ع8).
ثالثاً : إنه بلا شك قد حدث ارتفاع عام في مستوى الماء في الأرض. وقد تأكد مؤخراً بواسطة سفن غواصات الأعماق في سلاح البحرية الأمريكية أن مستوى الماء كان منخفضاً بكثير عما هو عليه الآن!
في مجال علم التاريخ والميثولوجي
بالإضافة إلى الطوفان (الذي سبقت الإشارة إليه في الفصل الخامس عشر)، هناك حادث آخر تحدثت عنه أهم السجلات التاريخية المحفوظة في العالم؛ كسجلات مصر والصين واليونان. فهيرودتس الملقب بأبي التاريخ، قال في تسجيله لتاريخ مصر القديم إن بعض الكهنة المصريين أروه مخطوطات قديمة تتحدث عن يوم أطول بكثير من المعتاد! وفي الصين هناك كتابات قديمة ذكرت أن حادثاً مشابهاً قد حدث أثناء حكم الإمبراطور "ييو". وبمراجعة سجلات تواريخهم اتضح أنه كان يحكم الصين في زمن يشوع بن نون شخص بهذا الاسم. بل وحتى تاريخ الهـند والمكسيك يتحدث عن توقف للشمس وتأخرها في الغروب في نفس العام الذي فيه دخل يشوع والشعب أرض الموعد!

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:23 AM
هذا الحادث، سببه وكيفية حدوثه، مذكور بالتفصيل في يشوع10. ولعهد قريب كـان النقـاد يتخذون من هذا الأصحاح سلاحاً قوياً للطعن في صحة كلمة الله على أسـاس خطئه واستحالته عملياً، واليوم أصبح هذا الأصحاح نفسه من أقوى الأدلة على دقة وصحة ما ورد في الكتاب المقدس، كما سيتضح فيما يلي.
في عام1890 قام عالم الرياضيات "توتن" بعمليات حسابية دقيقة، حسب فيها أزمنـة الاعتـدال والكسوف والعبور الشمسي من أيامه رجوعاً إلى المنقلب الشتائي في زمن يشوع، فوجد أنه يقع يوم الأربعاء. ثم قام بالحساب عكسياً اعتباراً من يوم الخليقة صعوداً إلى نفس الزمن السابق، فوجد أنه يقع يوم الثلاثاء!! الفرق إذاً هو يوم كامل، فهل هناك من حل لهذه الأحجية سوى هذا اليوم الطويل على عهد يشوع؟
لكـن مشكلة أخرى تقابلنا وهي قول الكتاب « فوقفت الشمس في كبد السماء ولم تعجل بالغروب نحو يوم كامـل » (يش10: 13). لاحظ القول "نحو يوم كامل" وليس يوماً كاملاً؛ فأين الاختلاف؟
يسجل الكتاب المقدس حادثاً آخر أيام الملك حزقيا فيه رجعت الشمس إلى الوراء عشر درجات (أي ما يعادل أربعين دقيقة). فإذا أضفنا هذه المدة إلى مدة توقف الشمس أيـام يشوع التي حسبها عالم الرياضيات توتن بأنها تساوى 23 ساعة و 20 دقيقة، لنتج لنا هذا اليوم الكامل!
ثمـة اعتراض آخر أثاره المعترضون وهو قول يشوع « فدامت* الشمس ووقف القمر »، فمعروف أن تعاقب الليل والنهار لا ينتج بسبب حركة الشمس بل دوران الأرض حول محورها أمام الشمس. ومع أن الكتاب المقدس كما أوضحنا في الفصل السابق لا يستخدم التعبيرات الفنية التي لا يفهمها سوى الخاصة، إلا أن هذه الكلمة نفسها ظهر أنها تحمل دقة الكتاب العجيبة. فبفعل الموجات الشمسية الهائلة الذبذبات (400 بليون ذبذبة / ثانية)، التي تقع على سطح الأرض يحدث دوران الأرض حول محورها. فلو قلت هذه الذبذبات لقلت سرعة دوران الأرض، ولو بطلت هذه الذبذبات لتوقفت الأرض. ولهذا نقرأ أيضاً أن القمر وقف!!
هذا هو حل اللغز الذي اتفقت عليه ميثولوجيا شعوب متباعدة لم تكن على اتصال بعضها بالآخر.
معضلة المعضلات وحل الكتاب لها
وكم من معضلات وتساؤلات أخرى يجيب عليها الكتاب المقدس. لكن أهم هذه المشكلات جميعها التي يعطى كتاب الله حلاً جذرياً لها لا تجد نظيراً له على الإطـلاق، هي مشكلة الخطية. فأنت تعرف أنك كثيراً ما تخطئ ضد الله؛ ومع أن الله رحيم غفور لكنه أيضاً بار وقدوس. إذا أُمسِك القاتل متلبساً بجريمته فإنه لا يمكن أن يقف أمام المحكمة ليعلن أنه تاب ولن يعود للقتل مرة أخرى. ولا ينفع أيضاً أن يتعهد أمام المحكمة ببناء ملجأ للأيتام أو أن يعطى كل أمواله للأعمال الخيرية مقابل أن تسامحه المحكمة، فهذه الأمور لا تبرر القاتل ولا تبرر الزاني. فهل نظـن أن عدل الله وبره أقل من عدل الإنسان؟! إنك ستقف يوماً أمام عدالة الله فماذا ستكون حجتك يومئذ؟! وإذا كان الله مستعداً أن يرحم فعلى أي أساس؟
كتاب الله يعطى حلاً للسؤال الخالد « كيف يتبرر الإنسان عند الله ؟» (أى25: 4). إنـه يقدم لك قصة المسيح ابن الله، الذي جاء ليموت وهو البار لأجـل الفجار. والآن كل من يؤمن به، فإن عدالة الله تطالب بتبريره، لأن بديله قد دفع أجرة خطاياه. وبهذا فقد اجتمع الشتيتان في الصليب؛ رحمة الله وحقه (انظـر مز85: 10)، وكلاهما يطالب بتبرير المذنب الذي آمن بالمسيح!! هذا هو مضمون الإعلان العظيم « متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه … ليكون (الله ) باراً ويبرر من هو من الإيمان بيسوع » (رو3: 24-26).


أتؤمن بابن الله؟ اقرأ الكتاب المقدس بتواضع باعتباره صوت الله إليك، واعرف منه طريق الخلاص. « اسمعوا واصغوا. لا تتعظموا لأن الرب تكلم » (إر13: 15).
يعقِّلُ كلَ من جهل
ومنه العلمُ قد نهل
لسائلك إذا سأل
ويبدي الحلّ والفصلَ
وفتحُ كلامه نورٌ
وفيه كنوزُ معرفةٍ
فيا من تطلب الحلَّ
فعدْ للوحي يخبركَ

ونختم الفصل بعبارتين لاثنين من المشاهير؛ الأولى قالها العالم المشهور ميخائيـل فراداي مكتشف مغناطيسية الكهرباء "لماذا يضل الناس وعندهم هذا الكتـاب الثمـين، الكتاب المقدس ليرشدهم؟!" كما قال الرئيس الأمريكي أبراهـام لنكولن "لقد تأكد لي منذ فترة بعيدة أن الإيمان بالكتاب المقدس كما يعلن هو نفسه أمر أقل صعوبة من عدم الإيمان به"
عزيزي: إن من يُصِر على رفض الكتاب المقدس سيكتشف، لكن بعد فوات الأوان، أنه لا يوجد أصعب من عدم الإيمان به!!

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:23 AM
======= 19 =======
أهمية القراءة في كلمة الله

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله
(متى 4: 4)

النفس الخالدة، التي قدّرها المسيح بأنها أثمن من العالم كله (مت16: 26)، من الذي يخبر عن مصيرها الأبدي، عما ينتظرها بعد القبر، إلا الله في الكتاب المقدس؟ فالكتاب المقدس يحتوي على فكر الله، وحالة الإنسان، وطريق الخلاص، ومكافأة القديسين، وهلاك الخطاة.
ما أسعد بني البشر بهذا الكتاب. فلقد تنازل الله بنفسه ليرينا الطريق إلى السماء، وكتبه لنا في الكتاب المقدس. لكن يا للعجب، فلقد نجح الشيطان في أن يصرف أذهان الناس عن هذا الكتاب الذي قال عنه القديس أغسطينوس بحق إنه الميقظ لمن خدرتهم الآثام! وقديماً قال المسيح لجماعة من اليهود « أليس لهذا تضلون إذ لا تعرفون الكتب » (مر12: 24) كم تنطبق هذه الكلمات اليوم على أُنـاس كثيرين ألقوا كلام الله خلفهم (مز50: 17)، وبدلاً من أن يقبلوا بوداعة الكلمة المغروسة القادرة أن تخلص نفوسهم (يع1: 21)، فإنهم أفسحوا المجال للشيطـان في حياتهـم، فجاءت طيور السماء وخطفت الكلمة المزروعة في قلوبهم! (مت13: 4، 19).
وكلمة الله ليست فقط المرشد في رحلتنا للأبدية، بل إنها تعطي المؤهلات الإلهية لهذه الأبدية؛ إذ بها تولد النفس الولادة الثانية (إش55: 10، 11، يو3: 5، يع1: 18، 1بط1: 23)، وبها تتحكم للخلاص (2تى3: 15)، وبها يتغير مسار الإنسان (مز19: 7) وبدون ذلك لا يمكن لأحد أن يرى أو يدخل ملكوت الله.
الكلمـة تكشف للنفس حقيقة حالتها وخرابها، فتقودها إلى إدانة الذات والاعتراف بالخطايا في محضر الله . وإذ تتم الولادة الجديدة تنال النفس الحياة الأبدية.
لعل بعضاً منا قرأ قصة نهضة الإصلاح بقيادة القديس لوثر، وكيف أنها اشتعلت في داخله بواسطة آية واحدة صغيرة هي « البار بالإيمان يحيا » (رو1: 17). هذه الآية الواحدة غيرت التاريخ والجغرافيا في العالم، بل وغيرت حياة الملايين أيضاً!
يقول الرسول بولس «إذاً الإيمان بالخبر، والخبر بكلمة الله» (رو10: 17). فكلمة الله تحمـل إلينا الخبر الطيب من أرض بعيدة؛ من السماء. هذا الخبر الذى هو مياه بـاردة لنفس عطشانة. وهنا نحن نتذكر كلمات يوحنا بنيان الإنجليزي مؤلف الكتاب الشهير "سياحة المسيحي" إذ قال: "يوجد رجاء لأعظم خاطئ يقرأ الكتاب المقدس، ويوجد خطر على أعظـم قديس يُهمل قراءة الكتاب المقدس". الكتب الأخرى قد تُسِر الذهن، لكن الكتاب المقدس وحده هو الذى يريح الضمير. فليس سوى كلمة الله تحدثنا عن محبة الله العجيبة، الشافية للإنسان من كل أدوائه، فليس عجيباً أن نسمع جون وسلى يقول "لقد تنازل الله بنفسه ليرينا الطريق إلى السماء وكتبه في كتاب... آه أعطني ذلك الكتاب؛ أعطني كتاب الله ذاك بأي ثمن".
****
لكننا نتذكـر هنا كلام أحد الحكماء قال: لو أن قصد الله من الكتاب المقدس هو أن يكون مجـرد دليل للطريق إلى السماء، إذاً لكان كتاب أصغر حجماً منه كافياً لهذا الغرض. لكن بين أيدينا كتاب ما أنفعه لنا كما سنوضح الآن.
فالنفس التي نالت الحياة بالكلمة، تصبح هذه الكلمة لها غذاء الحياة الجديدة. هذه الحياة التي ليس لها من طعـام أو شراب سوى المسيح كما هو مُعلن فى الكتاب المقدس (مز1: 2، 3).
ويشبه الرسول بطرس الشهية إلى الكلمة، والتي يجب أن تميز المؤمن فيقول « وكأطفال مولودين الآن اشتهوا ( لبن الكلمة ) العقلي العديم الغش لكى تنموا به» (1بط 2: 2). إن الطفل المولود حديثاً لو قُدِمت له كل ثروات الأرض، فإنها لا تغنيه بديلاً عن لبن أمه. هكذا يجب أن تكون أشواقنا لكلمة الله لكى نتغذى بها. لكن الكلمة ذاتها ليست فقط لبناً يناسب الأطفال روحياً، بل إنها أيضاً خبز وطعام يناسـب البالغين (مت4: 4، عب5: 12 ـ 14). إن سِر الضعف لمؤمنين كثيرين في هذه الأيام هو عدم التغذى المستمر بكلمة الله. فكم ساعة يقضيها المؤمنون فى تنـاول الطعام العادي، وكم ساعة يصرفونها في تناول كلمة الله. إن الإجابة الصادقة على هذا السؤال تكشف سر ضعف الحياة الروحية لمؤمنين كثيرين يكتفون بالقراءة السطحية للكتاب المقدس. أين نحن من أيوب الذى قال « أكثر من فـريضتي (قوتي اليومي) ذخرت كلام فيه » (أى23: 12)، وهكذا أيضاً كتب يوحنا الرسول للأحداث لأنهم أقوياء وكلمة الله ثابتة فيهم (1يو 2: 14).
وكلمـة الله لا تسد الحاجة فحسب، بل إنها تمتع وتلذذ. فهي ليست غذاء عادياً فقط بل غذاء حلواً؛ فنقرأ أنها «أحلى من العسل وقطر الشهاد» (مز 19: 10) نعم فهي تمنح للنفس نشاطاً (1صم 14 : 29 و إش 50: 4)، وللفم حلاوة (أم16: 24 مع رؤ10: 10) أكثر ممـا يستطيع العسل أن يفعله. لذا فقد قال إرميا « وُجد كلامك فأكلته فكان كلامك لي للفرح ولبهجة قلبي » (إر 15: 16).
كلمة الله أيضاً هي نور للمؤمن « سراج لرجلي كلامك، ونور لسبيلي » (119: 105). إن الحيـاة مظلمة لكثيرين، لكن الكتاب المقدس يملأها بالنور « أنار الحياة والخلود بواسطة الإنجيل » (2تى1: 10). وفي عالم تكتنفه الظلمة الروحية ويسوده الشيطان سلطان الظلمة، فإن خير دليل لنا هو كلمة الله. يسميها المرنم « أهل مشورتي » (مز119: 24)، فنحن ليس لنا مصدر نستمد منه الحكم الصحيح على أى أمـر من الأمور سوى « ماذا يقول الكتاب » (رو 4: 3). والرب أوصـى يشوع أن يتمسك تماماً للعمل بهذه الكلمة، لكى يُصلح طريقه ويُفلح (يش 1: 7، 8).
ولا توجد كلمة واحدة في كتاب الله إلا وتحمل لنا تعليماً وبركة. وما يبدو للبعض أنه غير ضروري هو نافع للبعض الآخر. هناك قصة طريفة تُحكَى عن ذلك عندما سُئِل رجل الله داربي مرة: أية خسارة كانت ستحدث لو أن الوحي لم يسجل الآية الواردة في 2تيموثاوس 4: 13 بخصوص الكتب والرقوق؟ أجاب داربي أنه هو على الأقـل كان سيخسر كثيراً. لأنه في أيام نسكه، عندما كان كاهناً في الكنيسة الأنجليكانية، فكر أن يتخلص من مكتبته، لكن اهتمام بولس بالكتب منعه من ذلك. ونحن نعرف أنه ليس داربي وحده استفاد من هذه المكتبة، بل مئات الآلاف من الذين قرأوا له بعد ذلك، في مختلف بقاع الأرض.
ومن فوائد كلمة الله أنها تطهـر الحياة، وتحفظها من كل ما يغاير إرادة الله فينا (يو 17: 17)، وهى توصف فى مزمور 19: 8 بأنها « طاهرة». والواقع إن الشخص متى كان تحـت تأثير الكتاب المقدس لا يمكنه أن يحتضن في نفس الوقت تخيـلات أو أفكـاراً دنسة، ولا عجب فالكتاب يسمى "الكتاب المقدس" وحسناً قيل: إنك إن قرأت الكتاب المقدس سيحفظك من الخطية، وإلا فإن الخطية هي التي ستحفظك (أي تبعدك) من هذا الكتاب.
يقول المرنم « بم يزكى الشاب طريقه؟ (والإجابة) بحفظه إياه حسب كلامك » (مز119: 9). إنها ماء ينظف الحياة ويقول الرب يسوع لتلاميذه «أنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذى كلمتكم به» (يو 15: 3).
وكلمة الله ليست فقط تحفظ الحياة طاهرة (1يو 2: 1)، بل إنها التي يستخدمها الرب يسوع أيضاً فى خدمته الشفاعية لرد شركتنا عندما نخطئ (يو 13: 3-7، أف 5: 26 ).
ثم إن النفوس المنحنية والقلوب المنزعجة، ما هو علاجها؟ يقول الحكيم « الغـم في قلب الرجل يحنيه والكلمة الطيبة تفرحه » (أم12: 25)، كم من المرات أرسل الرب إلينا هذه الكلمة المفرحة لتعزيتنا عند المرض، ولتشجيعنا وقت الخطر. قال هيجـل فيلسوف الألمان "إن الكتاب المقدس كان لي وقت مرضى خير معزٍ". كما قال أيضاً هنري فان دايك "إننا في الكتاب المقدس نجد مشورة صالحة ساعة الحيرة والتجربة، وتشجيعاً قوياً ساعة الخطر، واصطباراً جميلاً ساعة الشدة، وتعزية سماوية ساعة الألم والحزن".
ثم إن الـرب يستخدمه معنا لإرشادنا ساعة التجربة، ولتعضيدنا أثناء الشدة؛ فهو يعـرف أن يغيث المعيىَ بكلمة (إش50: 4). أثناء الحرب العالمية الثانية، وفى وقت الفراغ لأحد عمال اللاسلكي الذين كانوا يعملون على إحدى القطع البحرية أرسل بواسطة جهازه كلمات المزمور الثالث والعشرين والتي مطلعها « الرب راعى فلا يعوزني شئ »، وعندمـا أرسل آخر كلمة فى المزمور تلقى 15 رداً يقول "آمين" . لقد كانت الكلمة لهم ملجأ وسلوى وسط الخطر.
وفى ظروف الحزن أين نجد تعزيتنا ؟ « عزوا بعضكم بعضاً بهذا الكلام » (1تس4: 15، 18). كم تكون النفس فى هذه الظروف مستعدة بترحاب لسماع كلمة الله أكثـر من أى شئ آخر. ينتهي كلام العلماء وينخفض ضجيج المتفلسفين، ويفسح المجال لما « كُتِب لأجل تعليمنا حتى بالصبر والتعزية بما فى الكتب يكون لنا رجاء » (رو 15: 4).
وكلمـة الله أيضاً سيف (أف 6: 17). ففي حروبنا مع الشيطان حسبنا أن نتبع مثـال المسيـح عندما كان يجرب من إبليس. قال أحد المؤمنين من أمريكا إنه مرة هاجمه الشيطـان بتجربة وظل يحاربه لعدة ساعات، ولم يجد أية وسيلة تبعد عنه الشيطان، رغم صلاته إلى الرب. عندئذ تذكر هذا الأخ ما فعله الرب يسوع فى ساعة التجربة، من ثم قال « اذهب عنى يا شيطان لأنه مكتوب . . .»، وقال الآية المناسبة لحالته بصوت مرتفع. يذكر الأخ أنه في الحال انفك عنه المُضايق، وانتهت التجربة. ومن وقتها - كما يقول ذلك الأخ - اعتاد الانتصار على الشيطـان بهذه الطريقة، وأدراك معنى القول « قاوموا إبليس فيهرب منكم» (يع 4: 7، أنظر أيضاً 1يو2: 13، 14).
وليس فقط حروبنا مع الشيطان بل أيضاً مع العالم؛ مع الإنسان. فهكذا كان يفعل سيدنا أيضاً (يو10: 31 ـ 36). ذكر الأخ هايكوب أحد خدام الرب من هولندا هذه الحادثة أيضاً التى حدثت معه فى بدء حياته الروحية، عندما كان يقوم بتوزيع نبـذ خلاصية فى قطار، فابتدأ أحد المسافرين، وكان ملحداً، يحاوره فى أمر الإيمان المسيحي. عندئذٍ فتح الأخ هايكوب كتابه المقدس وقرأ آية ترد على اعتراض ذلك الملحد. ولما فعل ذلك مرتين أو ثلاثة أجابه الملحد باحتداد: إنني أناقشك أنت ولا أناقـش الكتاب المقدس. فأجابه الأخ هايكوب بهدوء "ولكن الكتاب المقدس وليس أنا هو الذي يستطيع أن يرد عليك". ولما كرر هذا الأمر أيضاً مرة أو مرتين، انصرف الرجلعنه وأخذ يقرأ في كتابكان معه، إذ شعر أنه لا يستطيع أن يقاوم كلمة الله.
« لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين، وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته » (عب4: 12).
* * * *
ثم إن لكلمة الله أهمية خاصة بالنسبة لخادم المسيح. فهذه الكلمة لن ترجع فارغة أبداً (إش55: 11)؛ سواء قدرها الإنسان أو رفضها (تث18: 18، حز2: 4،5). لكن الويل كل الويل لمن يرفضها أو يحتقر رسالتها (يو12: 48، 15: 22).
وهنا نشير إلى آخر رسالة كتبها الرسول بولس وهي رسالته الثانية لتيموثاوس؛ رسـالة الأيام الأخيرة، التي فيها تركيز واضح على كلمة الله. ففي كل أصحاح من أصحاحاتها الأربعة نجد تعليماً جميلاً عن قيمة هذه الكلمة.
ففي أصحاح 1 : نجد التمسك المطلق بالكلمة (ع13).
وفى أصحاح 2 : نجد الدراسة المجتهدة للكلمة (ع15).
وفى أصحاح 3 : نجد الإعداد العجيب للكلمة (ع 16،17).
وفى أصحاح 4 : الكرازة المستمرة بالكلمة (ع2).
إن حـاجة البشر الأولى هي كلمة الله. ويخطئ كثيراً من يخدم إذا قدم للنفوس أى طعـام آخر، إذا جعل قوام الخدمة ما يقوله الفلاسفة أو الشعراء، أو إذا نسجها من ذاته وجعلها تدور حول نفسه كما يفعل العنكبوت. إننا إذا تتبعنا الرسل فى كرازتهم نجد أن المادة الرئيسية في خدماتهم كانت هي كلمة الله (أع 2: 16، 25، 34 و 17: 2، 11 و 1كو 15: 1-4) بـل إن أعظم كارز، وهو الرب يسوع، مع أنه هو نفسه الذى أوحى بالكلمة فإنه كالقدوة لنا استخدم هذه الكلمة عينها فى كرازته (لو 4: 16-21).
وهناك أمران هامان نضعهما أمام من يخدم النفوس عند دراسته لكلمة الله:
أولاً: لا تكن مجرد ناقل. اشبع أولاً بالكلمة واجعلها تتغلغل فى حياتك فانه « من فضلة القلب يتكلم الفم ». كثيرون يدرسون الكتاب لكى يعدّوا عظة، لكن من الأفضل جداً أن تـدع كلمة الله تبنيك أولاً وتعلمك (أنظر إش50: 4). طبِّق الحق على ضميرك ومارسه قبل أن تعلم به "إنها بشاعة وخيانة للحق أن يتاجر أحد بالحق الذى لا يشعر بسلطانه على ضميره شخصياً".
ثانياً: ادرس الكتاب كله، لا أجزاء بعينها فقط. فأنت لا تعلم نوع المرضى الذين ستتعامل معهم، ولا أي جـزء من كلمة الله يناسبهم ويريد الروح القدس أن يقدمه لهم. فنبوة عاموس مثلاً، هذه النبوة الصغيرة، التى ربما تكون مهملة من مؤمنيـن كثيريـن، استخدمها الروح القدوس في مناسبتين من أخطر المناسبات على الإطلاق لتوضيح فكره وتبليغ رسالته؛ أولاً بواسطة استفانوس (أع7)، ثم بواسطـة يعقوب (أع 15). ولولا إلمامهما بكل ما في الكتاب المقدس لما أمكن لروح الله أن يستخدمهما في هاتين المناسبتين لإعلان فكره.
****
بقيت ملاحظة أخيرة عن أهمية كلمة الله بالنسبة لجماعة المؤمنين؛ الكنيسة التي من امتيازها وفي نفس الوقت مسئوليتها أن تكون « عمود الحق وقاعدته » (1تى 3: 15)؛ أى شاهدة له. لكن الشيطان هاجمها من الداخل ومن الخارج ليحولها عن هذه الحالة المباركة.
أيـن الملجأ؟ يقول بولس لقسوس كنيسة أفسس، شاعراً بالخطر الذى كان على وشك أن تظهر آثاره المدمرة بينهم « الآن أستودعكم يا إخوتي لله ولكلمة نعمته القادرة أن تبنيكم وتعطيكم ميراثاً مع جميع المقدسين » (أع20: 32).
وإننا لو تتبعنا التاريخ، سنجد أن كل نهضة حقيقية حدثت بين شعب الله كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالرجوع إلى كلمة الله والتمسك بها والأمانة لها. هذا ما حدث فى النهضة المباركة أيام يوشيا (2أخ34: 19، 30، 31 و 35: 6، 12، 13 ..) وكذا أيام عزرا ونحميا (عز 3: 2، 4 و 5: 1، 2 و 6: 18 و 7: 6، 10 و 9: 4 و 10: 3 و نح 8 و 9 و10: 29، 34، 36 و 13: 1-3...). وفي المسيحية أَلم تكـن أعظـم خطوة للإصلاح العظيم في أول القرن السادس عشر هي الرجوع إلى كلمة الله باعتبارها السلطة الأعلى. ولما تحولت نهضة الإصلاح إلى برودة البروتستانتية بأنظمتهـا الجافـة والميتة، أو بالحري لما تحول التمسك بكلمة الله إلى تمسك كل جماعة بعقائدها، فإن الرب في رحمته رتب نهضة مباركة أخرى في أوائل القـرن التاسـع عشر ميزتها تلك الكلمات المباركة التى قالها الرب لملاك كنيسة فيلادلفيا ممتدحاً إياه « حفظت كلمتي ولم تنكر اسمي » (رؤ 3: 8).
وإن كانت المسيحية كمجموع قد انحرفت اليوم عن الكتاب المقدس كالسلطة العليا، كما يـدل على ذلك هذا العدد الهائل من الطوائف والمذاهب المتعددة ، إلا أن المطلوب من كل جماعة أمينة تريد نهضة حقيقية أن ترجع من جديد إلى كلمة الله. أما إذا لم تكن الجماعـة أمينة فى ذلك، عندئذ تبرز أمانة الفرد. فالمؤمن على أي حال مُطـالَب أن يستمع ليس إلى ما تقوله الكنيسة له، بل بالحري إلى « ما يقوله الروح للكنائس » (رؤ 2، 3).
* * * *
هذه هي أهمية قراءة كلمة الله. فأي كتاب آخر يُسكّن روع الخاطئ من هول الحساب، وأي كتاب آخر يستميل القلب لمحبة الله، وأي منها يحث الإنسان على طهارة القلب والحياة، ويُعدّه لسماء مقدسة لا تدخلها الشهوات، ولا تحوم حولها الأدناس، ويسكن فيها الذين أحبهم المسيح وقد غسلهم من خطاياهم بدمه وجعلهم ملوكا وكهنة لله أبيه، نعم أي كتاب آخر يفعل كل ذلك وأكثر كما يفعل الكتاب المقدس؟!
في كلمات قليلة نقول إن هذه الكلمة الإلهية:
بها ننمو1بط2: 2
بها نبنى أع20: 32
بها نتغير 2كو3: 18
بها نغلب أف6: 17، 1يو2: 14، مت4: 1-10
بها ننتعش مز119: 50، تث32: 2
بها نتنقى يو15: 3، أف5: 26، مز119: 11،25،50
بها نرتشد مز119: 105، 24، أم6: 20-23، 2بط1: 19
بها نصلي دا9: 2،3، 1يو5: 14، يو15: 7
بها نُرضي الله 1مل18: 36

حقاً ما أعظم البركات التى يمكن أن تجنيها النفس من هذه الكلمة. قال السياسي والفيلسوف الأمريكي بنيامين فرانكلين (1706- 1790) " أيها الشاب نصيحتي إليك أن تربى في نفسـك المعرفة بالكتاب المقدس والإيمان الثابت فيه، فإن ذلك سيعود عليك بالربح الأكيد".
لـذلك أدعوك أنا أيضاً مستخدماً كلمات كاتب مسيحي غير معروف أن تقرأ هذا الكتاب الذي يحوي النور الذي يهديك، والطعام الذي يقويك، والبلسان الذي يعالجـك، والعزاء الذي يشجعك. هذا الكتاب الذى هو للمؤمن خريطة المسافر، وعصا الرحال، وبوصلة الملاح، وسيف المحارب، ودستور المسيحي. إنه حقاً نهر ملذات، ومنجم كنوز، وفردوس أمجاد. فاقـرأه إذاً لتكون حكيماً، أطعه لتعيش قديساً، احفظه فيحفظك.
وعندما تمضى رحلة العمر، فأي شئ سوف يبقى لنا من عالم السراب والغرور سوى ما حصلناه من هذه الكلمة؛ فلقد قال المسيح « اعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقي للحياة الأبدية » (يو6 : 27).

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:24 AM
======= 20 =======
كيف تدرس الكتاب المقدس



قبلوا الكلمة بكل نشاط فاحصين الكتب كل يوم هل هذه الأمور هكذا
(أعمال الرسل 17 : 11)

سنقدم في هذا الفصل بعض الأمور الهامة التى تفيد فى دراسة كلمة الله.
شروط أساسية للدراسة
1- الولادة الثانية
إنها مسألة جوهرية، فالذي لم يولد من فوق لا يستطيع أن يتمتع بما في قلـب الله من أفكار، ولا ما فى كلمته من كنوز. وحتى إذا درسها فإنه لن يفهمها لأن « الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله » (1كو2: 14). لقد قال المسيح « الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة »، كما قال أيضاً « المولود من الروح هو روح » (يو6: 63، 3: 6)؛ ولذلك لا يفهم كلام الله سوى المولود من الروح، لأن الذين لهم طبيعة متشابهة هم الذين يفهمون بعضهم.
وأوضح مثال لذلك هم اليهود الذين يملكون التوراة لكنهم لا يفهمون منها شيئاً. قال الرب على لسان النبي هوشع معاتباً شعبه « أكتب له كثرة شرائعي، فهي تحسب أجنبية » (هو8: 12،انظر أيضا إش29: 11،12). ولا زال البرقع موضوعاً على قلبهم كما قال الرسول بولس في 2كورنثوس3: 14، « لكن عندما يرجع إلى الرب يُرفع البرقع » (ع16). وهو مبدأ صحيح دائما سواء لليهود أو لغيرهم.
إننا طبعاً نشجع الشخص الذي لم يولد ثانية على قراءة الكلمة لأن فيها سيلتقي بالمسيح المخلص. لكنه إلى أن يؤمن بالمسيح ويتخذه مخلصاً شخصياً له فإنه لن يفهم أعماق هذه الكلمة.
2- الرغبة الجادة
يقول الحكيم « الرخاوة لا تمسك صيداً » (أم 12: 27). وهذا الأمر إنما هو أكثر وضوحاً فى التعامل مع الأمور الإلهية. لهذا قال الحكيم أيضاً « يا ابني إن قبلت كلامي وخبأت وصاياي عندك. (ثم يضيف) إن طلبتها كالفضة وبحثت عنها كالكنوز، فحينئذ تفهم مخافة الرب وتجد معرفة الله » (أم2: 1-6).



يطوّب المرنم فى المزمور الأول الرجل الذي « في ناموس الرب مسرته وفي ناموسه يلهج نهاراً وليلاً » والكلمة "يلهج" تعنى يولع به و يلازمه. هذا ينبغي أن يكون موقفنا إزاء كلمة الله « بوصاياك ألهج» (مز119: 15 انظر أيضاً يش1: 8)، كما قال كاتب المزمور أيضاً « في طريق وصاياك أجرى » ( مز119: 32،60). وهو نفس ما حرّض المسيح مستمعيه عليه؛ لا أن يقرأوا الكتب المقدسة فحسب، بل قال لهم « فتشوا الكتب » (يو5: 39).
3- حياة التقوى والأمانة
لقد ذكر الرسول بولس أن الله يعلن أموره العجيبة للذين يحبونه (1كو2: 9،10) كما ذكـر المرنم أن « سر الرب لخائفيه » (مز25: 14). ولعلنا نلاحظ في الأناجيل أن الـرب لم يكن يشرح أسراره إلا لتلاميذه فقط، وأما للذين من خارج فكان يكلمهم دائماً بأمثال (مر4: 10،11).
والكتاب المقدس يعلمنا بكل وضوح أن الرب لا يعطينا نوراً جديداً في أموره ما لم نستفد أولاً من النور الذي وصل إلينا. قال الرب « إلى هذا أنظر إلى المسكين والمنسحق الروح والمرتعد من كلامي » (إش66: 2). لذلك فإنه يمكننا أن نقول إن الطاعة هي أعظم شارح للكتاب؛ فالذي يطيع سيفهم المزيد « فإن من له (أي يقبل ويفهم ويحفظ) سيُعطى ويزاد » (مت13: 12).
نصائح عملية لدراسة كلمة الله
1- الدراسة اليومية (أم8: 34)
إن الإنسان كما يقولون، ابن عادته، فطوبى لمن تتملكه عادة دراسة الكتاب المقدس كل يوم إذ أنه لن يشعر بصعوبة في إيجاد وقت لهذه الدراسة. إن قراءة أصحاح والتأمل فيه لن يستغرقا أكثر من عشرين دقيقة فى اليوم، فاحذر من أن لا يكون فى برنامجك اليومي مثل هذا الوقت البسيط لله. يمتدح المؤرخ الإلهي في سفر الأعمال أهل ببيرية لأنهم كانوا يدرسون الكتب كل يوم، وكانوا يدرسونها بنشاط (أع17: 10، 11). هذا أمر هام حقاً.
2- الدراسة في الوقت الأفضل
إذا شعرت أن كلمة الله هي أعظم كنز فى حياتك، فلن يكون عسيراً أن تعطيها أفضل أوقات اليوم. والمسيح مثالنا يقول بروح النبوة « يوقظ كل صباح . يوقظ لي أذناً لأسمـع كالمتعلمين » (أش 50: 4). في العهد القديم كان التقاط المن يتم فى الصباح الباكر، قبل أن تحمى الشمس فيذوب (خر16: 21)، فلا تنتظر حتى تحمى شمس مشغولياتك، فيذوب منك وقت التأمل الهادئ في كلمة الله.
3- التأمل الهادئ
ليس تصفح الكتاب المقدس بأسلوب قراءة الجرائد هو الأسلوب المناسب لدراسته، بل يحتاج الأمر إلى تأمل هادئ فيه وتفكر بالقلب فى معانيه. هذا ما نراه بصورة رمزية فى شريعة البهائم الطاهرة (لا11) التى كان يشترط أن تجترّ طعامها؛ فما تأكله بسرعة تعيد مضغه مرة ثانية للاستفادة الكاملة منه.
4- الدراسة بروح الصلاة
سـواء الصلاة لفهم المكتوب (مز119: 18)، أو لإطاعته كما سنشير بعد قليل. قال القديس أغسطينـوس "لما كنت شاباً سعيت إلى فهم معني الأسفار المقدسة بقوة الإدراك العقلي وليس بالتوسل الخاشع لله . . . فأغلقت أمام نفسي بتشامخي وكبريائي الباب الموصل إلى الله، وبذلك فبدلاً من أن أقرع فيفتح لي، صار سعيي هذا سبباً في أن يغلق الباب أمامي".
وغالباً ما تُذكَر الصلاة في الكتاب المقدس ملازمة لقراءة الكلمة أو سماعها (أنظر لو10: 39 مع 11: 1، أف6: 17، 18، عب4: 16، يه 20، . . . إلخ)؛ فهما كجناحي الطائـر، ولن يمكنك أن تحلق في أجواء الشركة مع الله بدونهما معاً. الذي يدرس كثيراً فى الكتاب دون صلاة يكون عُرضة للكبرياء وبرودة القلب، فتصبح الحياة مثل « خبز ملّة لم يُقلَب » (هو 7: 8). ربما يكون قادراً على تفسير عباراته، لكن سينقصه إدراك الأفكار والمشاعر المباركة التى تنبعث منها. وليس مهماً بأيهما تبدأ؛ هل تصلي ثم تقرأ أم تقرأ ثم تصلى، وإن كان الأفضل أن تقرأ الكتاب في روح الصلاة، وأن تصلي بروح المكتوب.
5- تدريب القلب
فدراسة الكتاب ليست مجالاً لعمل الذهن فقط، بل بالأولى تدريب القلب « أمِل قلبي إلى شهاداتك لا إلى المكسب » (مز119: 36)، وهذا يتطلب أمرين على الأقـل: أولهما أن أطبق ما أتعلمه على نفسي « كونوا عاملين بالكلمة لا سامعين فقط خادعين نفوسكم » (يع1: 22)؛ فكل وعد إلهي أقرأه أتمسك به، وكل مثال للقداسة يلمع أمامي أثناء دراستي أطلب من الله أن أقتدي به، وكل حق أتعلمه من الكلمة أجعله يسيطر على قلبي. والأمر الثاني هو أن أبحث عن المسيح في كل جزء؛ فكما قال داربي "لا توجد كلمة فى كل الكتاب المقدس لا تحمل غذاء إلى نفوسنا، فادرس الكتاب المقدس بالصلاة، وأبحث فيه عن الرب لا عن العلم، ولابد أنك ستجد العلم أيضاً، إنما اجعل غرضك الرب".
6- حفظ أجزاء كتابية
تعوّد أن تضيف كل يوم إلى حصيلة الآيات التى تحفظها آية جديدة أو أكثر على قـدر وقتك ومقدرتك. وهذه النصيحة نوجهها بصفة خاصة لحديثي السن حيث لا تـزال الذاكرة قوية. كثير من رجال الله الشيوخ يقولون إن ما يحفظونه من آيات يرجع إلى باكورة حياتهم أي سن الطفولة والشباب. هذه الحصيلة من الآيات الكتابية ستكون أعظم بركة لحياتك ولتقدم خدمتك الروحية.
7- الدراسة بالقلم
بمعنى الاستعانة بالقلم لتدوين شواهد كتابية أو ملاحظات على هامش الصفحة، وكذا وضع علامات معينة على أجزاء كتابية لفتت انتباهك. فبالاختبار نحن كثيراً ما ننسى بعـض الشواهد التى لها ارتباط بفصل معين أو التوضيحات المفيدة في فهم النص. وسيلزمك في هذه الحالة اقتناء نسخة خاصة بك من الكتاب المقدس. وينصح البعض استخدام الألوان أيضاً للمساعدة في إبراز المعاني المختلفة في الكتاب؛ فمثلاً الخطية وما يمت إليها تلون أو يوضع تحتها خط باللون الأسود، والكفارة أو الفداء وما إليها باللون الأحمر، والرجاء و السماء . . . الخ باللون الأزرق، والسلام والرعاية باللون الأخضر . . . وهكذا. ويمكن أن يكون لك نوتة مذكرات خاصة تدون فيها ملاحظاتك الهامة على الفصل الكتابي. كانت هذه هي عادة رجـل الله داربي، وبعد رقاده طُبعت ملاحظاته التى سجلها في مذكرات خاصـة في أربعة مجلدات بعنوان "ملاحظات وتعليقات على الكتاب المقدس" لا زالت بركة لكثيرين.
مبادئ هامة لتفسير الكتاب المقدس
إن الوحي كُتِب ليُفهم. والله لم يقصد مطلقاً أن يكون الكتاب المقدس وقفاً على فئة من أصحاب العقول الجبارة أو الإمكانيات الفذة، على العكس كثيراً ما كانت الدراسات الفلسفية عائقاً على فهم الكتاب لا مساعداً له « لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال. نعم أيها الآب لأن هكذا صارت المسرة أمامك » (مت11: 25،26). وسنورد فيما يلي بعض المبادئ التي تساعد على تفسير الكتاب المقدس.
1- الكتاب المقدس كله لنا، ولو أن ليس كله عنا
فكثير من أقوال العهد القديم، بل وبعض الأقوال في الأناجيل ليست عنا، ولو أن كل الكتاب نافع للتعليم، وبالتالي كله كتب لأجل تعليمنا. فالممارسات الخاصة بالذبائح في سفر اللاويين لا تخصنا في معناها الحرفي المباشر، ولو أن ما أكثر التعاليم التي لنا فيها عندما نطبقها على المسيح. والتعبير الذي ورد في متى 24: 20 « صلوا لكي لا يكون هربكم في شتاء ولا في سبت » ليس عنا، ولو أن لنا فيه تعاليم روحية مباركة. في هذا قال القديس أغسطينوس كلمات حكيمة "مَيِّز بين التدابير المختلفة، ينسجم الكتاب مع بعضه".
2- الكتاب المقدس يشرح نفسه
فأفضل شارح للكتاب المقدس هو الكتاب المقدس نفسه. فإذا تعذر عليك أن تفهم أي شئ في الكتاب المقدس؛ استمر في القراءة، وسرعان ما تجد أن ما استشكل عليك في البداية فهمه صار واضحاً ومفهوماً لديك. وفى هذا قال أحد الحكماء: "لا تدع شيئاً يسلب منك حقاً سبق لك أن فهمته بوضوح من كلمة الله، وانتظر بصبر أن تفهم باقي الآيات التي لا تقدر أن تفهمها". ثم هذا يتطلب منا درس كل الكتاب، لأن نصاً واحداً بخصوص أية حقيقة، لا يكفي أن يعلن لنا كل جـوانب هذه الحقيقة، فالآيات التي تتحدث عن موضوع متشابه، تفسر وتكمل إحداها الأخرى. كما قال المسيح للشيطان « مكتوب أيضاً » (مت4: 7).

3- لا تعارض في آيات الكتاب المقدس
لقد شبه أحدهم الكتاب المقدس بالكلمات المتقاطعة. فقد يطلب منك كلمة أفقية وتجد من السهل عليك أن تذكر أكثر من كلمة واحدة، ولنفترض أنك اقترحتكلمة من هذه الكلمات، ما الذي يجعلك متأكداً أن اقتراحك هذا صحيح؟ لو اتفق هذا الاقتراح مع باقي الكلمات الرأسية المتقاطعة مع كلمتك، فهذا دليل على أن اقتراحك كان صحيحاً، أما إذا لم يتفق فعليك أن تفكر من جديد في كلمة أخرى. هكذا الكتاب المقدس؛ ينبغي أن يتوافق كله مع بعضه، فإذا اقترحت تفسيراً للآية ووجدت أن هذا التفسير يصطدم مع آية أخرى في الكتاب فهذا دليل قاطع على أن هذا التفسير غير صحيح، فالتفسير الصحيح يجب أن يتوافق لا مع بعض تعاليم الكتاب، بل معها كلها. وبناء على هذه النظرية يمكننا أن نقول إن الآيات العسرة التي يصعب فهمها، يمكننا أن تفسرها في ضوء الآيات السهلة التي فهمتها.
4- النص والقرينة Text & Context
فالفصل الذي أُخذت منه الآية يلقى الضوء على الآية، بينما النصوص المبتورة يمكن أن توصلنا إلى أشر التعاليم. لا شك أن جماعة شهود يهوه الذين يدعمون تعاليمهم المضللة بآيات من الكتاب، يستشهدون بآيات مبتورة، ويتعاملون مع جانب واحد من الحق، إنهم ينظرون بعين واحدة إلى الكتاب. فلكي تفهم الكتاب يجب أن تلحظ القرينة للكلمة أو الآية؛ أعني ما قبلها وما بعدها، وكذلك الجو العام للأصحاح، لأن آيات الكتاب المقدس، كما أوضح بطرس، لا تُفهَم من تفسيرها الخاص بها بل يجب أن تكون متمشية مع الكتاب المقدس كله (انظر2بط 1: 20)
5- المعنى الحرفي والمعنى المجازى
إذا كان المعنى الحرفي المباشر والبسيط يستقيم مع باقي تعاليم الكتاب المقدس فلا تبحث عن معنى آخر، أما إذا اصطدم بآيات أخرى، أو لم يكن له معنى معقول مقبول، فإننا نأخذ المعنى المجازي لا الحرفي. فمثلاً قول يوحنا المعمدان عن الرب يسوع « هوذا حمل الله » (يو1: 29)، واضح أن تعبير الحمل هنا مجازي؛ بمعنى أنه الذبيحة المعينة من الله، والتي تناسب الله لرفع حالة الخطية والتشويش من هذا الكون. وكذلك الآية التي وردت في عظة الجبل والتي تقول « إن كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها وألقها عنك » (مت5: 29)، هذه الآية لا تُفهم حرفياً؛ لأن الكتاب يعلمنا أن نعتني بأجسادنا، ثم إنه لو قلعت عيني اليمنى سأنظر وأشتهي بعيني اليسرى، فالخطية منبعها القلب. أما التفسير الصحيح لذلك أننا نضحي بأغلى شئ ولو كان في غلاوة العين اليمنى، حتى لا نخسر الحياة الأبدية.
أما عندما يلزم أن نأخذ التفسير المجازى، فإننا نبحث عن نفس المجاز في باقي الكتاب المقدس، ولا سيما مبدأ الإشارة الأولى (الذى سنتكلم عنه فى النقطة التالية). فمثلاً كان الرب يقصد معنى مجازياً عندما حذر تلاميذه من خمير الصدوقيين والفريسيين. الكتاب المقدس كله يعتبر الخمير صورة للشر والخطية. وإذا أخذنا الإشارة الأولى للخمير في الكتاب المقدس، فإن الرب حذر الإسرائيلي من أن يأكل خروف الفصح إلا بعد أن يطهر الخمير من مساكنه (خر12: 15)، وهكذا.
6- قانون الإشارة الأولى
شّـبه بعضهم الكتاب المقدس بخزانة مملوءة بالأطعمة أو إن شئت بالكنوز، وأن المفتاح لهذه الخزانة هو على الباب. وعليه فإن الإشارة الأولى لأية كلمة في الكتاب المقدس يكون لها مدلولات قوية تساعد بعد ذلك على تحديد المعنى المقصود من هذه الكلمة في كل الكتاب. فإذا فهمنا جيداً هذا المبدأ كم يصبح سفر التكوين غنياً وثميناً لدارسي الكتاب، إذ سنجد فيه ما لا يحصى من الأفكار التي ترد في الكتاب لأول مرة. لقد دُعي هذا السفر بحق "مخزن بذار الكتاب المقدس".
7- قانون الإشارة المتكررة (الإعلان المتدرج):
فلا تكرار لمجرد التكرار في كلمة الله، فعندما يكرر الرب أية فكرة سبق ذكرها، فلابد أنه يريد أن يلقى ضوءاً جديداً على جانب لم يسبق أن أوضحه قبل ذلك، كقول إشعياء النبي « هنا قليل هناك قليل » (إش 28: 10). ولعل أوضح الأمثلة لذلك ما ورد في تكوين 1، 2 فلقد كرر الرب الإشارة إلى عملية خلق الإنسان في تكوين 2 وذكر عدة تفصيلات لم ترد في الفصل الأول.


. يتبع ..

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:25 AM
أساليب الدراسة المختلفة للكتاب المقدس


1- أسلوب دراسة الأسفار
هذه أهم وأبسط طرق دراسة الكتاب المقدس وأكثرها انتشاراً، وننصح بها بالنسبة للمبتدئين فى الدراسة. وفى هذه الحالة يفضل الابتداء بالأسفار الأسهل فالأصعب. العهـد الجديد أولاً ثم القديم. ولكن بالنسبة للمتقدمين فى الدراسة ننصح أن تتم الدراسة بترتيب الأسفار، فنتفادى بذلك التركيز على أسفار بعينها على حساب إهمال أسفاراً أخرى.
وفى دراسـة الكتاب بهذه الطريقة هناك أسلوبان يكملان بعضهما ويطلق عليهما أحياناً "الدراسـة التليسكوبية" و "الدراسة الميكروسكوبية". فالتلسكوب هو ذاك الجهاز الذي يدهشنا بعظمة اتساع الكون الهائلة، بينما الميكروسكوب هو جهاز يدهشنا بدقة مكوناته المذهلة. هذان الأسلوبان يذكراننا برجلين لله في العهد القديم هما موسى ويشوع. الأول أخذه الرب فوق جبل نبو وأراه الأرض كلها دفعة واحدة (تث34)؛ لقـد شاهد منظر كل أرض كنعان من فوق، ولو أنه لم يسمح له بأن يمشى فيها. وما كان أجمل منظر الأرض البهية بالنسبة له! أما الشخصية الأخرى فهى شخصية يشوع بن نون. هذا الرجل سمح له الرب أن يسير في رحاب أرض عمانوئيل شبراً شبراً. لقد قال له الله في الأصحاح التالي لكلام الرب مع موسى « كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته » (يش1: 3). وهو ما تحقق فعلاً على عهد يشوع، لقد سار فيها برجليه، وامتلكها فعلاً.
هكذا تماماً كل من الدراسة التليسكوبية والدراسة الميكروسكوبية؛ في النوع الأول من الدراسة نحن نأخذ فكرة عن السفر دون الخوض فى تفاصيله الدقيقة. هذه النظرة للسفر يسميها البعض "نظرة عين الطائر"، ستعطيك مجالاً واسعاً ونظرة شاملة دون تعمق. فعن طريق قراءة السفر كله في جلسة واحدة، إن أمكن (وإن كان صغيراً تعاد قراءته عدة مرات)، ستفتح أمامك معاني لم تكن تحس بها من قبل، وستشعر بالرابطة الجميلة بين مفردات السفر التي لم تكن تلحظ العلاقة بينها.
من المهـم في هذه الدراسة أن تحاول معرفة الطابع العام للسفر، وكذا ملاحظة تكرار كلمـات بعينها فيه مثل: كلمة "الفرح" في رسالة فيلبى، أو "السلوك" في رسالة أفسس، أو "السيرة" في رسالتى بطرس، أو كلمة "أفضل" في رسالة العبرانين... وهكذا.
وقبل أن تترك هذه الدراسة اعرف من هو كاتب السفر، وفي أي زمن كتب، والظروف المحيطة به وقت كتابة السفر. فسيكون جميلاً عندما تلاحظ مثلاً أن رسالة فيلبي التي طابعها الفرح كتبها بولس وهو فى القيود مسجوناً!
وبعد هذه الدراسة يأتي دور الدراسة الميكروسكوبية، التى تنفذ إلى دقائق الموضوع؛ فيقسـم السفـر إلى أقسام، ثم الأصحاح إلى أقسام أصغر حتى نصل إلى الآية. بل الآية الواحدة نفسها نبدأ بمحاولة فهم كل كلمة منها.
وبعد أن تكون قد فهمت القصد من الآية، يمكنك أن تتأمل فى الكتاب المقدس لتعرف أين ترد التعاليم أو الأقوال المتشابهة، وما النور الجديد الذى حصلت عليه من هذا الفصل، فكما ذكرنـا قبلاً في مبادئ التفسير أنه لا يوجد في كلمة الله تكرار لمجرد التكرار، بل إن الله إذا كرر الكلام فى أى موضوع فإنما لإبراز جانب معين أو لإلقاء نور إضافي عليه.
2- أسلوب دراسة الموضوعات
هذه هي نفس الطريقة التي استخدمها ربنا يسوع مع تلميذي عمواس، عندما شرح لهما الأمور المختصة به فى جميع الكتب (لو24 : 27). هذه الدراسة تصلح للمتقدمين نسبياً فى كلمة الله. كأن تدرس مثلاً موضوع الصليب أو موضوع النعمة أو الكنيسة أو مجيء المسيح الثاني، أو الدينونة، فتتبعه في كل أسفار الكتاب المقدس. أو تدرس موضوع الصلاة فتتتبع رجال الله القديسين في صلواتهم من أول الكتاب إلى آخره، وكذا التحريضات الكتابية على الصلاة وما ورد عن نتائجها، وكذا شروطها ومعطلاتها... الخ. وما يقال عن الصلاة يقال أيضاً عن الصوم أو عن الخدمة أو عن التكريس. . . الخ.
تحت هذا العنوان نشير أيضاً إلى دراسة موضوعات رمزية جميلة؛ مثل خيمة الاجتماع أو هيكل سليمان أو الذبائح. . . الخ، لاستخلاص الدروس الروحية المستفادة منها. أو دراسة موضوعات عامة كالتدابير؛ أي طرق تعامل الله مع البشر على مر العصور، وكذا العهود المختلفة، أو معجزات المسيح أو أمثال المسيح وهكذا.
وستجد لذة خاصة عند دراستك لرحلات شعب الله من مصر إلى كنعان، وكذا رحلات بولس الرسول الواردة فى سفر الأعمال، وتاريخ الكنيسة النبوي (رؤ2، 3) وغيرها وغيرها.


3- أسلوب دراسة السير أو الشخصيات الكتابية
وهـذه الطريقة واضحة من اسمها، وفيها يتم دراسة كل ما ذكره الكتاب المقدس عن هذه الشخصية. ابحث عن معنى اسمه واكتشف مدى انطباق المعنى على حياته. حاول أيضاً أن تعرف في أي زمن عاش والظروف المحيطة به وأسماء معاصريه من الشخصيات البارزة، ومن ذلك ادرس التشابه الذي بين أيامه وأيامنا الحاضرة لاستخراج الدروس العملية بالنسبة لنا. حاول اكتشاف نواحي القوة في حياته ونواحي الضعف ومسبباته، وكذا في أي شئ يرمز للمسيح.
أعتقد أنه من الأفضل أن تبدأ بدراسة الشخصيات المعروفة كإبراهيم ويوسف وموسى وداود . . . الخ. وبعد ذلك الشخصيات الأقل انتشاراً في الكتاب المقدس مثل جدعون ويوناثان ويوشيا . . . حتى نصل إلى شخصيات حلوة لكن لم تشغل فى الكتاب سوى آيات قليلة مثل عكسة (قض 1) وياعيل (قض 4، 5) ويوناداب بن ركاب (2مل 10: 15، أر35) . . . الخ، أو مثل عنى بن صبعون (تك36: 24) أو رصفة بنت أية (2صم 21: 10، 11) أو حنينا رئيس القصر أيام نحميا (نح 7: 2) . . . الخ.
4- أسلوب دراسة الكتاب حسب فئات الناس حولنا
هذه الطريقة تصلح بصفة خاصة فى مجال العمل الفردي. وفيها تدرس كل ما يقوله الكتـاب المقدس لفئات الناس المختلفة؛ الآباء والأبناء، الأزواج والزوجات، وكذلك ما يصلح فى الكتاب للمتألمين، أو المرضى، والمضطهدين وأيضاً ما يناسب المتشككين أو اليائسين. وأيضاً ما يقوله الكتاب المقدس عن السكيرين والمستبيحين. وأيضاً المتهاونين والمؤجلين . . . وهكذا.
مساعدات أخرى لدراسة الكتاب المقدس
1- تعلم اللغات الأصلية للكتاب
إنه ليس ترفاً عديم القيمة أن تقرأ الكتاب المقدس باللغة التى كُتب فيها، فهناك كلمات فى اللغة الأصلية لا يوجد شبيه تام لها فى لغتنا العربية، وكلمات أخرى لها أكثر من معنى أو استخدام. فعلى سبيلالمثال كلمة "تاجر" في المثل السادس لملكوت السموات (متى13: 45)؛ جاءت فى الأصل اليوناني كلمة تعنى حرفياً "مسافر في مهمـة عمل" . ما أجمل أن تطبق هذا المعنى على المسيح الذي سافر من السماء إلى الأرض في مهمة ما أهمها! ثم كلمة "باع" المذكورة في نفس المثل تختلف فى الأصل اليوناني عن الكلمة المترجمة أيضاً "باع" في المثل الخامس (ع44)، التي تستخدم لمعاملات البيع والشراء العادية، أما الخاصة بمثل اللؤلؤة فهى تستخدم للبيع كعبد. ما أكثر البركة التى تجنيها عندما نتأمل فى هذه الأفكار؛ فهذا المسافر فى مهمة عمل، ضحى وأصبح عبداً إلى الأبد لأنه أحب الكنيسة (أف 5: 25). لقد أصاب مؤلف كتاب "بعض كنوز مخبأة فى العهد الجديد باللغة اليونانية" عندما قال "أعتقد أنه ليس قبل أن نصل إلى بيتنا السماوي سيمكننا أن نعرف حجم الخسارة التى تكبدناها بإهمالنا العهد الجديد اليوناني".
وفى حالة تعذر تعلم العبري واليوناني، يمكن الاستعاضة عن ذلك بالاستعانة بترجمات أخرى للكتاب المقدس. وبالنسبة لمن لا يعرف سوى اللغة العربية ينصح بالكتاب المقدس ذي الشواهد، والترجمة التفسيرية.
2- الاستعانة بقواميس وفهارس الكتاب المقدس
فالقـواميس تسهل عليك معرفة المعاني الغامضة للكلمات، وكذا معاني الكلمات والأسماء الأعجمية، أما الفهارس فإنها توفر عليك الوقت الطويل فى البحث عن الآية المطلوبة، كما تعطيك أماكن تواجد نظائرها فى الكتاب المقدس مما يفتح أمامك متسعاً للبحث والتأمل.
3- الشروحات والتفاسير
إننا نتذكر هنا نصيحة بوعز لراعوث لما قال لها « إذا عطشت فاذهبي إلى الآنية واشربي مما استقاه الغلمان » (را 2: 9). فلقد كان للغلمان طاقة أكبر مما لراعوث فى استخراج الماء من البئر العميقة. هكذا أيضاً يوجد رجال لله زودهم الرب بمواهب فذة، استطاعوا فهم كلمة الله بصورة واسعة. ونحن نشكر الرب عليهم لأن المواهـب التى أعطاها الرب؛ رأس الجسد، هي « لأجل تكميل القديسين، لعمل الخدمة، لبنيان جسد المسيح » (أف 4: 11، 12)، وهم بما سجلوه فى كتب صـاروا بـركة للأجيال. والمكتبات اليوم عامرة بعصارة جهدهم وطاقتهم وبحوثهم فى هذه الكلمة.


وإن لنـا من المثال الموحى به فى 2تيموثاوس 4: 13 تشجيعاً إلهياً على قراءة هذه الشروحات. ولو أننا نريد أن نحذر هنا بقوة من خطر الانصراف بقراءة هذه الشـروحات عن قراءة كلمة الله نفسها. هذه بلا شك عادة سيئة، فالكتاب المقدس يجب أن يأخذ المجال الأول في قراءاتنا. وإذا أردنا أن نعقد مقارنة بين تعلم الحق من قراءة الكتاب المقدس مباشرة وبين تعلمه من قراءة الشروحات؛ فإنه يمكن القول إن الكتب الروحية تعطى مجالاً أوسع لفهم الحق، والقراءة المباشرة للكتاب تعطى عمقاً أكبر فى تقدير الحق. الأولى تعطى كمية أكبر والثانية تعطى تدريباً أكبر. فإن جمعنا بين الأمرين فنعما نفعل.
4- الاجتماعات الروحية والجلسات
فعن طريق حضور الاجتماعات باسم الرب، لا سيما اجتماعات درس الكتاب، ينمو القديسون فى إدراك الكلمة. كما أن جلسات الأحباء معاً، إذا قُضيت فى الأسئلة الروحية والتأمل فى الكلمة، تعود على الإخوة بالنفع الكثير « وأنتم متأصلون ومتأسسون فى المحبة حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو » (أف 3: 18). لم يتعمق الإخوة في أول عهدهم فى فهم كلمة الله إلا عن طريق هذه الاجتماعات الروحية، والجلسات الحبية.
ليت الرب المُقام، الذي جاء إلى تلاميذه عشية يوم القيامة وفتح ذهنهم ليفهموا الكتب، يفعل نفس الشئ معنا نحن أيضاً. وليته يعطينا القلب الملتهب ليزداد حبنا وشغفنا بمن هو موضوع الكتاب. وليت الرب يهبنا الذهن الواعي والقلب المدَّرب والحياة المتجاوبة. وحقاً أن تفتح كتابك، ثم تفتح قلبك للكتاب، ثم تفتح فمك طالباً من الله أن تسلك بموجب ما قرأت فهذا مفتاح للأمان واليقين والبهجة.

الملاك الحارس
19-09-2006, 09:26 AM
======= النهاية =======

+++ الدراسة منقولة عن موقع دراسات للكتاب المقدس +++


لكل كمال رايت حداَ اما وصيتك فواسعة جداَ
مزامير داود 119 : 46

بهذا أكون قد انتهيت من هذا الكتاب، الذي كان غرضي الرئيسي منه أن أزيدك حباً للكتاب المقدس، وإعجاباً خشوعياً به، وأحثك نتيجة لذلك على دراسته بصورة أعمق. فإذا كنت قد نجحت بمعونة الروح القدس فى هذا فإن تعبي لم يضع سدى. أما أنت فستكون قد وضعت رجلك على طريق البركة الحقيقية؛ النصيب الصالح الذي لن ينزع منك.
اقرأ الكتاب المقدس، ادرس كتاب الله الثمين.
اصرف وقتك في هذا، وفتش فيه بصبر فإنه منجم كنوز.
وحتى لو استنفذ هذا منك الجهد والوقت
فلن يضيع جهدك في دراسة كهذه، بل إنك ستعوض بوفرة.
ستحصل على كنوز لا تنفد ...
إذ ستعرف الرب يسوع
الذي فيه الكنوز كلها مذخرة، والغنى وفير. آمين

فهو المقَّدسُ والمليحُ ضياهُ
فاقرأْهُ يلمعُ في الظلامِ سناهُ
وهو الأنيسُ المؤنسُ ترضاهُ
تاقتْ إلى القوتِ فما أحلاهُ!
وبه إذا مرضَ العليلُ دواهُ
ما مثلُه سيفٌ وليس سواهُ
فابحثْ وفتِّشْ عنها، ما أغلاهُ!
فاقَ الوادئعَ في البنوكِ غناهُ
يهبُ الحياةَ لمؤمنٍ بفداهُ
يعطي لتطهيرِ القلوبِ دماهُ!
فتشْتَ فيه لتفهمَ معناهُ!
تُؤتي الثمارَ تحيطُها الأمواهُ
مملوءةٌ بالخيرِ ما أوفاهُ!
ماءُ يروِّيكَ وما أحلاهُ!
بل والنصيب تظلُّكَ جنحاهُ
خبزُ الحياةِ وقوتُها، نُعماهُ
إن السعادةَ في غنى مرعاهُ
وهو النصيبُ الصالحُ : اللهُ!!
ظَمِئَتْ قلوبٌ تلجأُ لسواهُ!
صادقةً دائمةً تملاهُ
ما دائمٌ في حبِّه إلاهُ!
لكتابُ حبٍ دائماً تقراهُ!!
اقرأ كتابَ اللهِ ما أسماهُ
فهو الضياءُ إذا طريقك مظلمٌ
وهو العزاءُ إذا ألمَّ بك الأسى
وهو الطعامُ لروحِك إن جعتَ أو
وبه إذا عطشَ الفؤادُ مياهُه
سبفُ الجهادِ في الحياةِ مُظفَّراً
وبه كنوزُ الحكمةِ الأبديةِ
واملأ جيوبَك بالجواهرِ إنه
الجوهر فيها هو الفادي الذي
قد مات عنك وما أجَلَّ فداءَه
فاقرأ كتابَ الله، طوباك إذا
صرتَ إذن كالدوحةِ مغروسةً
فجذورُها رَيَّانةٌ، وثمارُها
ثبِّت حياتَك في الكتابِ فإنه
واشبعْ بربِّك فادياً ومخلصاً
ما الخبزُ كافٍ للحياةِ وإنما
فادرِسْهُ في شوقٍ وفي صبرٍ إذن
وافرحْ بربِك فيه، فهو حبيبُك
ما غيرُه حبٌ يُروِّي قلبَك
فاملأْ به قلباً يريدُ محبةً
واحذرْ إلهاً غَيرَه يغويك إذ
وعليك بالسفرِ المقدسِ إنه


هو كنزٌ من الدُّرِ
وَعُدْ وابحثه في صبرِ
ومهما قضيتَ من عمرِ
ستجني وافرَ الخيرِ
بأفضالٍ بلا حصرِ
ذي مات عن البشرِ
ولو ضحيت بالعمرِ
كلامُ اللهِ في سفرِ
ففتشْ فيه وادرسه
ومهما صرفت من وقتِ
لتحفظه وتعرفه
يعوضك ويجزيك
ففيه ستعرف الفادي الـ
فلا كنز يساويه

وتذكرونى فى صلواتكم اخوتى هنا ..

ولمن يرد الاحتفاظ بهذة الدراسة أو اى موضوعات طويلة نشرت هنا نظرا لوقتة وطول الموضوع وصعب جلوسة على النت لفترات طويلة يفعل الخطوات الاتية :

== من المتصفح لديك افتح قائمة فيل (File ) واختر حفظ باسم (( save as )) ثم ..
== يقتح لك مربع حوار لاختيار نوع الحفظ للملف ومكان الحفظ على الهارد ديسك ..
== نختار مكان اخر غير البارتيشن c أو d لسبب دول بيكون عليهم نسخ الوندوز ومعرضين للتلف والفرومات بصورة مستمرة وضياع كل ما تم حفظة عليهم نختار بارتيشن اخر من قطاعات الهارد ديسك ..
== ثم ننشئ مجلد جديد باسم منتديات السيدة العزراء مريم ثم ننشئ بداخلة مجلد باسم القسم الذى سوف نحفظ منة الموضوعات ننظم شوية العملية ..
== ثم من خواص الحفظ فى مربع الحوار من اسف نتختار الحفظ بطريقة او امتداد ويب رشيف (( *.mht )) وهذا لسبب افضل حفظ اى صفحة نت بطريقة ويب ارشيف سوف يحفط كل الموجود فى الصفحة بداخلها وتكون ملف واحد فية كل حاجة لكن حفظ باسلوب عادى بيكون صفحة وبجوراها مجلد فية الصور وباقى الموجود ومعرض للتلف وعدم الفتح بسهولة وافضل طريقة حفظ لموضوعات المنتدى طريقة الويب ارشيف ..




=== انتهى الموضوع ===

الرب قريب
22-09-2006, 10:58 AM
جميل جدا بس الموضوع كبير جدا ياريت تكبر الخط شويه

osamaa15
26-09-2006, 09:33 AM
مشكور حبيبي ربنا يعوضك بجد استفدنا من الموضوع ده





الف الف الف مبروك
smsm

جرجس رخا
25-12-2006, 12:03 PM
الموضووووووووووووووووووووووووووووع كبير وهيتحل

العاجيبي
29-12-2006, 03:43 PM
جميل ربنا يعوضك يا اخ هاني

أكرم عادل عجيب
12-04-2010, 12:30 AM
معلومات جميلة جدا جدا ربنا يبارك خدمتك